اخر الاخبار

مأساة البيئة العراقية وصمت الحكومات

نشر موقع مؤسسة كارنيغي الدولية دراسةً للباحثة زينب شكر من جامعة هيوستن الأمريكية، ذكرت فيها أن العراق، الذي يُعدّ من بين أكثر دول العالم عرضةً لتأثيرات تغيّر المناخ، مرشح لمواجهة صعوبات كبيرة ما لم يتم تحسين العوامل الأساسية، كقدرات الدولة وبنيتها التحتية. فالهشاشة التي تعاني منها البلاد تترك تأثيرات سلبية خطيرة على جميع المناطق ومعظم الفئات الاجتماعية، لا سيما تلك التي تحتل مراكز متدنية في التسلسل الهرمي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتلك التي تعيش في أكثر مناطق البلاد حساسيةً لتغير المناخ.

كارثة التصحر

وذكرت الباحثة أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار قد أدّيا إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتصاعد التوترات والصراعات بين الجماعات على الموارد المحدودة، فضلًا عن تأثير سلبي في مستوى معيشة المتضررين. وأشارت إلى أن خطر التصحر يهدد 92 في المائة من الأراضي الزراعية، فيما كشفت دراسة أُجريت عام 2023 عن تقلص مساحة الأراضي المزروعة بحوالي 60 في المائة بسبب الجفاف الشديد، وعن انخفاض مريع في محصول ثمانية من أهم عشرة محاصيل زراعية.

وحددت الدراسة أسباب تدني قدرة الدولة على التكيف مع آثار تغير المناخ أو التخفيف منها، بضعف البنية التحتية نتيجة سنوات من الفساد والإهمال والصراعات، ومحاصرة وقمع منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال المناخ والبيئة، وافتقار الفاعلين السياسيين إلى آليات واضحة لمعالجة ضعف البنية التحتية المؤسسية، وهو ما سيُعرّض الفئات الأكثر ضعفًا لظروف قاسية.

مستقبل مثير للقلق

وذكرت الدراسة أنه من المتوقع أن يصبح العراق الأكثر حرارة في المنطقة بحلول عام 2050، وأن تتسع الفجوة بين الطلب على المياه وتوافرها من نحو 5 مليارات متر مكعب في اليوم إلى 11 مليار متر مكعب بحلول عام 2035. ويتحمل جنوب العراق، ولا سيما مدينة البصرة، العبء الأكبر من أزمة المناخ، على الرغم من مواردها النفطية الكبيرة.

فعلى سبيل المثال، تدهورت جودة المياه في المحافظة بشكل حاد عام 2018 جراء ارتفاع نسبة الملوحة إلى أكثر من 30 ألف جزء في المليون، أي ما يقارب نصف ملوحة مياه البحر، إضافة إلى التلوث، وانهيار البنية التحتية، وتدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى شط العرب، وانخفاض تدفق المياه من تركيا وإيران في نهري دجلة والفرات قبل أن يصبا في شط العرب، إلى جانب ضعف البنية التحتية والاستخدام غير المنظم للمياه. وقد أدى ذلك إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ودخول ما لا يقل عن 118 ألف شخص إلى المستشفيات، واندلاع احتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة المحلية والاتحادية، ردّت عليها السلطات بالعنف وقمعتها.

ونظرًا لاعتماد العراق على نظام الري بالغمر، فقد ألحقت المياه المالحة أضرارًا بالغة بمعظم الأراضي الزراعية المحيطة بالبصرة. وتوصلت الدراسة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وتدهور البيئة، وسوء إدارة الموارد، جعلت مجتمعة من مدن مثل البصرة غير صالحة للسكن خلال أشهر الصيف، لاسيما للفئات ذات النفوذ الاقتصادي والسياسي المحدود، والتي تُضطر إلى السكن بالقرب من مناطق إنتاج النفط، بسبب فقرها ومحدودية نفوذها السياسي، إلى درجة تُقيّد قدرتها ومواردها على المطالبة بحلولٍ لتحدياتها البيئية.

انبعاثات الكربون

وأشارت الباحثة إلى أن العراق يعّد من الدول التي تعاني من أعلى معدلات انبعاثات الكربون نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة، والتي تنبع أساسًا من قطاع الطاقة، بما في ذلك إنتاج النفط وحرق الغاز. وذكرت أن بساتين النخيل والحقول الزراعية التي كانت تمتد على طول شط العرب في البصرة وتلعب دورًا هامًا في تنظيم درجات الحرارة في المنطقة قد اختفت بسبب ارتفاع منسوب المياه المالحة، وتقاعس الحكومة عن التدخل في اللحظات الحرجة لتحسين الوضع، وقيام العديد من المزارعين ببيع مزارعهم لرجال أعمال أعادوا تطويرها لأغراض سكنية وتجارية، محوّلين رئة المدينة إلى غابة إسمنتية، مما ساهم في ارتفاع درجات الحرارة.

وطرحت الدراسة استراتيجيات التكيف الشاملة مع تغير المناخ، التي تتضمن معالجة أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، والتي تؤثر في أفراد المجتمع المهمشين؛ لأن تغير المناخ في جوهره يُفاقم التهديدات ويتفاعل مع الظلم الاقتصادي والعنصري والتهميش، ويزيد من أضرارهما، إضافة إلى ضمان تكافؤ فرص العمل لأفراد المجتمع في وظائف القطاع الخاص، بما يُسهم في كسر حلقة الفقر، وتقديم الدعم المالي لسكان الأحياء الفقيرة.