اخر الاخبار

لم يعد الصف السادس الإعدادي بالنسبة للكثير من الطلبة مجرد سنة دراسية عادية، بل أصبح مرحلة ترتبط بالخوف والقلق والضغط النفسي، حتى قبل الوصول إليها. فصورة المرحلة التي تقدم باعتبارها المفصل الأهم في حياة الطالب جعلت كثيرين يدخلونها وهم يحملون هاجس الفشل قبل بدء الامتحانات.

 

فوبيا السادس الاعدادي

يقول طالب السادس الإعدادي نوح جعفر إن الحديث عن معاناة هذه المرحلة مرتبط بالعديد من الجهات التي تستفيد من حالة القلق المنتشرة بين الطلبة، مشيراً إلى أن الإعلانات الخاصة بالمعاهد والدورات والمدرسين أصبحت تركز بشكل كبير على السادس الإعدادي، وتقدمه بوصفه مرحلة صعبة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

ويضيف نوح لـ"طريق الشعب"، انه "منذ الصف الثالث المتوسط أو حتى الأول المتوسط وأنا أسمع عن السادس، وأن من يدخله سيواجه صعوبة كبيرة في النجاح، وحتى إذا نجح فالحصول على معدل يوصله إلى الاختصاص الذي يريده أمر صعب. هذه الفكرة تبقى مع الطالب وتزيد الضغط عليه".

وخاض نوح تجربة السادس الإعدادي لثلاث سنوات، مبينا أن عامه الأول بدأ مثل أغلب الطلبة بالاعتماد على المعاهد والدورات التقوية، لكنه اصطدم بواقع مختلف، إذ تحول يومه إلى سلسلة طويلة من المحاضرات والالتزامات دون أن يشعر بنتيجة تتناسب مع الجهد المبذول.

ويقول: "كنت أداوم من الصباح إلى الليل، وفي النهاية لم أشعر بأن هناك نتيجة واضحة. مع منتصف السنة فقدت الشغف بشكل كبير، حتى أنني لم أذهب إلى الامتحان الوزاري رغم أن مستواي ودرجاتي كانت جيدة، لكن الضغط وصل إلى مرحلة لم أعد أستطيع تحملها".

ويصف نوح طبيعة الجدول الدراسي بانه يفوق قدرة الكثير من الطلبة على التحمل، موضحاً أن بعض الأيام كانت تتضمن أربع أو خمس محاضرات، مدة كل واحدة منها ساعة ونصف تقريباً، فضلاً عن الالتزام بالحضور المستمر والخوف من ردود الفعل المحبطة عند الغياب.

ويتابع: "إذا غبت عن محاضرة تسمع كلاما يحطمك وإذا استمريت في الدوام طوال اليوم لا يبقى وقت للدراسة. السؤال هو: متى يدرس الطالب؟ منذ بداية العام أصبح الضغط كبيرا، بين المدرسة والمعهد، وأحياناً كانت لدينا محاضرات تبدأ في الساعة الثامنة مساء بسبب ضيق الوقت".

ويرى نوح أن المشكلة تبدا مبكرا، إذ تنطلق الدورات بعد انتهاء امتحانات الدور الأول للخامس الاعدادي مباشرة، ما يحرم الطلبة من فترة راحة، ويجعل الانتقال إلى السادس مرتبطا بالإرهاق منذ البداية.

ويشير إلى أن تجربته داخل المعهد تعكس حجم المنافسة والضغط، قائلا: "كانت دفعتنا تضم نحو 150 طالبا، لكن الذين نجحوا 34 طالباً فقط، والبقية اضطروا لإعادة السنة. وفي السنة الثانية لا تجد فرصة للتنفس، فإذا رسب الطالب في الدور الأول ينتظر الدور الثاني، وبعد ظهور النتائج تبدأ المدارس من جديد، فيعود لنفس الدوامة وهو متأخر عن زملائه".

ويضيف أن المجتمع غالباً ينظر إلى نتيجة الطالب فقط، من دون الالتفات إلى الظروف التي مر بها، قائلاً: "لا أحد يسأل لماذا رسبت أو ماذا واجهت، الجميع يريد منك فقط أن تحصل على معدل عال، وكأن كل شيء يختصر بخمسين درجة أو بالذهاب إلى جامعة أهلية، بينما تضيع أحلام الطالب والاختصاص الذي كان يرغب فيه".

