يتواصل الجدل في الأوساط القانونية والاجتماعية بشأن قضايا الحضانة والأحوال الشخصية، في ظل مطالبات أمهات بإعادة النظر في بعض الإجراءات المرتبطة بالقرار رقم (93) وتطبيقات المدونة الجعفرية، مؤكدات أن عددًا من التعديلات الأخيرة ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الأطفال والأسر التي شهدت حالات انفصال أو طلاق.
وخلال وقفة احتجاجية نُظمت في بغداد مؤخرًا، رفعت المشاركات شعارات تدعو إلى تقديم مصلحة الطفل على أي اعتبارات أخرى، مطالبات بإلغاء الأثر الرجعي للقرارات المتعلقة بالحضانة، وإعادة النظر في الإجراءات التي تتيح نقل الحضانة من الأم بعد بلوغ الطفل سن السابعة، فضلًا عن الاعتراض على شمول عقود زواج أُبرمت سابقًا بأحكام لم تكن نافذة وقت إبرامها.
وترى المشاركات أن هذه الإجراءات لا تنعكس على حقوق الأمهات فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأطفال الذين قد يجدون أنفسهم أمام تغييرات مفاجئة في بيئتهم الاجتماعية والنفسية بعد سنوات من الاستقرار مع أمهاتهم.
مطالبات بمراجعة القرار
وقالت الناشطة تمارة الكعبي "إن المطالب المطروحة لا تستهدف أي جانب ديني أو مذهبي، وإنما تنطلق من الحرص على ضمان مصلحة الطفل والمحافظة على استقرار الأسرة بعد الطلاق". وأضافت "أن الاعتراض يتركز على تطبيق الأثر الرجعي لبعض القرارات المتعلقة بالحضانة وعقود الزواج السابقة"، معتبرة أن ذلك يثير إشكالات قانونية واجتماعية عديدة، لاسيما بالنسبة للأسر التي رتبت أوضاعها القانونية وفق القوانين النافذة في حينها. وأشارت إلى أن أي تعديلات تتعلق بالأحوال الشخصية ينبغي أن تراعي مصلحة الطفل أولا، وأن تستند إلى دراسات اجتماعية وقانونية تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع العراقي والتغيرات التي شهدتها الأسرة خلال السنوات الماضية.
أمهات يروين معاناتهن مع الحضانة
وتروي ياسمين علي، وهي والدة لثلاثة أطفال، تفاصيل تجربتها مع قضايا الحضانة بعد انفصالها عن زوجها عام 2007، موضحةً أن قرار المحكمة آنذاك منح والد الأطفال حق المشاهدة والاصطحاب. وتقول "إن والد أطفالي كان يأخذهم خلال أوقات المشاهدة ويعيدهم بعد ساعات وهم في حالة من التعب والجوع، مبررًا ذلك بحصولي على نفقة للأطفال، رغم أن قيمتها لا تتناسب مع احتياجاتهم". وأضافت أن والد الأطفال يعمل موظفًا حكوميًا ويتمتع بدخل شهري جيد، إلا أن ذلك لم ينعكس على مستوى الرعاية المقدمة لهم.
وأشارت إلى أن والد الأطفال انقطع عن التواصل معهم بعد عام واحد من الانفصال، ولم يقم بزيارتهم أو السؤال عنهم، في الوقت الذي تزوج فيه مجددًا وأصبح لديه طفل آخر، بينما تحملت هي مسؤولية تربيتهم بمفردها.
وأضافت أن ابنتها تواصل دراستها في إحدى المدارس المتميزة، فيما يُعد ابنها من الطلبة المتفوقين، مؤكدةً أنها كرّست سنوات طويلة لرعايتهم وتوفير بيئة مستقرة وآمنة لهم. وأوضحت أنها فوجئت بإجراءات قانونية تتعلق بتحويل عقد زواجها السابق إلى المدونة الجعفرية من دون موافقتها، رغم انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق منذ عام 2006، مبينةً أن طليقها تقدم لاحقًا بطلب لحضانة الطفلين.
وبيّنت أن الطلاق كان خُلعيًا، وأنها تنازلت عن عدد من حقوقها مقابل الاحتفاظ بحضانة أطفالها، فيما كانت النفقة المقررة للأطفال تبلغ 220 ألف دينار شهريًا، ولم تُصرف بصورة منتظمة.
وطالبت ياسمين بإلغاء تطبيق الأثر الرجعي وإعادة النظر في سن التخيير المحدد بثمانية عشر عامًا، مؤكدةً أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأساس في أي قرار يتعلق بالحضانة.
حماية الأطفال أولوية
بدورها، قالت هدى علي إن مشاركتها جاءت دفاعاً عن حقوق أطفالها وسعياً إلى ضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، مشيرة إلى أن أبناءها كانوا يواجهون صعوبات خلال فترات المشاهدة والتنقل بين المحافظات.
وأضافت أن الأطفال كانوا يضطرون أحيانا إلى قطع مسافات طويلة للعودة إلى منزل والدتهم، الأمر الذي كان يسبب لهم الإرهاق ويعرضهم لمخاطر متعددة، لافتة إلى أن هذه الظروف تستدعي وضع ضوابط أكثر صرامة تضمن حماية الأطفال خلال تنفيذ قرارات المشاهدة والاصطحاب.
وأكدت أن الأطفال يجب أن يكونوا الطرف الأكثر حماية في أي نزاع أسري، داعية إلى اعتماد معايير تركز على الاستقرار النفسي والاجتماعي للمحضون بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات القانونية المجردة.
وشددت المشاركات في الوقفة على ضرورة مراجعة المواد القانونية المتعلقة بالحضانة بما ينسجم مع مصلحة الطفل الفضلى، مطالبات الجهات التشريعية والقضائية بإجراء حوار موسع مع المختصين في القانون وعلم النفس والاجتماع ومنظمات المجتمع المدني للوصول إلى حلول توازن بين حقوق جميع الأطراف.
ويعكس الجدل المتواصل حول الحضانة والأثر الرجعي للمدونة الجعفرية حساسية قضايا الأحوال الشخصية في العراق، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والاجتماعية في ملفات تمس حياة آلاف الأسر.
وبين مطالب الأمهات ومواقف الجهات القانونية والدينية، يبقى مستقبل الأطفال واستقرارهم النفسي والاجتماعي القضية الاكثر أهمية في الأمر.