اخر الاخبار

يثير إدراج القراءة الأولى لمشاريع قوانين المصادقة على الحسابات الختامية لأربع سنوات مالية دفعة واحدة، هي 2012 و2013 و2014 و2015، ضمن جدول أعمال جلسة اليوم الخميس، تساؤلات جادة بشأن الكيفية التي يُتعامل بها مع أحد أهم الملفات المالية والرقابية في الدولة.

خصوصاً وهي تمثل وثائق تفصيلية تكشف حجم الإيرادات والنفقات وطبيعتها، وتقيس مدى التزام الحكومة بتنفيذ الموازنة، وتُعد أساساً لمساءلة الجهات المنفذة عن أي تجاوزات أو مخالفات في إدارة المال العام.

4 سنوات دفعة واحدة!

ويرى مراقبون، أن تجميع أربع سنوات مالية في جلسة واحدة يوحي بأن الملف يُتعامل معه بوصفه استحقاقاً إجرائياً يراد إنجازه بسرعة لا اكثر، وليس كملف رقابي يستوجب دراسة متأنية ونقاشاً معمقاً يتناسب مع حجم البيانات والتصرفات المالية التي يتضمنها كل حساب ختامي.

ويزداد هذا الجدل في ظل تراكم هذه الحسابات لسنوات طويلة، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى الرقابة اللاحقة إذا جاءت بعد مرور أكثر من عقد على بعض تلك السنوات المالية والانكى دون محاسبة، وحول قدرة مجلس النواب على ممارسة دوره الرقابي بصورة فاعلة عند مناقشة ملفات بهذا الحجم في إطار زمني محدود.

معضلة الحسابات الختامية!

في هذا الصدد، يرى المختص في قضايا مكافحة الفساد سعيد ياسين، أن أزمة الحسابات الختامية تمثل واحدة من أبرز مواطن الخلل في إدارة المال العام، منتقداً التعامل اللامسؤول مع هذا الملف، رغم كونه استحقاقاً دستورياً ورقابياً بالغ الأهمية، مشيراً إلى أن تأخر إنجاز الحسابات الختامية وتقديمها يعد مخالفة دستورية مستمرة منذ سنوات.

ويقول ياسين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن الموازنات العامة أُقرت في العديد من السنوات من دون إرفاق الحسابات الختامية، وهو ما اثر على ممارسة ممارسة الدور الرقابي بصورة متكاملة، مبيناً أن ديوان الرقابة المالية يتولى تدقيق جميع التصرفات المالية للدولة، ويعد التقارير الخاصة بالحسابات الختامية وتقويم الأداء، فضلاً عن توثيق المخالفات وإحالتها إلى الجهات المختصة، ومنها هيئة النزاهة، عند وجود شبهات بارتكاب مخالفات أو جرائم مالية.

ويضيف أن تأخر تقديم الحسابات الختامية يثير بطبيعة الحال تساؤلات بشأن كفاءة المنظومة الرقابية، لافتاً إلى أن إلغاء مكاتب المفتشين العموميين ترك فراغاً رقابياً انعكس على أداء ديوان الرقابة المالية، ولا سيما في ما يتعلق بتدقيق العقود والمناقصات وآليات إحالتها، داعياً إلى تشريع قانون خاص بالعقود والمناقصات لسد الثغرات القانونية القائمة.

ويجد ياسين أن إقرار الموازنات من دون حسابات ختامية يرتبط في جانب منه بالإرادة السياسية، معتبراً أن استمرار هذا النهج يخدم مصالح قوى سياسية معينة، ويضعف أدوات الرقابة على الإنفاق العام، فيما يتمنى على مجلس النواب الامتناع عن تشريع أي موازنة لا تكون مرفقة بالحسابات الختامية وفقاً للأصول الدستورية والقانونية.

ويشدد ياسين على أن ديوان الرقابة المالية بحاجة إلى إعادة هيكلة وتأهيل لتعزيز فاعليته، وإنهاء تأثير المحاصصة في شغل المناصب القيادية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الموظفين المتقاعدين الذين غادروا المؤسسة بعد إقرار قانون التقاعد، مؤكداً أن إحالة عدد كبير من الكفاءات وخبراء الديوان إلى التقاعد كان ضربة مؤثرة أضعفت قدرات الديوان الرقابية.

