في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ما قد تسفر عنه المباحثات العراقية – الأمريكية من إعلان عن عقود وشراكات اقتصادية جديدة، يتجدد النقاش داخل الأوساط السياسية والاقتصادية بشأن طبيعة هذه الاتفاقات وجدواها وانعكاساتها على مستقبل الاقتصاد العراقي.
وبين من يرى فيها فرصة لاستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا ودعم مشاريع التنمية، ومن يحذر من مخاطر الارتهان الاقتصادي أو ربط القرار الوطني بمصالح خارجية، تبرز تساؤلات حول قدرة العراق على إدارة شراكاته الدولية وفق رؤية استراتيجية توازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية السيادة الوطنية، بما يجعل المصلحة العراقية المعيار الأساس في أي اتفاق أو تعاون خارجي.
حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم
وشهدت زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن توقيع حزمة 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى، في خطوة تستهدف توسيع الشراكة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة ونقلها من الإطار الأمني إلى التعاون في مجالات الاستثمار والتنمية.
شملت الاتفاقات تعاوناً بين وزارتي النفط والكهرباء وشركاتهما مع عدد من الشركات الأمريكية، أبرزها إكسون موبيل، وكي بي آر (KBR)، وجي إي فيرنوفا (GE Vernova)، وشل، وهاليبرتون، إلى جانب اتفاق لإدخال خدمات ستارلنك بالتعاون مع هيئة الإعلام والاتصالات.
كما تضمنت مذكرات تفاهم واتفاقيات مع شركات ومؤسسات أمريكية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة والصناعة، من بينها UOP، وبولاريس، وجمعية مهندسي الطاقة (AEE)، وPPTA، إضافة إلى اتفاقيتين مع شركة فريتو لاي لتطوير القطاع الزراعي، واتفاقيات مع بيبسيكو والقطاع الخاص العراقي.
وامتدت الاتفاقات إلى مشاريع تتعلق بمد خطوط الأنابيب النفطية باتجاه ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن شراكات في مجالات التعليم، وتوريد وتصنيع الأدوية، بما يعكس توجهاً لتوسيع التعاون الاقتصادي ليشمل قطاعات إنتاجية وخدمية متعددة.
فرص للاستثمار ام ارتهان للخارج؟
في هذا الصدد، يقول عضو مجلس النواب السابق، ياسر الحسيني: إن التحذير من الارتهان الاقتصادي للولايات المتحدة لا يأتي من باب التشاؤم، إذ يستند إلى ما يصفه بتجارب الحكومات والقوى السياسية المتعاقبة في إدارة الملف الاقتصادي، معتبراً أن إبرام العقود يجب أن يستند إلى دراسات يعدها خبراء الاقتصاد العراقي، لا إلى اعتبارات سياسية.
ويضيف الحسيني في حديثه مع "طريق الشعب"، أن العراق يمتلك كفاءات وخبرات اقتصادية قادرة على تقييم أي اتفاق أو عقد قبل إبرامه، مشيراً إلى وجود تحفظات أُثيرت بشأن بعض المشاريع، ومنها مشروع ستارلينك، سواء من الجوانب الاقتصادية أو الأمنية أو الاجتماعية، فضلاً عن ملفات أخرى تتعلق بقطاع النفط.
ويرى أن التجارب السابقة مع بعض الشركات الأمريكية في إدارة عدد من الملفات لم تحقق النتائج المرجوة، معتبراً أن هذه التجارب تدفع إلى توخي الحذر عند الدخول في تعاقدات جديدة، واصفاً بعض التوجهات الحالية بأنها “قرصنة ترامبية”.
ويشير إلى أن المعلومات المتوفرة بشأن العقود التي يجري الحديث عنها لا تزال مقتصرة على ما يُنشر في وسائل الإعلام، منوهاً الى أن تفاصيلها الحقيقية لم تُعلن حتى الآن، الأمر الذي يدفع، بحسب رأيه، إلى التحذير من المضي بها بهذا الشكل دون تمحيص ودراسة معمقة بصورة دقيقة.
تغليب المصلحة الوطنية
من جهته، يجد الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، أن أي شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة أو غيرها ينبغي أن تُقاس بمدى ما تحققه من مصالح حقيقية للعراق، لا بحجم الاتفاقات أو قيمتها المالية، مؤكداً أن التجارب السابقة أثبتت أن بعض الشراكات الدولية لم تنعكس بالشكل المطلوب على الاقتصاد العراقي، الأمر الذي يستوجب التعامل بحذر مع أي تعاقدات جديدة وإخضاعها للدراسة والتقييم من قبل الجهات المختصة.