إلى جانب الضغط الدراسي، يتحدث نوح عن مشكلة المناهج والكتب، مبيناً أن تأخر وصول الكتب أو نقصها يدفع الطلبة للاعتماد بشكل أكبر على الملازم والدورات الخاصة.

ويقول: "كتب السادس تصل متأخرة، وأحياناً نبحث عنها ولا نجدها، وحتى عندما تكون موجودة لا يكون هناك شرح كاف عليها داخل المدرسة، فأصبح الاعتماد الأكبر على ملازم المدرسين. في مادة اللغة الإنكليزية مثلاً درسنا على المنهج القديم لمدة شهرين، ثم تغير المنهج، وهذا سبب ارباكا للطلبة".

ويختتم نوح حديثه بالقول إن أزمة السادس الإعدادي لا ترتبط فقط بصعوبة المواد الدراسية، بل بمنظومة كاملة من الضغوط تبدأ من الخوف المجتمعي من المرحلة، مروراً بضغط الدروس الخصوصية والمعاهد، وصولاً إلى القلق من المستقبل وضياع طموحات الطلبة.

نظام القبول الجامعي

وسوق العمل

من جهته، يقول سكرتير اتحاد الطلبة العام في العراق، أيوب عبد الحسين، إن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في الضغوط التي يتعرض لها طلبة المراحل المنتهية، مبيناً أن هذه الضغوط انعكست بشكل مقلق على أوضاعهم النفسية والصحية، ورافقتها حوادث مؤسفة طالت عدداً من الطلبة، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة من الجهات التربوية والحكومية والمجتمعية لمعالجة أسبابها.

ويضيف عبد الحسين لـ"طريق الشعب"، أن الامتحانات النهائية أصبحت بالنسبة لشريحة واسعة من الطلبة وأسرهم تتجاوز كونها مرحلة تعليمية طبيعية، لتتحول إلى مصدر قلق وضغط نفسي مستمر، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة التي أثرت على طريقة تعامل الطلبة مع هذه المرحلة.

ويشير إلى أن من أبرز أسباب هذا الضغط نظام القبول الجامعي والواقع الاقتصادي وسوق العمل، موضحا أن الطالب يجد نفسه أمام معادلة صعبة تربط مستقبله المهني بمعدل دراسي مرتفع، في وقت تتركز فيه فرص العمل والتعيين على عدد محدود من الاختصاصات، ولا سيما الطبية منها، مقابل ضعف فرص الخريجين في العديد من المجالات الأخرى.

ويتابع أن هذا الواقع يولد لدى الطلبة شعوراً بأن أي خطأ أو تراجع في الامتحانات قد ينعكس على مستقبلهم بالكامل، ما يزيد من حالة القلق والخوف التي ترافقهم خلال العام الدراسي.

ويبين عبد الحسين أن هناك عاملا آخر يتمثل في تنامي ظاهرة التسويق المكثف لدورات التقوية والمعاهد الخاصة، وما يرافقها من ترويج لفكرة أن النجاح أو التفوق أصبح أمراً صعباً من دون الالتحاق بهذه الدورات.

ويقول إن هذا الخطاب يسهم في خلق ما وصفه بـ"صناعة الرعب" بهدف جذب الطلبة إلى المعاهد، من خلال تعزيز شعورهم بأن الاعتماد على المدرسة وحدها غير كافٍ، الأمر الذي يرفع مستويات القلق لدى الطلبة وعائلاتهم، فضلاً عن تحميلهم أعباء مالية إضافية.

ويؤكد أن هذه الظاهرة تتعارض مع جوهر العملية التربوية التي يفترض أن تقوم على توفير فرص متساوية لجميع الطلبة، بعيداً عن قدرة الطالب أو عائلته على تحمل تكاليف الدروس الإضافية.

