اخر الاخبار

لم تعد أزمة المياه في العراق تقتصر على الجفاف وشح الموارد، بل اتخذت وجهاً أكثر قسوة يهدد صحة العراقيين وسبل عيشهم من الشمال إلى الجنوب. فبينما حملت الأشهر الأخيرة وفرة نسبية في مناسيب الأنهار نتيجة الأمطار والسيول، كشفت هذه الوفرة عن واقع بيئي مرير؛ إذ تحولت مجاري المياه إلى مصب للسموم. ومع استمرار طرح مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية دون معالجة، تدهورت جودة مياه الإسالة لتبلغ مستويات خطيرة تؤكدها التقارير البيئية، مما ينذر بكارثة صحية وبئية تهدد الإنسان، والثروة الحيوانية، والنظام البيئي للأهوار، وسط عجز حكومي وغياب للحلول الجذرية المستدامة.

تدهور نوعية المياه

يقول سجاد ستار، ناشط بيئي من محافظة ذي قار، إن وفرة المياه التي شهدها العراق خلال الفترة الأخيرة نتيجة الأمطار والسيول لم تنهِ أزمة المياه التي يعاني منها المواطنون، بل كشفت عن مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في تدهور نوعية المياه واستمرار تلوثها.

ويضيف ستار لـ"طريق الشعب"، أن زيادة الخزين المائي وارتفاع مناسيب الأنهار لم تنعكسا على تحسين جودة المياه الواصلة إلى السكان، في ظل استمرار طرح مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية في المجاري المائية من دون معالجة كافية.

ويجد أن هذا الواقع أدى إلى تراجع جودة مياه الإسالة في العديد من المناطق، وأسهم في انتشار أمراض معوية وجلدية بين المواطنين، فضلاً عن مخاطر صحية أخرى قد تظهر على المدى البعيد.

الأزمة تتفاقم

ويضيف أن اثار التلوث لا تقتصر على صحة الإنسان، بل تمتد إلى البيئة والثروة الحيوانية والسمكية، حيث شهدت بعض المناطق حالات نفوق للأسماك، وتراجعاً في أعدادها، فيما تأثرت المواشي التي تعتمد على المياه الطبيعية كمصدر رئيسي للشرب.

ويلفت إلى أن الأهوار، رغم تحسن مناسيب المياه فيها، ما تزال تعاني من تردي نوعية المياه، الأمر الذي يهدد التنوع الأحيائي والنظام البيئي الفريد الذي تتميز به، مبينا أن محافظة ذي قار تعد من أكثر المناطق تأثرا بهذه الأزمة، إذ يواجه سكان الناصرية وسوق الشيوخ والجبايش والرفاعي وقلعة سكر والفهود والإصلاح مشكلات مستمرة تتعلق بتلوث المياه وارتفاع نسب الملوحة فيها، فضلاً عن تغير لون المياه ورائحتها في بعض الأحيان، ما يجعلها غير صالحة للشرب، ويدفع الأهالي إلى شراء المياه أو الاعتماد على محطات التحلية الأهلية، لتأمين احتياجاتهم اليومية.

ويشير إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل غياب حلول حكومية جذرية، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، إذ تقتصر الإجراءات غالباً على معالجات مؤقتة أو تصريحات إعلامية لا تترجم إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع. كما أن تأخر إنشاء محطات معالجة حديثة واستمرار تهالك شبكات المياه والصرف الصحي من دون صيانة كافية يزيدان من تعقيد المشكلة، ويحدان من فرص معالجتها بشكل مستدام.

ويعتقد أن استمرار هذا الواقع يعكس خللا واضحا في إدارة أحد أهم الملفات الخدمية والبيئية في البلاد، ويثير تساؤلات جدية حول أسباب العجز عن استثمار الموارد المائية المتاحة وتحويلها إلى خدمة آمنة وصحية للمواطنين.

 وختم بالقول إن أزمة المياه لم تعد مرتبطة بندرة الموارد فحسب، بل أصبحت ترتبط بشكل أساسي بسوء الإدارة وضعف التخطيط، ما يجعلها تهديداً مستمراً لصحة السكان ومستقبل البيئة ما لم تُتخذ إجراءات حقيقية تعالج أسباب التلوث من جذورها.

5 ملايين متر مكعب من الصرف الصحي إلى الأنهار

وكان مرصد العراق الأخضر قد ذكر في بيان ورد لـ"طريق الشعب"، أن 5 ملايين متر مكعب من الصرف الصحي تلقى يوميا الى مصادر المياه تحتوي معادن ثقيلة وعالية السمية، مبيناً ان المياه لا تصلح حتى لغسل الملابس واواني الطبخ.

ودعا المرصد، عبر البيان، الجهات المعنية الى "تحمل المسؤولية تجاه هذه الكارثة وامكانية معالجة مياه الصرف الصحي قبل رميها الى الانهار، أو إعادة تدويرها للاستفادة منها في السقي بدلا من رميها مباشرة".

وقال عضو المرصد عمر عبد اللطيف، إن كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي تُطرح يومياً في الأنهار والمصادر المائية من دون معالجة كافية، ما يشكل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين والبيئة على حد سواء.

