لم تعد الرسوم والضرائب في العراق تقتصر على كونها أدوات لتمويل الخزينة العامة، بل تحولت بحسب مراقبين إلى أحد أبرز الأعباء التي تثقل كاهل الأسر في ظل اتساع نطاق الجباية وفرض رسوم على مختلف الخدمات والمعاملات. وبينما تؤكد الحكومة أن تنويع الإيرادات غير النفطية يمثل ضرورة لمواجهة التحديات المالية، تتصاعد المطالبات بإصلاح السياسة الضريبية وربط أي أعباء مالية بتحسين ملموس في مستوى الخدمات العامة،
ويحذر اقتصاديون من أن الارتفاع في الرسوم قد يضعف الاستثمار ويزيد من توسع الاقتصاد غير الرسمي، ويقوض أهداف الإصلاح الاقتصادي على المدى البعيد.
يقول احمد ادم، عامل، إن الرسوم والضرائب باتت تستنزف دخل الأسرة العراقية من دون أن يلمس المواطن أي تحسن حقيقي في مستوى الخدمات العامة.
ويضيف أنه يعمل في القطاع الخاص وتستقطع من راتبه ضريبة دخل شهرية تبلغ حالياً ١٢٠ ألف دينار إلى الهيئة العامة للضرائب، بعد أن كانت لا تتجاوز 63 ألف دينار قبل شهرين، مشيراً إلى أن قيمة الضريبة ترتفع بشكل مستمر.
ويعتقد آدم في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن المواطن أصبح يدفع رسوما في مختلف مفاصل حياته اليومية، بدءا من إنجاز المعاملات الحكومية التي تتطلب تسديد مبالغ عبر البطاقات المصرفية، مرورا برسوم تسجيل السيارات وإجازات السوق، وصولا إلى أجور جباية الكهرباء التي ترتفع شهريا برغم محدودية ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية واستمرار الاعتماد على المولدات الأهلية.
ويشير الى انه "في السابق كنا ندفع لجهة واحدة، أما اليوم فأصبحنا ندفع لجهتين في الوقت نفسه"، منبها الى ان تراجع الخدمات الصحية يجبر الكثير من العائلات على مراجعة المستشفيات الأهلية، حيث لا تقل كلفة المراجعة والعلاج كحد ادنى 150 ألف دينار، فضلا عن الأدوية والفحوصات.
ويجد آدم أن الأسر باتت تتحمل أعباء متزايدة في التعليم مع شراء المستلزمات الدراسية على نفقتها، ما ينهي مجانية التعليم إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل وأسعار المواد الغذائية، معتقدا أن المواطنين لا يعترضون على مبدأ فرض الضرائب والرسوم إذا انعكس ذلك على تحسين الخدمات العامة، إلا أن استمرار تدهور البنى التحتية، وامتلاء الطرق بالحفر، وضعف الخدمات الصحية والكهربائية، يجعل هذه الاستقطاعات عبئا ماليا إضافيا لا يقابله أي مردود ملموس، متسائلاً: "ما فائدة الضرائب إذا كانت الخدمات لا تزال متردية؟"
إصلاح شامل للسياسة الضريبية
من جانبه، قال عضو لجنة الخدمات النيابية محمد الحسناوي، إن مجلس النواب وضع ملف النظام الضريبي ضمن أولويات الدورة التشريعية الجديدة، مؤكداً وجود توجه لتشريع قانون جديد يحقق العدالة الضريبية ويحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وأضاف الحسناوي أن النظام الحالي "بات يحمل المواطنين كلفة العجز المالي الذي تعاني منه الدولة"، مشيراً إلى أن عددا من النواب قدموا ملاحظات تدعو إلى إصلاح شامل للسياسة الضريبية، بما يحد من تضخم رؤوس الأموال ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية.
بيئة عمل معقدة ومكلفة
فيما ذكر رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة خالد الجابري، أن المشكلة لا تكمن في الضرائب والرسوم بحد ذاتها، باعتبارهما أداتين أساسيتين في السياسة المالية عندما تصممان لتحفيز النمو وتنظيم النشاط الاقتصادي، لكنه أشار إلى أن تحولهما إلى وسيلة لسد العجز المالي وتعظيم الإيرادات قصيرة الأجل يؤدي إلى إنتاج مشكلات اقتصادية جديدة قد تكون كلفتها أعلى من الإيرادات المتحققة.
