اخر الاخبار

أثار حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن "الخروج من العقلية الاشتراكية" جدلاً واسعاً بشأن طبيعة الاقتصاد العراقي وأسباب أزماته المتراكمة.

ويؤشر مختصون ان ما كان سائداً قبل وبعد عام 2003 هو "رأسمالية الدولة" وليس الاشتراكية، كما جرى ترويجها أيديولوجياً، مشيرين الى ان الأزمة ترتبط بالفساد المالي والإداري، واحتكار الثروة، وغياب العدالة في توزيع الموارد، فضلاً عن الاعتماد المفرط على النفط وضعف القطاعات الإنتاجية.

فيما يؤكد خبراء أن معالجة هذه الأزمات تتطلب إصلاحات حقيقية تستهدف بناء اقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة، بدلاً من اختزال المشكلة في توصيفات أيديولوجية لا تعكس واقع الاقتصاد العراقي.

وفتح هذا التوجه الباب امام نقاشات اوسع، حول ما إذا كان الاقتصاد العراقي اشتراكياً فعلاً وكذلك العقيلة، فمن المسؤول عن التحول نحو اقتصاد السوق والانفلات الذي شهدته البلاد خلال العقدين الماضيين؟

كما اثار ذلك مخاوف اجتماعية تتعلق بمصير شبكات الحماية والدعم الحكومي، ومنها البطاقة التموينية ودعم الوقود والخدمات الأساسية، إذ هناك خشية حقيقية أن تتحول مثل هذه الدعوات إلى تقليص دور الدولة إلى إجراءات تمس الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.

توصيف غير موضوعي للواقع الاقتصادي

وأكد عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي العراقي ياسر السالم، إن العراق لم يشهد، في أي مرحلة من تاريخه المعاصر ما يمكن وصفه "عهدا اشتراكيا"، وفق التعريف العلمي للاشتراكية، معتبراً أن الحديث عن “نهاية الاشتراكية” في البلاد يفتقر إلى الدقة ويُتداول في كثير من الأحيان كشعار ذي بعد ايديولوجي أكثر من كونه توصيفاً موضوعياً للواقع الاقتصادي.

وقال السالم، إن الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ العهد الملكي وحتى اليوم، لم تطبق نموذجاً اشتراكياً بالمعنى الاقتصادي المعروف، متسائلاً عن الأساس الذي يُبنى عليه الحديث عن انتهاء مرحلة لم يعشها العراق أصلاً.

وأضاف أنه إذا كان المقصود من الدعوات إلى “إنهاء الاشتراكية” هو تقليص دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية ورفع الدعم الحكومي، ضمن توجهات اقتصاد السوق والليبرالية الجديدة، فإن الدولة العراقية رفعت يدها عملياً عن كثير من القطاعات منذ سنوات، مشيراً إلى أن المواطنين يعتمدون على المولدات الأهلية لتأمين الكهرباء، فيما تعاني الخدمات الصحية والتعليمية من أزمات ونواقص مزمنة.

ولفت السالم إلى أن قطاعات واسعة من العراقيين، ولا سيما العاملين في القطاع الخاص والاقتصاد غير المنظم، تفتقر إلى الضمانات والحقوق الاجتماعية والحماية الحكومية.

وأشار إلى أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة وما رافقها من ارتفاع في أسعار السلع الغذائية والخضراوات كشفت عن محدودية تدخل الدولة في ضبط الأسواق وحماية المواطنين من تداعيات التقلبات الاقتصادية.

وشدد السالم على أن النقاش بشأن طبيعة النظام الاقتصادي في العراق يجب أن يستند إلى قراءة واقعية للسياسات المطبقة على الأرض، بعيداً عن الشعارات والتوصيفات غير الدقيقة، وبما يضمن تعزيز دور الدولة في حماية الفئات الفقيرة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

وفي هذا الصدد يؤكد خبراء أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بمكافحة الفساد وتنويع مصادر الدخل وتحفيز الإنتاج المحلي، وليس الاكتفاء بإطلاق توصيفات أيديولوجية غير دقيقة او واقعية حول طبيعة الاقتصاد العراقي، خصوصاً أن التحدي الرئيسي يتمثل في بناء اقتصاد متنوع ومنتج قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة وتوفير قدر معقول من العدالة الاجتماعية.

اقتصاد ريعي وسوق منفلت

وضمن السياق، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن توصيف الاقتصاد العراقي بأنه "اقتصاد اشتراكي" لا يعكس، بدقة، طبيعة الواقع الاقتصادي القائم، مبيناً أن العراق أقرب إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على العوائد النفطية، في ظل اقتصاد سوق مفتوح إلى حد كبير، لكنه يعاني اختلالات هيكلية وضعفاً في المؤسسات والرقابة والتنظيم.

وأوضح السعدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن العراق اتجه بعد عام 2003 نحو سياسات الانفتاح التجاري وتحرير الأسواق، من خلال فتح الحدود أمام الاستيراد وتخفيف القيود على النشاط الاقتصادي الخاص، ما يجعل الواقع الاقتصادي الحالي نتاجاً لمزيج من الريعية النفطية والانفتاح غير المنظم وضعف الدور الاقتصادي للدولة، وليس نتيجة لسياسات اشتراكية بالمعنى التقليدي.