واضاف عمر لـ"طريق الشعب"، أن هذه المياه الملوثة تمتد آثارها على طول البلاد من شمالها إلى جنوبها، ما يجعل العديد من المصادر المائية غير ملائمة للاستهلاك البشري أو للاستخدامات المنزلية المختلفة، فضلاً عن تأثيرها على الزراعة وتربية الأسماك.

وتابع أن "استمرار تصريف مياه الصرف الصحي إلى الأنهار من دون معالجات حقيقية يعكس خللا في إدارة هذا الملف البيئي"، مشيراً إلى أن الاعتماد على قدرة الأنهار الطبيعية على تنقية نفسها لم يعد كافياً في ظل الكميات الكبيرة من الملوثات المطروحة يومياً.

وأكد عبد اللطيف أن جزءا من هذه الملوثات يتضمن معادن ثقيلة ومواد عالية السمية، الأمر الذي ينعكس سلبا على الصحة العامة، ويسهم في زيادة المشكلات والأمراض المرتبطة بتلوث المياه".

وشدد على ضرورة الإسراع في إنشاء وتشغيل محطات معالجة فعالة لمياه الصرف الصحي والحد من طرحها المباشر في المجاري المائية.

الملوثات تشمل معادن ثقيلة

يقول مصطفى الأهواري، ناشط بيئي، إن التقارير المحلية والرسمية تشير إلى أن أكثر من ٦٥ بالمائة من مياه الصرف الصحي في العراق، تصرف بشكل مباشر إلى الأنهار دون معالجة، وهو ما يشكل ضغطا متزايدا على مصادر المياه، ويعمق أزمة التلوث البيئي في البلاد.

ويضيف الاهواري لـ"طريق الشعب"، أن بعض التقديرات تشير إلى أن الكميات المطروحة يومياً في شط العرب بمحافظة البصرة تتجاوز 300 ألف متر مكعب من المياه الملوثة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على نوعية المياه وصلاحيتها للاستخدام البشري والزراعي.

ويذكر الأهواري أن الأزمة لا تقتصر على مياه الصرف الصحي المنزلية، بل تمتد إلى المخلفات الصناعية أيضاً، موضحاً أن بعض المصانع، خصوصاً في محافظتي نينوى والأنبار، تطلق مواد ملوثة تتضمن معادن ثقيلة مثل الزئبق والرصاص والكروم إلى المجاري المائية، من دون معالجات كافية أو رقابة صارمة.

ويبين أن هذه المواد تعد من أخطر الملوثات البيئية، كونها لا تتحلل طبيعياً، بل تتراكم في المياه والتربة والكائنات الحية عبر ما يعرف بالتراكم البيولوجي، ما يؤدي إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان والنظام البيئي على المدى البعيد، داعياً إلى تشديد إجراءات الرقابة البيئية وتفعيل محطات المعالجة للحد من تفاقم هذه الأزمة.

أمراض معوية وجلدية

وبالحديث عن الأضرار الصحية الناتجة عن تلوث مياه الشرب في العراق، قال احمد كباش، طبيب الاختصاص في الصحة العامة، إن تلوث مياه الشرب في العراق أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بزيادة حالات الإصابة بالأمراض المعوية والجلدية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على مياه الأنهار دون معالجة كافية أو التي تعاني من ضعف منظومات الإسالة.

واضاف كباش لـ"طريق الشعب"، أن "أبرز المشكلات الصحية المسجلة في السنوات الأخيرة تشمل حالات الإسهال الحاد، والتسممات المعوية، والتهابات الجهاز الهضمي، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الجلدية، وهذه الحالات ترتفع بشكل ملحوظ في فترات تدهور نوعية المياه أو عند زيادة نسب التلوث العضوي والكيماوي فيها".

وتابع أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة لهذه المضاعفات بسبب ضعف المناعة لديهم.

وفي ما يتعلق بتأثير المعادن الثقيلة والمواد السامة، بين كباش أن "التعرض المستمر لمثل هذه الملوثات قد لا يُظهر أعراضا فورية، لكنه على المدى البعيد قد يؤدي إلى أضرار خطيرة تشمل اضطرابات في الكبد والكلى، وضعفاً في الجهاز العصبي، إضافة إلى احتمالات تراكم السموم في الجسم، بما ينعكس على الصحة العامة بشكل مزمن، خصوصاً عند استخدام المياه الملوثة بشكل يومي في الشرب أو الطبخ أو غسل الأدوات"، واكد ان هذه الامراض بدت تظهر تدريجيا خاصة في مناطق الاطراف.

وأشار إلى أن خطورة الوضع الصحي الحالي تكمن في استمرار الاعتماد على مصادر مياه غير معالجة بشكل كاف في بعض المناطق، قائلاً إن "هذا الواقع يرفع مستوى المخاطر الصحية بشكل واضح، حتى وإن لم تتحول جميع الحالات إلى أمراض وبائية واسعة الانتشار".

وشدد على أن الإجراءات الوقائية تبدأ من تحسين مصادر المياه ومعالجتها بشكل علمي، إلى جانب توعية المواطنين بضرورة تجنب استخدام المياه غير الموثوقة للشرب أو إعداد الطعام، مع ضرورة الرقابة المستمرة على نوعية المياه من قبل الجهات المختصة.

واردف قائلاً ان المواطن ليست لديه بدائل كثيرة لاعتماد مياه نقية وصحية، كما يعتبر الامر مكلفا لذوي الدخل المحدود.