أصدرت مبادرة "عراقيون"، بيانًا علقت فيه على ما وصفته بـ"فضائح الفساد الحالية"، معتبرة أن الاعتقالات الأخيرة التي طالت عددًا من أعضاء مجلس النواب وشاغلي المناصب العليا، وما رافقها من ضبط مبالغ مالية كبيرة مخبأة داخل منازل وأماكن تحت الأرض، تعكس حجم الأزمة التي تعاني منها مؤسسات الدولة، وتؤكد صحة مخاوف الشارع العراقي من تفشي الفساد.
وقالت المبادرة، إن هذه التطورات أظهرت أن الفساد لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل تحول إلى "منظومة اجتماعية وسياسية وإدارية متكاملة" ترتبط بشبكات النفوذ السياسي والمحاصصة الحزبية، معتبرة أن نظام المحاصصة وتقاسم الامتيازات أخفق في بناء مؤسسات الدولة، وأسهم في إيصال البلاد إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي.
وأشادت المبادرة بدور الجهات الرقابية والقضائية في ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، لكنها تساءلت عن أسباب تأخر اتخاذ الإجراءات بحق من تضخمت ثرواتهم أو حملاتهم الانتخابية، سواء من الذين تم اعتقالهم أو من لا يزالون خارج المساءلة، مشيرة إلى أن المواطنين كانوا يثيرون هذه التساؤلات منذ سنوات دون أن تلقى استجابة من الجهات المختصة.
وأكد البيان أن مكافحة الفساد يجب أن تكون عملاً يوميًا ومستمرًا، وليس حملات موسمية أو انتقائية تقتصر على ملفات محددة، محذرًا من أن اقتصار الإجراءات على بعض القضايا دون غيرها يثير تساؤلات بشأن جديتها واستمراريتها، وما إذا كانت تستهدف شخصيات بعينها دون الوصول إلى المتورطين الكبار.
ودعت المبادرة إلى معالجة جذور الفساد من خلال إصلاح مؤسسات الدولة، وإغلاق منافذ الهدر المالي والإداري، وتطبيق مبدأ "من أين لك هذا؟" على جميع المسؤولين دون استثناء، إلى جانب إقرار قانون حق الحصول على المعلومة، واعتماد الأتمتة والرقمنة في إدارة مؤسسات الدولة للحد من فرص الفساد.
كما حذرت من تحويل إجراءات الملاحقة إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو استهداف أشخاص محددين وفق اعتبارات مصلحية، مؤكدة أن نجاح مكافحة الفساد يتطلب الحياد وسيادة القانون.
وشدد البيان على أن مواجهة الفساد تستلزم تنفيذ مشاريع استراتيجية لإعادة بناء منظومة القيم، وترسيخ مبادئ النزاهة واحترام القانون، بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولًا إلى مؤسسات الدولة، بما يجعل المنصب العام مسؤولية وطنية لا امتيازًا حزبياً.
ودعت المبادرة مجلس القضاء الأعلى إلى إعلان نتائج التحقيقات المنجزة للرأي العام بصورة مستمرة، مؤكدة رفضها مبدأ استعادة الأموال المسروقة مقابل إسقاط الدعاوى القضائية عن المتهمين.
واختتمت "عراقيون" بيانها بالتأكيد على أن معركة العراق الأساسية ليست مع أفراد بعينهم، وإنما مع منظومة الفساد بأكملها، مشددة على أن بناء دولة المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية يمثل السبيل الوحيد لاستعادة ثقة المواطنين وإعادة الوطن إلى مسار الإصلاح.
وشهد العراق خلال الأيام الماضية سلسلة من عمليات الاعتقال طالت عددًا من النواب الحاليين والسابقين، إلى جانب مسؤولين يشغلون مناصب عليا في مؤسسات الدولة، ضمن تحقيقات تتعلق بقضايا فساد وإثراء غير مشروع. وأثارت هذه القضايا اهتمامًا واسعًا بعد تداول صور ومقاطع فيديو أظهرت ضبط مبالغ مالية كبيرة بعملات محلية وأجنبية، إضافة إلى سبائك ذهب ومقتنيات ثمينة، عُثر عليها داخل منازل بعض المتهمين وفي مخابئ تحت الأرض، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية والقضائية.
وأعادت هذه الوقائع الجدل بشأن حجم الفساد في مؤسسات الدولة، وآليات الرقابة على المال العام، كما دفعت قوى سياسية ومنظمات مدنية إلى المطالبة بمواصلة التحقيقات وصولًا إلى جميع المتورطين، وعدم الاقتصار على شخصيات محددة، مع إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام وضمان استرداد الأموال المنهوبة وفق الأطر القانونية.
أموال الشعب خط احمر
من جانبه، أكد رئيس هيئة النزاهة الاتحادية، القاضي محمد علي اللامي، أن حماية أموال الشعب تمثل خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه، مشدداً على أن سلطة القانون ستطال كل من يعتدي على المال العام مهما كان منصب الوظيفة التي يشغلها.
وأوضح اللامي أن إجراءات الهيئة الرقابية تستند بشكل كامل إلى الأطر القانونية والدستورية، وهي لا تستهدف أسماءً أو مناصب سياسية أو حكومية بعينها، بل تنصب جهودها حصراً على ملاحقة المتجاوزين والمفسدين.
وأشار رئيس الهيئة إلى أن الحكومة العراقية وضعت ملف مكافحة الفساد المالي والإداري في مُقدّمة أولويات منهاجها الوزاري، مبيناً أن استئصال هذه الآفة يُعد الركيزة الأساسية لتوفير بيئة استثمارية آمنة، مستقرة، وجاذبة للاستثمارات الأجنبية والمشاريع التنموية داخل البلاد.
كما اختتم اللامي تصريحه بالإشارة إلى أن مواجهة الفساد العابر للحدود تتطلب بناء شراكة دولية فاعلة وتنسيقاً وثيقاً مع الجهات الخارجية لضمان تتبع واسترداد الأموال المنهوبة وإلقاء القبض على المتهمين الهاربين خارج العراق.