اخر الاخبار

يُعدّ سلم الرواتب واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية والإدارية تعقيداً في جسد الدولة، نظراً لتشابكه مع منظومة التشريعات النافذة وتداخله مع قضايا العدالة الاجتماعية وكفاءة الإنفاق العام.

ومع تصاعد المطالبات بإعادة النظر في هيكل الأجور الحكومية، تتجدد النقاشات بشأن حجم التفاوت بين رواتب العاملين في مؤسسات الدولة، ومدى الحاجة إلى إصلاحات تضمن توزيعاً أكثر توازناً للدخل، دون أن تفرض أعباءً إضافية على الموازنة العامة.

وتتجاوز قضية الرواتب حدود المطالب المعيشية للموظفين، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على بناء نظام أجور عادل ومستدام يربط بين المؤهلات والخبرة وطبيعة العمل من جهة، ويحافظ على التوازنات المالية والاقتصادية من جهة أخرى.

وفي ظل حجم التحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي، يرى مختصون أن أي إصلاح حقيقي لهذا الملف يتطلب مقاربة شاملة تستند إلى دراسات فنية واقتصادية دقيقة، بعيداً عن المعالجات الجزئية أو القرارات ذات الطابع المؤقت.

تحذير من العشوائية

في هذا الصدد، أكد مصدر حكومي مطّلع أن ملف إصلاح سلم الرواتب يواجه تعقيدات تشريعية كبيرة، نتيجة وجود أكثر من 30 قانوناً وأنظمة خاصة تنظم رواتب موظفي الدولة، ما يجعل عملية توحيد الرواتب أمراً بالغ الصعوبة من الناحية القانونية والإدارية.

وقال المصدر في حديث لـ "طريق الشعب"، ان التحدي الأكبر لا يكمن في الرواتب العليا، وانما في الدرجات الوظيفية الدنيا، ولا سيما الست أو السبع درجات الأخيرة التي تعاني من تدني مستويات الدخل بشكل كبير، خصوصاً في المؤسسات المدنية التي تفتقر إلى الامتيازات والمخصصات الإضافية المتاحة في جهات حكومية أخرى.

وأشار إلى أن معالجة أوضاع هذه الشرائح يمكن أن تتم من خلال إعادة العمل بمخصصات غلاء المعيشة لدعم أصحاب الرواتب المنخفضة، بدلاً من إجراء تعديلات شاملة على الرواتب نفسها، لافتاً إلى أن هذه المخصصات كانت معمولاً بها في السابق وأسهمت في تحسين القدرة المعيشية للموظفين من ذوي الدخل المحدود.

وأضاف أن أي برامج حكومية لتوزيع الأراضي أو تقديم الامتيازات الاجتماعية ينبغي أن تبدأ بالموظفين الأقل دخلاً، ولا سيما المتزوجين والمعيلين لعائلات، باعتبارهم الفئة الأكثر حاجة للدعم الحكومي.

وبيّن أن أنظمة الرواتب في الدول المتقدمة تعتمد معايير واضحة في تحديد الأجور، أبرزها سنوات الخدمة والمؤهلات العلمية والخبرة المهنية والدورات التدريبية والكفاءة الوظيفية، مشدداً على ضرورة أن تأخذ أية مراجعة مستقبلية لسلم الرواتب هذه المعايير بنظر الاعتبار.

ولفت إلى أن التوسع في منح المخصصات والامتيازات الخاصة لبعض المؤسسات أسهم في تعميق الفجوة بين موظفي الدولة، ما أدى إلى تراجع دور الطبقة الوسطى واتساع التفاوت في مستويات الدخل بين العاملين في القطاع الحكومي.

وحذر الخبير الاقتصادي من إجراء تعديلات عشوائية وغير مدروسة على سلم الرواتب، لما قد يترتب عليها من آثار اقتصادية ومالية سلبية، داعياً إلى مراجعة شاملة للقوانين النافذة بهدف تحقيق قدر أكبر من التناسق والعدالة بين الموظفين، مع إعطاء الأولوية لأصحاب الرواتب المنخفضة والعائلات الأكثر احتياجاً، من خلال المخصصات والدعم السكني والامتيازات الاجتماعية.

إصلاح سياسة الاجور

من جهته، ذكر الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن الحديث الدائر بشأن تعديل سلم الرواتب يجب أن يُنظر إليه من زاوية الإصلاح الاقتصادي والإداري الشامل، وليس باعتباره مجرد زيادة في الدخول أو إعادة توزيع للأجور بين المؤسسات الحكومية.

