تحولت النفايات الإلكترونية من مجرد أجهزة تالفة إلى تحد بيئي وصحي متصاعد في ظل الزيادة المستمرة في استخدامها وغياب منظومة فعالة لإدارتها.
يقول مراقبون، أن الحد من مخاطرها يتطلب تشريعات متخصصة، وتوسيع عمليات إعادة التدوير، وتعزيز الوعي المجتمعي بطرق التخلص الآمن منها، في ظل انتاج ما يقارب ١٥٠ الف طن سنوياً منها!
تقادم مخطط
الدكتور الاستشاري محمد خضر الجبوري، من جانبه، قال أن الانتشار المتسارع للمخلفات الإلكترونية أصبح من أكثر التحديات البيئية تعقيداً على مستوى العالم، نتيجة تداخل أنماط الاستهلاك الحديثة مع محدودية أنظمة إدارة النفايات، محذراً من أن استمرار هذه الظاهرة دون حلول علمية سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على البيئة والصحة العامة والاقتصاد.
وأوضح الجبوري لـ"طريق الشعب"، أن جذور الأزمة تعود إلى ما يُعرف بـ"التقادم المخطط"، وهي سياسة تتبعها بعض الشركات المصنعة من خلال تقليص العمر الافتراضي للأجهزة الإلكترونية أو تصميمها بطريقة تجعل إصلاحها صعب أو غير مجد اقتصاديا، الأمر الذي يدفع المستهلكين إلى استبدالها باستمرار ويؤدي إلى تزايد كميات النفايات الإلكترونية بوتيرة تفوق قدرة الأنظمة التقليدية على إدارتها.
وأشار الجبوري، وهو خبير البيئة والمناخ، إلى أن هذه النفايات لا تمثل مجرد أجهزة تالفة، بل تعد مخزونا كبيرا من المواد السامة والمعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم ومركبات البروم المثبطة للهب والتي تتسرب إلى التربة والمياه عند التخلص منها بطرق عشوائية كالحرق أو الطمر غير الامن، لتدخل في السلاسل الغذائية، وتشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة والتنوع الحيوي واستقرار النظم البيئية.
وبين الجبوري، أن العلم يقدم حلولا عملية لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة اقتصادية من خلال مفهوم التعدين الحضري، الذي ينظر إلى المخلفات الإلكترونية باعتبارها مناجم ثانوية غنية بالمعادن الثمينة والنادرة، كالذهب والفضة والنحاس بدل من اعتبارها نفايات عديمة القيمة.
وأضاف أن الإدارة العلمية للمخلفات الإلكترونية تبدأ بعمليات تفكيك منهجية للمكونات وفق خصائصها الفيزيائية والكيميائية، تليها تقنيات استخلاص متقدمة تعتمد على المعالجة الهيدرومتالورجية، والتي تحقق معدلات عالية من استرجاع المعادن مع تقليل الانبعاثات الكربونية مقارنة بعمليات التعدين التقليدية.
الحل في الاقتصاد الدائري
وشدد الجبوري على أن نجاح هذه الحلول يتطلب تبني سياسات وطنية قائمة على مبادئ الاقتصاد الدائري، وفي مقدمتها تطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج، بحيث يتحمل المصنعون مسؤولية دورة حياة المنتج منذ مرحلة التصميم وحتى إعادة التدوير، إلى جانب اعتماد مفهوم التصميم من أجل التفكيك لتسهيل استعادة المكونات وإعادة استخدامها.
واختتم الجبوري بالتأكيد على أن التحول نحو الاقتصاد الدائري لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية تسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز كفاءة استخدامها، وتقليل الاعتماد على استخراج المواد الخام، بما يدعم بناء مستقبل رقمي أكثر استدامة ومسؤولية للأجيال القادمة.
بغداد في الصدارة
بدوره، ذكر مرصد العراق الأخضر، في بيان تابعته "طريق الشعب"، أن البلاد تنتج نحو 150 ألف طن منها سنويا، ما يشكل تهديداً متزايداً للتربة والمياه والصحة العامة في ظل غياب منظومة وطنية متخصصة لإدارتها.
وبين المركز إن "تقرير Global E-waste Monitor 2024 الصادر عن الأمم المتحدة أشار إلى أن العالم أنتج 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية خلال عام 2022، مع توقعات بارتفاعها إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030".
وأضاف أن "تقديراته، المستندة إلى عدد السكان ومتوسط معدلات تولد النفايات الإلكترونية وفق المؤشرات الدولية، تشير إلى أن بغداد تتصدر المحافظات بإنتاج يتراوح بين 60 و90 ألف طن سنوياً، تليها البصرة بإنتاج يتراوح بين 25 و40 ألف طن سنوياً".
