مع تزايد التحديات البيئية والخدمية التي تواجه العاصمة بغداد، عاد ملف النفايات الصلبة الى واجهة النقاش مجدداً، في ظل الارتفاع المستمر بكميات المخلفات المنتجة يومياً، وعجز الحلول التقليدية عن احتواء الأزمة المتفاقمة.
فالعاصمة التي تنتج آلاف الأطنان من النفايات كل يوم، ما تزال تعتمد بصورة رئيسية على عمليات الطمر الصحي، وسط محدودية مشاريع التدوير وضعف ثقافة فرز النفايات من المصدر، الأمر الذي يضاعف من الأعباء البيئية والصحية ويزيد الضغط على مواقع الطمر التي تعاني أصلاً من مشكلات فنية وخدمية متراكمة.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة، تتجه الجهات الحكومية نحو تنفيذ مشاريع استثمارية جديدة، أبرزها مشروع إنشاء معمل لحرق النفايات وتحويلها إلى طاقة كهربائية بالتعاون مع شركة صينية متخصصة، وهو مشروع تقول الجهات الرسمية إنه سيعتمد تقنيات حديثة ومعايير بيئية متطورة، بما يسهم في تقليل حجم النفايات والاستفادة منها في إنتاج الطاقة.
غير أن هذا التوجه يثير في المقابل مخاوف وانتقادات تبدو مبررة من قبل مختصين وخبراء بيئيين، حذروا من تداعيات اعتماد تقنيات الحرق، وما قد تسببه من انبعاثات ملوثة وآثار صحية طويلة الأمد، فضلاً عن تأثيرها المحتمل على فرص تطوير مشاريع التدوير وإعادة الاستخدام.
ويرى مراقبون أن أزمة النفايات في العراق لا ترتبط فقط بآليات الجمع والطمر أو التقنيات المستخدمة، وتمتد الى غياب السياسات البيئية المستدامة وضعف الوعي المجتمعي بثقافة الفرز والتدوير، ما يجعل معالجة الملف بحاجة إلى حلول شاملة تتداخل فيها الجوانب البيئية والاقتصادية والتوعوية معاً.
كميات كبيرة ترفع يومياً
ضمن هذا السياق، اوضحت أمانة بغداد اخر مستجدات المشروع الاستثماري للجديد بالتعاون مع شركة صينية متخصصة، يهدف إلى إنشاء معمل لمعالجة النفايات عبر الحرق الصحي وتحويلها الى طاقة كهربائية تُقدر بنحو 100 ميغاواط.
وقال المتحدث باسم الامانة عدي الجنديل، لـ"طريق الشعب"، أن دوائر الامانة ترفع يومياً كميات كبيرة من النفايات المفرزة من المواطنين، والمنازل السكنية، والمحال التجارية، والمطاعم، وباقي الفعاليات، مشيراً إلى أن هذه النفايات تُعدّ "نفايات مركبة" نتيجة تنوع مصادرها.
وبيّن أن كمية النفايات المرفوعة يومياً تتراوح بين 9 إلى 10 آلاف طن، حيث يتم نقلها إلى مواقع الطمر الصحي النهائي في منطقة النباعي او النهروان.
وأضاف أنه لا توجد حالياً عمليات تدوير للنفايات، إلا أن الأمانة تعاقدت مع شركة صينية متخصصة ضمن عقد استثماري لإنشاء معمل لحرق النفايات بطاقة تصل الى 3 آلاف طن يومياً، وتحويلها الى نحو 100 ميغاواط من الطاقة الكهربائية.
وأشار إلى أن المشروع يعمل بالطاقة النظيفة ويعتمد تقنيات حديثة من الجيل الرابع وبمعايير أوروبية، ويُنفذ بالتنسيق مع هيئة الاستثمار الوطنية ووزارة الكهرباء ومحافظة بغداد ووزارة البيئة.
وأكد أن الشركة تسلمت الأرض الخاصة بالمشروع وتم اجراء الفحوصات اللازمة، وهو حالياً في مرحلة استكمال الإجراءات والموافقات الرسمية تمهيداً للمباشرة بإنشاء المعمل، الذي سيسهم في حرق النفايات وإنتاج الطاقة الكهربائية بشكل صديق للبيئة.
سلسلة مترابطة
من جانبه، قال رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، إن العاصمة بغداد تنتج يومياً ما بين تسعة إلى عشرة آلاف طن من النفايات، وهو رقم كبير يعكس حجم التحديات البيئية والخدمية التي تواجهها المدينة.
واضاف في حديثه لـ "طريق الشعب"، أن النفايات الصلبة تشكل النسبة الأكبر من إجمالي المخلفات المطروحة يومياً، وتتنوع بين بقايا الطعام والمواد العضوية القابلة للتحلل، إضافة إلى المنسوجات والأقمشة، ومخلفات البناء والترميم كالطابوق والأنقاض، فضلاً عن الورق والكارتون والمواد البلاستيكية والمعادن وغيرها من المواد التي يمكن الاستفادة منها اقتصادياً وبيئياً إذا ما أُحسن التعامل معها.