وقال الهماشي لـ"طريق الشعب"، إن أي نظام رواتب ناجح ينبغي أن يحقق ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في العدالة الوظيفية، والكفاءة الاقتصادية، والاستدامة المالية، موضحاً أن التركيز على أحد هذه الأهداف دون الأخرى قد يخلق بحد ذاته اختلالات جديدة بدلاً من معالجة المشكلات القائمة.

وأضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب نظام وطني موحد لتقييم الوظائف، يحدد القيمة الاقتصادية لكل وظيفة وفقاً لمستوى المهارة والمسؤولية والتخصص المطلوب والأثر المؤسسي، وليس فقط في تفاوت الرواتب بين موظفي الدولة، وهو ما أدى إلى نشوء فروقات واسعة بين قطاعات حكومية مختلفة عبر سنوات طويلة من التشريعات المتراكمة.

وأشار إلى أن التجارب الدولية الحديثة لم تتجه نحو توحيد الرواتب بشكل مطلق، وإنما نحو بناء هياكل أجور مرنة تستند إلى تقييم الوظائف والإنتاجية والكفاءة، مع الحفاظ على حوافز خاصة للقطاعات التي تتطلب مهارات نادرة أو تواجه ظروف عمل استثنائية.

وبيّن أن أي إصلاح لسلم الرواتب يجب أن يسبقه مسح شامل للقوى العاملة الحكومية وتحليل دقيق لهيكل الإنفاق العام، لأن الرواتب تمثل أحد أكبر أبواب الإنفاق التشغيلي في الموازنة العراقية، ما يجعل أي تعديل واسع النطاق قراراً اقتصادياً ذا آثار طويلة الأمد على المالية العامة ومستويات العجز والاستثمار الحكومي.

وأوضح الهماشي أن معالجة ضعف القوة الشرائية للموظفين لا ترتبط دائماً بزيادة الرواتب، إذ يمكن تحقيقها من خلال حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط التضخم، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع برامج الإسكان والنقل، وتخفيض الأعباء المعيشية التي تتحملها الأسر، وهي إجراءات قد تحقق أثراً معيشياً أكبر من الزيادات النقدية المباشرة.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مفهوم "زيادة الرواتب" إلى مفهوم "إصلاح سياسة الأجور"، بما يضمن تحقيق التوازن بين حقوق الموظفين من جهة، وقدرة الدولة على تمويل التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل من جهة أخرى، مشدداً على أن نجاح أي إصلاح في هذا الملف يتوقف على اعتماده أسساً علمية وبيانات دقيقة بعيداً عن الضغوط الآنية أو المعالجة المؤقته.

التركيز على معالجة التشوهات

الى ذلك، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد عبد ربه أن الظرف الحالي لا يعد مناسباً لإجراء تعديل شامل على سلم الرواتب في العراق، في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة نتيجة تراجع الإيرادات النفطية، وتقلبات الأسواق العالمية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحركة الصادرات عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي التزام مالي جديد ذا كلفة طويلة الأمد على الموازنة.

وأوضح لـ"طريق الشعب"، أن أي زيادة واسعة في فاتورة الرواتب قد تتحول إلى عبء دائم على المالية العامة، مشيراً إلى أن مثل هذه الإجراءات تتطلب بيئة مالية أكثر استقراراً ورؤية واضحة للإيرادات المستقبلية، لضمان عدم الإضرار بالتوازنات الاقتصادية.

وأضاف أن التعديلات غير المدروسة في سلم الرواتب قد تؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي ورفع الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على القوة الشرائية للمواطنين، ويحد من الأثر الإيجابي المتوقع لأي زيادات في الأجور.

وبيّن عبد ربه أن الإصلاح الحقيقي لسلم الرواتب ينبغي أن يركز على معالجة التشوهات والفوارق الكبيرة بين مؤسسات الدولة، وإعادة النظر في منظومة المخصصات والامتيازات التي أسهمت في تعميق فجوة الرواتب، بدلاً من الاتجاه نحو زيادات عامة وشاملة.

وشدد على أن تحقيق العدالة الوظيفية يجب أن يتم ضمن إطار الاستدامة المالية، مؤكداً أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بحجم الزيادات فقط، بل بقدرة الدولة على تمويلها واستمرارها دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي أو تحميل الموازنة أعباء إضافية.