لا تبدو التغييرات الواسعة التي تشهدها المناصب في مؤسسات الدولة في المرحلة الراهنة مجرد إجراءات إدارية تهدف إلى تحسين الأداء أو تدوير المواقع التنفيذية، بقدر ما تعكس عملية سياسية معقدة تتقاطع فيها اعتبارات داخلية وخارجية في آن واحد. فالتبديلات التي طالت مواقع أمنية ومالية واقتصادية حساسة، إلى جانب الإحالات إلى التقاعد وإعادة توزيع المستشارين وأصحاب الدرجات الخاصة، تشير إلى وجود مسار أوسع لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، وإعادة رسم توازنات النفوذ بين الأطراف الفاعلة في المنظومة السياسية.
ويذهب مراقبون إلى أن هذه التغييرات تتحرك ضمن ثلاثة مستويات متداخلة؛ أولهما يتعلق بمتطلبات وضغوط خارجية، ولا سيما في الملفات المالية والنقدية التي ترتبط بالامتثال للمعايير الدولية ومكافحة غسل الأموال وضبط حركة الدولار والمنافذ الحدودية، وهي ملفات تحظى باهتمام أمريكي ودولي متواصل. أما المستوى الثاني فيتصل بمحاولة إعادة تشكيل الفريق الحاكم وإحكام السيطرة على مفاصل الدولة عبر إعادة توزيع المواقع الحساسة وتثبيت مراكز نفوذ جديدة داخل السلطة التنفيذية. فيما يتمثل المستوى الثالث باستمرار منطق المحاصصة؛ حيث تبدو التغييرات أقرب إلى تحديث خرائط النفوذ بين القوى المتنفذة منها إلى إحداث تحول جوهري في آليات إدارة الدولة أو بناء مؤسسات مستقلة بعيدة عن التوازنات الحزبية التقليدية.
إعادة تدوير المناصب
واصل رئيس الوزراء علي الزيدي إجراء سلسلة تغييرات إدارية وأمنية ومالية، شملت عدداً من المواقع العليا في الدولة، ضمن حزمة قرارات طالت مؤسسات عدة مهمة.
وشملت التغييرات تكليف باسم البدري برئاسة جهاز الأمن الوطني العراقي خلفاً لأبي علي البصري، فيما تم تكليف قاسم العبودي بمنصب مستشار الأمن الوطني خلفاً لقاسم الأعرجي.
وفي الملف المالي، قرر الزيدي تكليف نزار ناصر بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي بدلاً من علي العلاق، كما تم تكليف عادل الياسري برئاسة الهيئة الوطنية للاستثمار خلفاً لحيدر مكية.
وفي إطار التغييرات ذاتها، جرى تكليف البصري برئاسة لجنة إسناد مكافحة الفساد، إلى جانب إعفاء سامي السوداني من منصب مستشار رئيس الوزراء لشؤون المنافذ الحدودية والكمارك وتكليف حسن العكيلي بديلاً عنه.
كما تشير المعلومات المتداولة الى احتمالية تغيير مدير الهيئة العامة للكمارك، وأيضا تعيين إدارة جديدة للهيئة العامة للضرائب، فضلاً عن إعفاء رئيس هيئة التقاعد الوطنية ماهر حسين رشيد من منصبه ضمن سلسلة الإجراءات التي شهدتها وزارة المالية ومؤسساتها.
وجرى تكليف علي كريم حسين بمهام وكيل وزارة المالية، ونقل ماهر حسين رشيد من منصب رئيس هيئة التقاعد الوطنية إلى مستشار في مؤسسة الشهداء، وتدوير عبد الحسن جمال عبد الله من منصب مستشار في مؤسسة الشهداء إلى منصب مستشار في وزارة المالية، مع إنهاء تكليف مستشار وزارة المالية زيد شاكر العطار.
وأظهرت وثائق رسمية إنهاء التعاقد مع صلاح الدين حامد في مكتب وزير المالية، وبرين عبد السلام في الصندوق العراقي للتنمية الخارجية.
وعلى المستوى الأمني والعسكري، يتوقع ان تشمل الإجراءات إحالة نحو 50 ضابطاً برتبة فريق إلى التقاعد. كما تشير معلومات إلى أن قائمة التغييرات قد تتوسع خلال الفترة المقبلة لتشمل مواقع تنفيذية وأمنية وإدارية أخرى في مؤسسات الدولة، من بينها مناصب مهمة في هيئة الحشد الشعبي.
ثلاثة اعتبارات خلف التغييرات
في هذا الصدد، قال جعفر حسن الكعبي، مراقب للشأن السياسي: إن التغييرات التي يجريها أي رئيس وزراء في العراق منذ عام 2003، وحتى الحكومة الحالية برئاسة علي الزيدي، سواء في الكابينة الوزارية أو في الدرجات الخاصة، تعكس في الغالب ثلاثة مستويات متداخلة من الاعتبارات.
وأضاف الكعبي لـ"طريق الشعب"، أن المستوى الأول يتمثل في البصمة الشخصية لرئيس الوزراء، إذ يسعى كل رئيس حكومة إلى اختيار شخصيات قادرة على تنفيذ برنامجه وكسب الداعمين له، إلا أن هذا الهامش يبقى محدوداً، لكونه لا يستطيع جلب وزراء أو مستشارين أو أصحاب الدرجات الخاصة من خارج الكتل السياسية التقليدية، لأن ذلك قد يُفسر كانقلاب سياسي على التوازنات القائمة، ويؤدي إلى فقدان الدعم والتصويت داخل البرلمان.