وأضاف أن تحميل ما يُعرف بـ"العقلية الاشتراكية" مسؤولية الأزمات الاقتصادية الراهنة يمثل تبسيطاً لطبيعة المشكلة، مشيراً إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب رؤية اقتصادية واضحة، واستمرار الاعتماد المفرط على النفط، إلى جانب الفساد وسوء الإدارة وضعف التخطيط الاستراتيجي وتعثر جهود التنويع الاقتصادي على مدى سنوات طويلة.

وفي ما يتعلق بالدعم الحكومي، أكد السعدي أن البطاقة التموينية ودعم الوقود والخدمات الأساسية لا يمكن اعتبارها السبب الرئيس للمشكلات الاقتصادية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الهدر والفساد وضعف كفاءة إدارة الموارد العامة.

 وأشار إلى أن العديد من الدول تعتمد برامج دعم اجتماعي واسعة من دون أن تتحول إلى عبء اقتصادي، عندما تُدار بكفاءة وشفافية وتُوجَّه إلى الفئات المستحقة.

وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي جاد ينبغي أن ينطلق من معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها مكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنشيط القطاعات الإنتاجية غير النفطية، بدلاً من اختزال الأزمة في جدل أيديولوجي بين الاشتراكية واقتصاد السوق.

وختم السعدي بالقول إن الحديث عن "الخروج من العقلية الاشتراكية" قد لا يعكس تشخيصاً دقيقاً لطبيعة الأزمة الاقتصادية في العراق، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في وجود دولة تقدم دعماً اجتماعياً للمواطنين، بل في غياب الدولة التنموية القادرة على إدارة مواردها بكفاءة وتحويل الثروة النفطية إلى تنمية مستدامة وفرص عمل ونمو اقتصادي حقيقي".

اسباب تعثر الاقتصاد 

الى ذلك، قال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عبد الرزاق إن الأزمة الاقتصادية في العراق لا تعود إلى تبني نموذج اشتراكي أو اقتصاد سوق بقدر ما ترتبط بوجود نموذج اقتصادي مشوه، في ظل اقتصاد ريعي يعتمد بصورة رئيسة على النفط، وسوق مفتوحة تفتقر إلى الرقابة الفاعلة، فضلاً عن تفشي الفساد الذي يستنزف الموارد العامة.

واضاف عبد الرزاق لـ"طريق الشعب"، أن تحميل الدعم الحكومي أو ما يُوصف بـ"العقلية الاشتراكية" مسؤولية الأزمات الاقتصادية لا يعكس حقيقة المشهد الاقتصادي، مشيراً إلى أن الأسباب الحقيقية تكمن في ضعف الإدارة الاقتصادية وغياب التخطيط الاستراتيجي واستمرار الاعتماد المفرط على النفط، إلى جانب إهمال القطاعات الإنتاجية الحيوية كالصناعة والزراعة والسياحة.

وتابع أن الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة من الإيرادات العامة، فيما تبقى الدولة المشغّل الأكبر للقوى العاملة عبر التوظيف الحكومي الواسع، في مقابل قطاع خاص ضعيف ومحدود الإنتاجية، الأمر الذي أسهم في تعميق الاختلالات الاقتصادية على مدى السنوات الماضية.

وبيّن أن الاقتصاد العراقي لا يمكن وصفه اليوم بأنه اقتصاد اشتراكي أو اقتصاد سوق متكامل، بل هو اقتصاد ريعي نفطي مشوه يعتمد بشكل أساسي على العوائد النفطية، مع وجود مظاهر اقتصاد سوق تتمثل في الاستيراد والتجارة والنشاط المصرفي، إلا أنها تعاني ضعف التنظيم والرقابة.

وأشار إلى أن الفساد المالي والإداري والبيروقراطية وضعف إدارة المنافذ والإيرادات غير النفطية تمثل تحديات جوهرية أمام الاقتصاد العراقي، مؤكداً أن هذه العوامل أسهمت في إضعاف قدرة الدولة على توظيف مواردها وتحقيق التنمية الاقتصادية.

ولفت إلى أن العراق شهد بعد عام 2003 تحولاً نظرياً نحو اقتصاد السوق من خلال تحرير التجارة وفتح باب الاستيراد وتوسيع نشاط القطاع الخاص والقطاع المصرفي، فضلاً عن محاولات خصخصة جزئية لبعض الأنشطة الاقتصادية، إلا أن هذه الإجراءات بقيت غير مكتملة وترافقت مع ضعف مؤسساتي وأزمة ثقة بين المواطن والدولة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية واستمرار الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني

ونوه عبد الرزاق بأن الأسباب الحقيقية لتعثر الاقتصاد العراقي تتمثل في الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وضعف القطاعات الإنتاجية، واستمرار الفساد المالي والإداري الذي أسهم في هدر الموارد العامة، فضلاً عن تضخم الإنفاق التشغيلي على حساب الإنفاق الاستثماري.

وزاد بالقول أن غياب التخطيط الاقتصادي القائم على رؤى طويلة الأمد، واعتماد قرارات قصيرة المدى تخضع في كثير من الأحيان للتجاذبات السياسية، أسهما في تعميق الاختلالات الاقتصادية وإعاقة مسارات الإصلاح.

وتابع أن العراق أخفق في تحقيق تحول اقتصادي حقيقي بعد الانفتاح التجاري، إذ جرى فتح الأسواق أمام الاستيراد من دون توفير الحماية اللازمة للقطاعين الصناعي والزراعي، ما أدى إلى ترسيخ اقتصاد قائم على الاستيراد والاستهلاك بدلاً من الإنتاج والتنمية المستدامة".