ويقول التميمي لـ"طريق الشعب"، إن الاستفادة من الشراكات الخارجية لا تتحقق إلا إذا تضمنت نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات، وخلق فرص عمل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات القطاع الخاص، لا أن تتحول إلى تبعية وعقود استهلاكية تزيد من اعتماد العراق على الخارج أو تمنح الشركات الأجنبية امتيازات لا تخدم الاقتصاد الوطني.
ويضيف، أن حماية القرار الاقتصادي العراقي تتطلب وضع ضوابط قانونية ورقابية صارمة تضمن الشفافية والإفصاح عن تفاصيل العقود، ومنع أي اتفاق قد يؤدي إلى تكريس التبعية الاقتصادية أو يمنح أطرافاً خارجية قدرة على التأثير في القرارات السيادية للعراق، مشدداً على أهمية تنويع الشركاء الاقتصاديين وعدم حصر التعاون بدولة واحدة.
ويرى التميمي أن المطلوب من صانع القرار العراقي هو تبني سياسة اقتصادية وخارجية مستقلة تنطلق من مبدأ “العراق أولاً”، بحيث تُبنى العلاقات الدولية على أساس المصالح الوطنية المتبادلة، لا على الضغوط أو الاصطفافات السياسية.
ويعتقد أن قوة العراق تكمن في تنويع شراكاته الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يحصّن الاقتصاد الوطني من أي ضغوط أو محاولات للتأثير في قراره السيادي.
إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية
من جانبه، يقول الأكاديمي والمتخصص في العلاقات الدولية الاستراتيجية علي أغوان، أن الحديث عن طبيعة العقود أو الشراكات الاقتصادية قبل الإعلان عن تفاصيلها يبقى سابقاً لأوانه، مشيراً إلى أن تقييمها ينبغي أن يستند إلى مضمونها ومدى توافقها مع المصالح الوطنية، لا إلى توقعات أو مواقف مسبقة.
ويؤكد اغوان لـ"طريق الشعب"، أن المنطقة تشهد مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الاستراتيجية، وأن العراق يمتلك موقعاً جغرافياً وإمكانات اقتصادية تؤهله للقيام بدور محوري في المشرق العربي، ولا سيما في مجالات الطاقة، والربط الكهربائي، والنفط والغاز، بما يحقق المصالح المشتركة مع دول الجوار ويعزز الاستقرار والتنمية الإقليمية.
ويضيف أن قدرة العراق على أداء هذا الدور تبقى مرهونة بإجراء إصلاحات داخلية حقيقية، تشمل مكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتطوير البيئة الاستثمارية، بما يوفر مناخًا جاذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية ويعزز الثقة بالاقتصاد العراقي.
ويشير الى أن نجاح أي انفتاح خارجي يعتمد على قدرة صانع القرار العراقي على تغليب المصلحة الوطنية، والانفتاح على مختلف الشراكات الاقتصادية بما يحقق مصالح العراق، بعيدًا عن سياسة المحاور أو الارتهان لأي طرف.
وفي ما يتعلق بملف السلاح، يلفت أغوان إلى أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد متطلبات بناء الدولة وتعزيز الاستقرار، مشيراً إلى أن وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية لم يعد له مبررات لاستمراره، خاصة مع تراجع التهديدات الأمنية التي كانت تُستخدم سابقاً لتبرير حمله، مؤكداً أن هذا الملف ينبغي أن يُعالج ضمن إطار مؤسسات الدولة والقانون.
وعن التحذيرات من الارتهان الاقتصادي للولايات المتحدة، يرى أغوان أن قراءة طبيعة العلاقات الاقتصادية يجب أن تستند إلى المؤشرات والأرقام الفعلية، موضحاً أن العراق يرتبط بعلاقات تجارية واسعة مع عدد من الدول، فيما لا تُعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للعراق.
ويؤكد ايضاً أن تنويع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على الخبرات الدولية في مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتحولات الطاقة، لا يعني الارتهان لأي دولة، ويجب ان يندرج ضمن سياسة اقتصادية تقوم على تحقيق المصالح الوطنية والاستفادة من الفرص المتاحة مع مختلف الشركاء الدوليين.