وأوضح أن معالجة هذا الكم الهائل من النفايات لم تعد تقتصر على عمليات الطمر التقليدية، بل تتطلب التوسع بمشاريع التدوير والاستثمار البيئي.
وأشار عبد اللطيف إلى أن نجاح مشاريع تدوير النفايات يرتبط بشكل مباشر بوعي المجتمع وآلية فرز المخلفات من المصدر، مبيناً أن العديد من الدول العربية وتركيا اعتمدت أنظمة متطورة تقوم على فصل النفايات العضوية عن المعدنية والورقية والبلاستيكية قبل جمعها، ما ساهم برفع نسب التدوير وتقليل الهدر البيئي.
وزاد بالقول أن تطبيق هذه التجارب في العراق يحتاج إلى حملات توعية وتثقيف واسعة تبدأ من المدارس والمؤسسات وتمتد إلى الأحياء السكنية، من أجل ترسيخ ثقافة الفرز البيئي لدى المواطنين وتحويل إدارة النفايات من عبء خدمي إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه بشكل مستدام.
وخلص الى ان معالجة ملف النفايات لا يمكن أن يقتصر فقط على الجهد الحكومي، و يحتاج إلى تعاون مجتمعي حقيقي، يبدأ من الأسرة والمواطن، وينتهي بوجود سياسات بيئية واضحة واستثمارات حقيقية في قطاع التدوير والطاقة البديلة، بما يسهم في تحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً".
أزمة النفايات المتفاقمة
الى ذلك، قال الأكاديمي باسم العضاض أن أزمة النفايات الصلبة باتت تمثل تحدياً بيئياً وصحياً عالمياً، مشيراً الى أن حجم النفايات يرتبط بالمستوى الاقتصادي والكثافة السكانية والموقع الجغرافي، فيما يتراوح المعدل العالمي لإنتاج الفرد من النفايات بين 1.2 الى 1.5 كغم يومياً، وقد يصل في بعض المدن العراقية، ومنها كربلاء، إلى نحو 2 كغم للفرد الواحد.
وقال العضاض لـ"طريق الشعب"، أن العاصمة بغداد تنتج، وفق تقديرات حسابية، ما يقارب 15 ألف طن من النفايات يومياً، في وقت لا تمتلك فيه أمانة بغداد القدرة الكافية على نقل هذه الكميات الى مواقع الطمر الصحي.
ولفت إلى وجود عدد محدود من محطات تدوير النفايات عند مداخل العاصمة، إلا أن النسبة الأكبر من المخلفات ما تزال تُنقل الى مواقع الطمر التي تعاني بدورها من مشكلات بيئية وفنية متعددة.
وانتقد العضاض توقيع عقد استثماري مع شركة صينية لإنشاء "محطة حرق صحي" للنفايات في بغداد، معتبراً أن خيار الحرق يشكل "مشكلة معقدة" لما يترتب عليه من آثار صحية وبيئية واجتماعية خطيرة، أبرزها انبعاث المواد السامة والملوثات الهوائية مثل الديوكسينات والزئبق والجسيمات الدقيقة، والتي ترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.
وبيّن أن مشاريع الحرق تتطلب استثمارات مالية وتشغيلية مرتفعة، فضلاً عن إنتاجها رماداً ساماً يحتوي على معادن ثقيلة ومواد خطرة تستوجب معالجات خاصة وبيئة طمر مؤهلة، محذراً من أن الاعتماد على هذا الخيار قد يؤدي إلى إضعاف برامج إعادة التدوير وتقليل النفايات من المصدر، بسبب حاجة المحارق إلى تدفق مستمر للنفايات لضمان جدواها الاقتصادية.
وأشار إلى أن العديد من الدول بدأت بالتخلي عن حرق النفايات الطبية الخطرة، واستبدلت المحارق بأجهزة التعقيم بالبخار والضغط مع التقطيع (Autoclave Shredder)، مبيناً أن العراق شهد نصب عدد من هذه الأجهزة خلال السنوات الماضية.
وأضاف العضاض أن الصين والولايات المتحدة تتصدران قائمة الدول الأكثر إسهاماً في انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون، الذي تجاوزت انبعاثاته العالمية 36 مليار طن سنوياً، وهو ما يعزز من ظاهرة الاحتباس الحراري ويهدد البيئة العالمية.
وشدد على أن تبرير المشروع بإنتاج الطاقة الكهربائية عبر الحرق لا يجعله خياراً صديقاً للبيئة، خصوصاً مع التوجه العالمي المتزايد نحو اعتماد مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمياه، فضلاً عن مشاريع الطاقة النووية السلمية، مستشهداً بمشروع “براكة” النووي في الإمارات العربية المتحدة.
وختم العضاض بالتأكيد على أن ثقافة فرز النفايات وإعادة تدويرها ما تزال ضعيفة في العراق، داعياً إلى ترسيخ هذه الثقافة بدءاً من رياض الأطفال، عبر اعتماد سياسات تقوم على فرز النفايات وتدوير القابل منها للاستفادة، وإرسال المتبقي إلى الطمر الصحي، بدلاً من اللجوء الى الحرق وما يرافقه من أضرار بيئية وصحية متفاقمة.