وتابع أن المستوى الثاني يرتبط بتوازنات المكونات والمحاصصة السياسية، التي ما تزال تتحكم في تشكيل الحكومات العراقية، مشيراً إلى أن توزيع الوزارات يتم عادة بين الكتل الفائزة لضمان تمرير الكابينة الوزارية ونيل ثقة مجلس النواب، وهو ما يجعل من الصعب على أي رئيس وزراء تجاوز هذه الآلية حتى مع وجود رؤى إصلاحية مختلفة.
أما المستوى الثالث، بحسب الكعبي، فإنه يتعلق بالرسائل السياسية الخارجية، سواء عبر تقريب أو إبعاد شخصيات يُنظر إليها على أنها قريبة من الولايات المتحدة أو إيران أو من دول إقليمية أخرى داعمة لبعض القوى السياسية، محذراً من أن هذه التوازنات تبقى حساسة وقد تنعكس على المشهد الداخلي.
وختم بالقول إن التغييرات التي تشهدها الحكومات في نهاية المطاف غالباً ما تكون تغييرات في الأشخاص ضمن الإطار ذاته من المكونات والأحزاب، فيما تبقى المحاصصة السياسية قائمة وبفاعلية مستمرة.
هل تجاوزت المحاصصة؟
من جهته، قال د. مجاشع التميمي، الاكاديمي والباحث في الشؤون السياسية: إن التغييرات الأخيرة تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة اكثر من كونها تغييراً بالمعنى المطلوب، وبما ينسجم مع رؤية رئيس الوزراء.
وأضاف التميمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن هذه التغييرات تعكس في الوقت نفسه سعي بغداد إلى التكيف مع بيئة إقليمية ودولية تشهد تقارباً نسبياً بين واشنطن وطهران، ما يمنح الحكومة هامشاً أوسع للمناورة وتخفيف الضغوط المتعارضة.
وفيما يتعلق بنهج المحاصصة، أوضح التميمي أنه من المبكر القول إن هذا النهج قد تم تجاوزه، مشيراً إلى أن بعض التعيينات قد تستند إلى معايير مهنية، إلا أن طبيعة الحكم في العراق ما تزال قائمة على التوازنات الحزبية والسياسية.
وبيّن أن ما يجري يمكن وصفه "تخفيفا نسبيا" للمحاصصة في بعض المواقع، وليس إنهاءً لها بشكل كامل، مؤكدا أن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن إعادة إنتاج آليات تقاسم النفوذ والمكاسب بين القوى السياسية لم تحقق إصلاحاً مستداماً.
وشدد على أن أي نجاح حقيقي لاي حكومة يتطلب ـ بواقع الحال ـ ترجيح معايير الكفاءة والمؤسساتية والمساءلة على حساب منطق الترضيات السياسية، الذي أثبت محدودية نتائجه.
وجه آخر للتوازنات السياسية
الى ذلك، قال رحيم الشمري، صحفي ومراقب للشأن العراقي: إن مجمل التغيرات في العراق ينبغي أن تُقاس بمدى تأثيرها على الأداء العام أكثر من ارتباطها بالتجاذبات السياسية أو التدخلات الخارجية.
ورأى الشمري في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الحديث عن دور إيراني أو أمريكي في هذه التغييرات رغم وجوده، لكنه يبقى محدوداً نسبياً، مبيناً أن جزءاً منها يرتبط بتدوير المناصب، أو حالات التقاعد، أو الاستحقاقات الوظيفية والترقيات الإدارية، أكثر مما هو ناتج عن تدخل خارجي مباشر.
وزاد بالقول: إن غالبية شرائح المجتمع العراقي باتت تركز على تقييم الأداء الحكومي الفعلي، خصوصاً في ما يتعلق بالخدمات الأساسية مثل الكهرباء والتعليم ومعالجة الأزمات المزمنة، والتي ستكون هي المعيار، أكثر من اهتمامها بتغيير الأسماء.
ولفت إلى أن رؤساء الحكومات يتم اختيارهم ضمن التوازنات السياسية نفسها التي حكمت البلاد خلال العقدين الماضيين، ولهذا لا يهم المواطنين التغيير اذا لم يقترن بتغيير حقيقي في الاداء.
وفي ما يتعلق بالمحاصصة، اعتبر الشمري أنه من الصعب على أي رئيس وزراء تجاوز هذا النظام، نظراً لآلية تشكيل الحكومات القائمة على التوافقات بين الكتل السياسية، والتي تمتد عادة لفترات طويلة بعد كل انتخابات، وتتطلب شروطاً وضمانات معقدة لتمرير الكابينة الوزارية.
وأشار إلى أن الحديث عن إمكانية نجاح حكومة تعيد إنتاج النهج السابق يبقى مرتبطاً بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، لافتاً إلى أن تقييم الحكومات يحتاج إلى فترة زمنية لرصد الأداء والنتائج على أرض الواقع، رغم استمرار التحديات وعدم تحقق تغييرات جوهرية حتى الآن.
وختم الشمري بالقول إن مسار الحكومات العراقية منذ سنوات يقوم على خطوات ترسمها الكتل السياسية والزعامات التقليدية، ما يجعل من الصعب الخروج عن هذا الإطار، حتى وإن ضمت الحكومات شخصيات كفوءة، إذ تبقى خاضعة لتأثير الأحزاب والقوى السياسية الحاكمة في قراراتها وأدائها.