وأوضح الجابري في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن زيادة الرسوم والضرائب تتسبب في ارتفاع كلفة الامتثال على الشركات، ثم تتطور إلى زيادة العبء التنظيمي نتيجة تعدد الإجراءات والرسوم وتكرارها، مبيناً أن نتائج استبيان اتجاهات الأعمال الذي أعدته مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة أظهرت أن مؤشر العبء التنظيمي (RBI) تجاوز 61 نقطة، وهو أعلى بنحو 20 نقطة من الاقتصادات المشابهة، بما يعكس بيئة أعمال أكثر تعقيدا وأعلى كلفة.
وأضاف أن ارتفاع كلفة الامتثال يدفع الشركات إلى إعادة النظر في استمرارها داخل الاقتصاد الرسمي، فتتجه تدريجياً نحو الاقتصاد الرمادي أو غير الرسمي هربا من الأعباء التنظيمية والمالية، لافتاً إلى أن نتائج الاستبيان بينت أن الشركات العاملة ضمن الاقتصاد المنظم لا تمثل سوى نحو 34 في المائة من نشاط القطاع الخاص، مقابل 41 في في المائة تعمل ضمن الاقتصاد الرمادي، فيما يقارب 25 في المائة من النشاط الاقتصادي يعمل خارج المنظومة الرسمية بالكامل.
وبيّن أن هذه الحلقة المفرغة تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ بدلا من توسيع القاعدة الضريبية تتقلص القاعدة الخاضعة للضريبة، وبدلا من زيادة الإيرادات المستدامة ترتفع معدلات التهرب، وتتراجع مستويات الاستثمار، وتضعف تنافسية الاقتصاد، ويزداد الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.
وأشار إلى أن زيادة الرسوم والضرائب من دون إصلاح البيئة التنظيمية لا تعني بالضرورة زيادة موارد الدولة، بل قد تؤدي على المدى المتوسط إلى تآكل الإيرادات نفسها نتيجة انكماش الاقتصاد الرسمي.
وأكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تقليل كلفة الامتثال، وإلغاء الرسوم غير الضرورية، وتبسيط الإجراءات، وإصدار تشريعات تمنح المستثمر اليقين القانوني، مبيناً أن ذلك لم يتحقق خلال فترة النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط بين عامي 2009 و2015، إذ لم يجر توظيف تلك المرحلة في تنفيذ مشاريع استراتيجية تعزز الاقتصاد، بل اتجهت السياسات نحو توسيع القطاع الحكومي عبر التوظيف السلبي، ما ولد أعباء مالية كبيرة على الدولة لاحقاً بدلاً من تعزيز نمو القطاع الخاص.
وتابع بالقول إن خفض كلفة الدخول إلى الاقتصاد الرسمي يؤدي إلى اتساع القاعدة الضريبية طوعا، وزيادة الإيرادات بصورة مستدامة من دون الحاجة إلى فرض أعباء إضافية على المواطن أو القطاع الخاص.
إبطاء النشاط الاقتصادي
وقال الباحث الاقتصادي عبد الله نجم: إن التوسع في فرض الرسوم والضرائب في ظل اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي، مع محدودية دور القطاع الخاص، قد يؤدي إلى إبطاء النشاط الاقتصادي بدلا من تنشيطه، موضحاً أن زيادة الأعباء المالية على الشركات والمواطنين ترفع كلف الإنتاج والخدمات، وتنعكس في نهاية المطاف على الأسعار والقدرة الشرائية، فضلا عن تقليص فرص الاستثمار والتوسع في المشاريع.
وأضاف نجم في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن زيادة الرسوم والضرائب قد توفر إيرادات سريعة للخزينة العامة، لكنها لا تمثل حلا مستداما، لأن ارتفاع كلفة ممارسة الأعمال يدفع بعض الأنشطة إلى العمل خارج الاقتصاد الرسمي أو تقليص حجم استثماراتها، الأمر الذي يضيق القاعدة الضريبية ويؤثر سلباً في معدلات النمو وفرص العمل على المدى المتوسط والبعيد.
وأكد أن معالجة مشكلة الإيرادات غير النفطية لا ينبغي أن تعتمد على فرض أعباء جديدة، بل على إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية عبر دمج الأنشطة غير الرسمية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب تنشيط القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والسياحة، بما يحقق موارد مستدامة للدولة دون تحميل المواطنين والقطاع الخاص أعباء إضافية.