ويؤكد ضرورة استكمال المنظومة الرقابية في العراق من خلال الجمع بين الرقابة الاستباقية والرقابة اللاحقة، وتعزيز التنسيق مع هيئة النزاهة والجهات القضائية، بما يسهم في رفع كفاءة الرقابة على المال العام، وكشف المخالفات في وقت مبكر، واسترداد الأموال العامة ومحاسبة المتورطين بقضايا الفساد.

ويشير ياسين إلى ان الحسابات الختامية لعام 2014 من أكثر الملفات حساسية، مبيناً أن تلك المرحلة ارتبطت بتقديرات تشير إلى هدر وفساد بلغت قيمته نحو 360 مليار دولار خلال الفترة من 2006 إلى 2014، مؤكداً أن حسم الحسابات الختامية يعد خطوة أساسية لكشف أوجه الإنفاق وتحديد المسؤوليات القانونية عن أي مخالفات مالية.

خلل متراكم

من جانبه، اشار أستاذ القانون الدستوري وائل منذر أن تأخر إنجاز الحسابات الختامية في العراق يعكس خللاً بنيوياً في الإدارة المالية للدولة، مبيناً أن إعدادها وتقديمها سنوياً يمثل التزاماً قانونياً يقع على عاتق الحكومة، فيما يتولى مجلس النواب إقرارها بوصفه الجهة التي شرعت الموازنة العامة وأجازت الإنفاق بموجبها.

وقال منذر لـ"طريق الشعب"، أن أبرز أسباب التأخير تعود إلى ضعف النظام المحاسبي المعتمد في مؤسسات الدولة واستمرار العمل بالآليات الورقية، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر إعداد الموازين الشهرية والمصادقة عليها، لينعكس ذلك على إنجاز الحسابات الختامية من قبل وزارة المالية وديوان الرقابة المالية.

وأضاف أن تراكم السلف المالية غير المحسومة، سواء بسبب شبهات الفساد أو عدم تطابق البيانات والوثائق المالية، يشكل أحد أبرز المعوقات أمام إغلاق الحسابات، لافتاً إلى أن هذه الإشكاليات تدفع ديوان الرقابة المالية إلى تأخير المصادقة عليها لحين معالجة الفروقات والتدقيق في الأرقام.

وانتقد منذر، توجه مجلس النواب للمصادقة على الحسابات الختامية لعدة سنوات في جلسة واحدة، معتبراً أن ذلك لا ينسجم مع طبيعة الرقابة البرلمانية، لأن مراجعة الإنفاق العام تستوجب نقاشاً وتدقيقاً مستقلاً لكل سنة مالية، على غرار ما يحدث عند مناقشة وإقرار الموازنة.

ونوه الى ان هذا يعطي بحد ذاته مؤشر حول طبيعة التعامل مع هذا الملف في مجلس النواب، مبيناً ان اعداد الموازنة يحتاج لعدة جلسات وشهور لحسمها، فمن غير المعقول والمنطقي حسم الحسابات الختامية بجلسة واحدة.

وأشار إلى أن مجلس النواب لم يمنح ملف الحسابات الختامية الاهتمام الرقابي الذي يستحقه، مبيناً أن المطالبات البرلمانية بإرسالها ظلت محدودة، في حين كان يفترض استخدام الأدوات الدستورية والرقابية، ومنها مساءلة الحكومة أو استجواب وزير المالية عند التأخر في تقديمها.

ورأى أن استمرار هذا الواقع يعكس حالة من الفشل الإداري والمالي، ويؤثر في قدرة الدولة على تقييم كفاءة الإنفاق العام وتوجيه الموارد بصورة صحيحة، الأمر الذي ينعكس سلباً على التنمية والاستثمار وتحسين الخدمات.

وشدد على أن مسؤولية هذه الأزمة مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، موضحاً أن وزارة المالية أخفقت في استكمال مشروع تحديث النظام المالي والتحول إلى الإدارة الإلكترونية الذي كان يفترض ان ينجز عام 2004، في حين لم يمارس مجلس النواب دوره الرقابي بالشكل المطلوب لضمان تطبيق قانون الإدارة المالية وإنهاء تراكم الحسابات الختامية، ما أدى إلى استمرار المشكلة لسنوات طويلة.