ويشير سكرتير اتحاد الطلبة إلى أن طريقة التعاطي الرسمي مع ملف الامتحانات تمثل جانباً آخر من جوانب الضغط، مبيناً أن مواجهة الغش وتسريب الأسئلة تعد أمراً ضرورياً للحفاظ على نزاهة العملية التعليمية، لكن الإجراءات والخطاب المرافق لها يجب أن يوازنا بين تطبيق القانون وخلق أجواء مطمئنة للطلبة وأسرهم.

ويلفت إلى أن استمرار الإرباك في البيئة الدراسية يمثل عاملاً إضافياً في زيادة الضغوط، موضحاً أن الطلبة يخوضون الامتحانات أحياناً وسط مشكلات تتعلق بإكمال المناهج الدراسية، أو صدور قرارات متأخرة بشأن الحذف والتقليص، ما يضعهم أمام حالة من عدم الاستقرار خلال مرحلة تعد الأهم في مسارهم الدراسي.

كما يوضح أن تكرار الأزمات المتعلقة بسرية الأسئلة الامتحانية والإجراءات التنظيمية أثّر على ثقة بعض الطلبة بقدرة المؤسسات المعنية على إدارة العملية الامتحانية بالشكل المطلوب.

ويؤكد علي ضرورة إعادة النظر في التعامل مع الامتحانات النهائية، بحيث تدار بوصفها استحقاقا تربويا ضمن بيئة آمنة ومستقرة تراعي الصحة النفسية للطلبة، لا باعتبارها معركة مصيرية يعيش فيها الطالب وأسرته تحت ضغط مستمر.

ويدعو إلى مراجعة سياسات التعليم والقبول الجامعي، وتوسيع فرص العمل أمام الخريجين، وتنظيم عمل معاهد التقوية، فضلا عن توفير برامج دعم وإرشاد نفسي للطلبة، بما يضمن حصولهم على حقهم في التعليم ضمن ظروف أكثر إنسانية واستقراراً.

ويقول ليث عبدالله، ناشط في مجال التعليم، إن الضغوط التي يعيشها طلبة المراحل المنتهية، ولا سيما طلبة السادس الإعدادي، لم تعد مرتبطة بالامتحانات فقط، بل أصبحت نتيجة تراكمات تتعلق بطريقة إدارة العملية التعليمية ونظرة المجتمع لهذه المرحلة.

ويضيف عبد الله لـ"طريق الشعب"، أن الطالب يدخل السادس الإعدادي وهو محمل بتوقعات عالية ومخاوف كبيرة إذ يربط مستقبله بالكامل بالمعدل الذي يحصل عليه، ما يجعل فترة الامتحانات مليئة بالقلق والتوتر، بدل أن تكون مرحلة طبيعية ضمن مساره الدراسي".

ويشير إلى أن انتشار المعاهد والدورات الخاصة ساهم في زيادة الضغط على الطلبة، خصوصاً مع انتشار خطاب يوحي بأن النجاح لا يمكن تحقيقه من دون الاشتراك في هذه الدورات، الأمر الذي جعل العديد من الطلبة يعيشون حالة من الخوف، ويدفعون عائلاتهم لتحمل أعباء مالية إضافية.

ويتابع أن المشكلة لا تكمن في وجود الدروس الإضافية بحد ذاتها، وإنما في تحولها إلى شرط غير معلن للنجاح، في وقت يفترض أن تكون المدرسة قادرة على توفير تعليم كاف لجميع الطلبة وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص.

ويؤكد أن عدم استقرار المناهج، وتأخر بعض القرارات التعليمية، ونقص الدعم النفسي داخل المدارس، كلها عوامل تزيد من معاناة الطلبة، مبيناً أن الطالب يحتاج إلى بيئة تعليمية تشجعه وتدعمه، لا إلى أجواء قائمة على الخوف والضغط المستمر.

ويطالب عبد الله الجهات المعنية بإعادة النظر في سياسات القبول الجامعي وربط التعليم بسوق العمل، إلى جانب توفير برامج للإرشاد النفسي داخل المدارس، لأن معالجة أزمة السادس الإعدادي لا تكون فقط بتعديل الامتحانات، بل بمعالجة الظروف المحيطة بالطالب منذ بداية مسيرته التعليمية.