اخر الاخبار

في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية وتضخم الإنفاق التشغيلي، تتصاعد التحذيرات من تداعيات التوسع المستمر في القوانين والقرارات التي تزيد الأعباء المالية على الموازنة العامة. ومع اقتراب انتهاء الفصل التشريعي الحالي، كشف مرصد “إيكو عراق” أن مجلس النواب قرأ 23 مسودة قانون، تتجه غالبيتها نحو استحداث هيئات ومجالس وصناديق جديدة، إلى جانب منح امتيازات ومخصصات مالية إضافية، الأمر الذي أثار مخاوف اقتصادية واسعة من تعميق الترهل الوظيفي ورفع مستويات العجز والدين العام.

ويرى مختصون أن استمرار هذا النهج المالي، بالتزامن مع التوسع الكبير في التعيينات الحكومية والرواتب خلال السنوات الأخيرة، يضع العراق أمام تحديات اقتصادية معقدة قد تدفعه نحو مزيد من الاقتراض الداخلي والخارجي، خصوصاً مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من تصاعد المديونية خلال السنوات المقبلة. كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تضخم الإنفاق التشغيلي إلى تقليص فرص الاستثمار والتنمية، في ظل غياب إصلاحات اقتصادية حقيقية قادرة على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.

توسع تشريعي يزيد الأعباء المالية

وبحسب مرصد “إيكو عراق”، فإن نحو 70 في المائة من مشاريع القوانين التي قرأها البرلمان خلال فصله التشريعي تتضمن توجهاً واضحاً نحو توسيع الهياكل الإدارية واستحداث مؤسسات وهيئات جديدة، بعضها يرتبط بالوزارات وأخرى تتمتع باستقلالية مالية وإدارية، ما يعني إضافة أعباء تشغيلية جديدة على الموازنة العامة. وأشار المرصد إلى أن هذه القوانين لا تقتصر على التوسع الإداري فقط، بل تشمل أيضاً إنشاء صناديق تشغيلية ممولة من خزينة الدولة ومنح مخصصات مالية إضافية للموظفين، الأمر الذي يعزز المخاوف من تضخم الإنفاق الحكومي في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من عجز مالي متزايد.

ومن بين أبرز القوانين المثيرة للجدل، مشروع قانون “خدمة العلم”، الذي ينص على منح المعيل راتب جندي متطوع خلال فترة الخدمة، مع استمرار موظفي الدولة في استلام رواتبهم من دوائرهم الأصلية، فضلاً عن التكاليف المرتبطة ببناء المعسكرات وتغطية نفقات الإعاشة والنقل والتجهيزات العسكرية.

كما أثار مشروع قانون هيئة الطيران المدني انتقادات اقتصادية بعد تضمينه مخصصات تصل إلى 200 في المائة من الراتب الاسمي لمنسوبي الهيئة، إلى جانب منح رئيس الهيئة امتيازات بدرجة وزير وفتح مكاتب داخل العراق وخارجه، بما يتطلبه ذلك من نفقات تشغيلية إضافية تشمل العقارات والحمايات والإيفادات.

أما مشروع قانون وزارة الاتصالات، فقد تضمّن بدوره توسيعاً في الدرجات الخاصة واستحداث أقسام وصندوق لتنمية الاتصالات، فيما نص مشروع “المجلس الوطني للمياه” على تخصيص موازنة مستقلة للمجلس تشمل الإيرادات والمصروفات، ما يضيف التزامات مالية جديدة على الدولة.

الرواتب والتعيينات تضغط على الموازنة

وفي هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني من أن التوسع في الإنفاق التشغيلي والتعيينات الحكومية يدفع الاقتصاد العراقي نحو ضغوط مالية متفاقمة، قد تجعل الاقتراض خياراً دائماً لتغطية النفقات والالتزامات الحكومية.

وأوضح أن الدين الداخلي للعراق يقترب حالياً من 102 إلى 103 تريليونات دينار، إلى جانب نحو 14 مليار دولار كدين خارجي، مبيناً أن الأزمة ما تزال في بداياتها رغم تضخم الأرقام الحالية.

وأشار إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التصاعد يعود إلى التوسع الكبير في الرواتب والأجور والتعيينات خلال أعوام 2023 و2024 و2025، إذ ارتفعت تخصيصات الرواتب من نحو 41 ــ 42 تريليون دينار خلال أعوام 2019 ــ 2021 إلى أكثر من 70 تريليون دينار حالياً، بعد إضافة أكثر من مليون و550 ألف موظف جديد إلى الجهاز الحكومي، بينهم أكثر من مليون تعيين ضمن موازنة 2023 وحدها. ويرى اقتصاديون أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى استنزاف الجزء الأكبر من الموازنة في النفقات التشغيلية، على حساب المشاريع الاستثمارية والخدمية والتنموية، وهو ما يهدد قدرة الدولة على تنفيذ خطط اقتصادية طويلة الأمد.

العجز يتحول إلى أزمة مزمنة

وفي مؤشر يعكس حجم التحديات المالية، أعلن محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق أن العجز في الموازنة العامة تحول من “عجز مخطط” إلى “عجز فعلي ومزمن”، نتيجة الخلل البنيوي في الاقتصاد العراقي والاعتماد الكامل تقريباً على عائدات النفط.

وأشار العلاق إلى أن قدرة المصارف الحكومية على الإقراض وصلت إلى حدودها القصوى، ما قد يدفع البلاد مستقبلاً إلى اللجوء نحو الاقتراض الخارجي لتغطية العجز وتمويل المشاريع التنموية.

كما دعا إلى اعتماد “موازنة البرامج” بدلاً من الصيغ التقليدية الحالية، بهدف رفع كفاءة الإنفاق وربط الموازنة بأهداف اقتصادية وتنموية واضحة، بدلاً من استمرار هيمنة النفقات التشغيلية على الجزء الأكبر من الإنفاق العام.

وأكد أن عائدات النفط العراقي ما تزال تدار عبر النظام المالي الأميركي، إذ تُودع بالدولار في حساب وزارة المالية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قبل تحويلها إلى البنك المركزي العراقي، الذي يتولى إدارة الاحتياطيات عبر الاستثمار بالسندات والذهب والبنوك الدولية.

مخاوف من مستقبل اقتصادي أكثر تعقيداً

ويحذر مختصون من أن استمرار التوسع في التشريعات ذات الطابع المالي، بالتزامن مع تضخم الرواتب والتعيينات، سيزيد من هشاشة الاقتصاد العراقي أمام تقلبات أسعار النفط، خصوصاً مع غياب تنويع حقيقي لمصادر الإيرادات.

كما يرون أن تضخم الجهاز الحكومي والترهل الإداري لا يشكلان عبئاً مالياً فقط، بل يحدّان أيضاً من فرص الإصلاح الاقتصادي والإداري، ويزيدان من تعقيد محاولات ضبط الإنفاق وتحقيق الاستدامة المالية.