تخلف 1000 مادة كيميائية ضارة
وأوضح أن "جزءا كبيرا من هذه النفايات ينتهي في المكبات البلدية أو يحرق ويفكك بطرق عشوائية داخل مناطق السكراب، ما يؤدي إلى إطلاق ما يصل إلى ألف مادة كيميائية ضارة، بينها الرصاص والزئبق والكادميوم والديوكسينات والتي تؤكد منظمة الصحة العالمية أنها تلوث الهواء والتربة والمياه وتشكل مخاطر صحية جسيمة، لا سيما على الأطفال والعاملين في مواقع التفكيك غير النظامية".
وأشار المرصد إلى أن "القيمة الاقتصادية للمواد الخام القابلة للاسترداد من النفايات الإلكترونية تُقدر عالمياً بنحو 91 مليار دولار سنوياً، إلا أن معظمها يُفقد بسبب ضعف أنظمة الجمع وإعادة التدوير".
ودعا إلى "الإسراع في تشريع قانون وطني لإدارة النفايات الإلكترونية، وإنشاء مراكز متخصصة لجمعها وإعادة تدويرها، ومنع الحرق والتفكيك العشوائي، وإلزام مستوردي الأجهزة باستلام الأجهزة القديمة عند بيع الجديدة، فضلاً عن إطلاق حملات توعية للتعريف بمخاطر التخلص العشوائي من الهواتف والبطاريات والأجهزة الإلكترونية".
خزنها في المنازل غير صحيح
من جهته، حذر الخبير البيئي جمعة الدراجي من تزايد ظاهرة النفايات الإلكترونية، مؤكدا أنها أصبحت تشكل تحديا بيئيا وصحيا يتطلب التعامل معها بطرق علمية وآمنة، مشيرا إلى أن خطورة هذه النفايات تزداد عندما تترك في الطرقات أو الأماكن العامة أو تخزن داخل المنازل لفترات طويلة، ولفت إلى أن الكثير من البيوت لا تخلو من أجهزة معطلة أو مكسورة يتم الاحتفاظ بها دون إدراك للمخاطر التي قد تسببها.
وأوضح الدراجي لـ"طريق الشعب"، أن النفايات الإلكترونية تشمل مختلف الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التالفة أو غير المستخدمة، مثل الثلاجات، والشاشات، وأجهزة التلفزيون، والهواتف المحمولة، وأجهزة الحاسوب، فضلاً عن ملحقاتها المختلفة.
وبين أن هذه الأجهزة تحتوي على معادن وعناصر متعددة، من بينها النحاس والرصاص، إضافة إلى مواد أخرى قد تكون سامة وتشكل خطراً على صحة الإنسان والبيئة.
وأكد الدراجي ضرورة التخلص من النفايات الإلكترونية وفق اليات علمية معتمدة، وعدم رميها بشكل عشوائي في الشوارع أو الحدائق أو أي أماكن قد يتعرض فيها المواطنون للمسها أو الاحتكاك بها، مشدداً على أهمية جمعها في حاويات مخصصة ونقلها إلى مواقع الطمر الصحي أو مراكز معالجة النفايات المعتمدة.
وتابع الدراجي بالتأكيد على أن التخلص الآمن من النفايات الإلكترونية يعد أمرا بالغ الأهمية، نظرا لما تمثله من مخاطر كبيرة على الصحة العامة والبيئة إذا بقيت في المنازل أو المكاتب أو الأماكن العامة، داعيا إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية إدارتها بالشكل الصحيح.
مبادرات لجمع النفايات الإلكترونية
من جانبها، أكدت الناشطة البيئية نجوان علي أن الوعي المجتمعي بمخاطر النفايات الإلكترونية ما يزال دون المستوى المطلوب، رغم التوسع الكبير في استخدام الأجهزة الإلكترونية داخل المنازل ومؤسسات العمل، مشيرة إلى أن كثيراً من المواطنين يجهلون الأضرار التي قد تنتج عن الاحتفاظ بالأجهزة التالفة أو التخلص منها بطرق عشوائية.
وقالت علي لـ"طريق الشعب"، إن من أكثر السلوكيات الخاطئة شيوعاً هو رمي الأجهزة الإلكترونية مع النفايات المنزلية أو تركها في الساحات والأماكن العامة، فضلاً عن تخزينها داخل المنازل لسنوات، رغم احتوائها على معادن ومواد كيميائية قد تتسرب إلى البيئة وتؤثر في صحة الإنسان إذا لم تُدار بالشكل الصحيح.
وأضافت أن منظمات المجتمع المدني والناشطين البيئيين يقومون بدور مهم من خلال تنظيم حملات توعية، وإطلاق مبادرات لجمع النفايات الإلكترونية، والتعاون مع الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية لنشر ثقافة إعادة التدوير وتعزيز المسؤولية البيئية لدى مختلف شرائح المجتمع.
ودعت علي إلى تبني استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة النفايات الإلكترونية، تتضمن إنشاء مراكز متخصصة لجمع وفرز وإعادة تدوير هذه المخلفات وسن تشريعات تلزم الشركات المصنعة والمستوردة بالمساهمة في استعادة الأجهزة المنتهية الصلاحية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في قطاع إعادة التدوير.