في ظل التحول المتسارع نحو العالم الرقمي، لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة ترفيه أو أداة تعليمية، بل أصبح جزءا أساسيا من حياة الأطفال اليومية، يفرض حضوره داخل تفاصيلهم. هذا التحول الذي يبدو في ظاهره تطورا طبيعيا مع العصر، يخفي في عمقه سلسلة من التأثيرات التربوية والنفسية والسلوكية التي بدأت تثير القلق.
وتتعدد القراءات حول حجم التأثير الحقيقي لهذه الأجهزة على جيل ينمو داخل فضاء افتراضي أكثر اتساعًا من واقعه، بين من يرى أن التكنولوجيا تعيد تشكيل طريقة إدراك الطفل لمشاعره وتفاعله مع محيطه، ومن يحذر من أن الإفراط في استخدامها قد يقود إلى اضطرابات في السلوك وضعف في المهارات الاجتماعية،
تحذير من تشويش مرحلة التكوين
يقول الأستاذ والمخرج عبد الله الخفاجي، أن أخطر ما يمكن أن يخلفه الهاتف المحمول في هذه المرحلة هو إحداث إعاقة مباشرة في الية التعبير عن المشاعر، وكذلك في قدرة الطفل على استقبال الإشارات الحسية والتفاعل معها. فالطفل، بحسب وصفه، يكون في طور بناء هذه المهارات الدقيقة، التي تشمل التعبير عن الألم، والحب، والجوع، والرغبة، إلى جانب فهمه لمشاعر الآخرين واستجابته لها.
ويضيف الخفاجي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "إدخال الهاتف إلى هذا العالم الناشئ، بما يحمله من مشاعر مصطنعة وصور غير واقعية، يؤدي إلى تشويش هذا التكوين، إذ يبدأ الطفل بالتقاط أنماط تعبير لا تنسجم مع طبيعته أو بيئته، بل تعكس ما يراه على الشاشة. هذا التداخل، بحسب الخفاجي، لا يمر دون أثر، بل ينعكس على سلوك الطفل، فتبدو تعابيره إما مبالغ فيها أو باهتة، وتميل في كثير من الأحيان إلى الطابع التمثيلي أكثر من كونها انعكاسا حقيقيا لما يشعر به.
ويحذر من أن الخلل الذي يصيب هذه "البذرة الأم" في مرحلة التكوين قد يكون عميقاً إلى حد يصعب إصلاحه لاحقاً، إذ لا يقتصر الأمر على تعبيرات الوجه أو ردود الفعل، بل يمتد ليشمل طريقة ربط المشاعر بالسلوك، والتفاعل الحسي مع المحيط، ما يؤسس لشخصية تميل إلى الاصطناع أكثر من العفوية.
استخدامه ساعة او ساعتين يوميا
من جانبها، تقول د. بتول عيسى، متخصصة في الطب النفسي، إن الأطفال اليوم لم يعودوا بمعزل عن التكنولوجيا، بل أصبح استخدامها، بدرجات معينة، ضرورة تفرضها طبيعة العصر. ففي العديد من الدول المتقدمة، ينظر إلى إلمام الطفل بالتقنيات الحديثة في سن مبكرة بوصفه مؤشراً على التطور المعرفي، خاصة مع وجود تطبيقات تعليمية تسهم في تعليم الحروف والأرقام والألوان بأساليب تفاعلية.
لكن هذا الاستخدام، كما تشير عيسى في تعليق لـ"طريق الشعب"، ينبغي أن "يبقى ضمن حدود مدروسة، إذ توصي الأوساط العلمية بألا يتجاوز تعرض الطفل للشاشات مدة تتراوح بين ساعة إلى ساعتين يومياً، وبإشراف مباشر من الأهل، لضمان توجيه هذا الاستخدام نحو محتوى تعليمي وهادف".
وتحذر من أن تجاوز هذه الحدود يدخل الطفل في دائرة الاستخدام المفرط، الذي قد يتحول تدريجياً إلى نمط إدماني، تظهر ملامحه من خلال تراجع القدرة على التركيز، وضعف التفاعل الاجتماعي الواقعي، فضلاً عن التعرض لمحتويات غير مناسبة لعمره.
ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، إذ تبين أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهم في خلق صورة مثالية زائفة للحياة، يروج لها صناع المحتوى، ما يدفع الأطفال والمراهقين إلى مقارنة حياتهم بهذه النماذج غير الواقعية. هذا النوع من المقارنة، قد يولد شعوراً بالنقص وعدم الرضا عن الذات، خاصة لدى الفتيات، ويؤسس لضغوط نفسية مبكرة.
وتلفت إلى أن من أبرز المؤشرات على تحول الاستخدام إلى إدمان، ظهور أعراض انسحابية عند منع الطفل من استخدام الجهاز، مثل العصبية المفرطة، والبكاء، ورفض التوجيه، وقد تتطور أحياناً إلى سلوكيات مؤذية للذات، في مشهد يشبه إلى حد كبير أعراض الانسحاب المرتبطة بالإدمان.
وعلى المدى البعيد، تحذر عيسى من أن نشوء الأطفال في بيئة افتراضية قد يؤدي إلى تآكل منظومة القيم الاجتماعية، وتراجع تأثير الأسرة بوصفها المرجعية الأولى، مقابل صعود المؤثرين كنماذج يحتذى بها، رغم ما تحمله حياتهم من صور غير واقعية أو مبالغ فيها.
كما أن الإفراط في استخدام الأجهزة قد يسهم في إضعاف مهارات التواصل الحقيقي، مثل فهم لغة الجسد والتعبير غير اللفظي، ما ينعكس سلباً على قدرة الفرد في بناء علاقات اجتماعية سليمة، ويهدد تماسك البنية المجتمعية على المدى الطويل.
وفي مواجهة هذه التحديات، تؤكد المتحدثة أهمية الدور المحوري للأسرة، بدءاً من تنظيم وقت استخدام الأجهزة، ومروراً بمراقبة المحتوى، وصول إلى خلق بدائل واقعية تعزز التفاعل الاجتماعي، كتشجيع اللعب الجماعي والأنشطة العائلية.
وتشدد على ضرورة استعادة الوقت العائلي بعيداً عن الشاشات، من خلال تخصيص لحظات يومية يجتمع فيها أفراد الأسرة للحوار والتواصل المباشر، بما يسهم في ترسيخ القيم الاجتماعية وتعليم الأطفال مهارات التفاعل الإنساني الصحي.
الاطفال والاجهزة الالكترونية
من جهتها، تؤكد علياء جواد، مهتمة بالشأن التربوي أن الاستخدام غير المنظم للأجهزة الإلكترونية لدى الأطفال لم يعد مجرد وسيلة للترفيه أو اللعب، بل تحول إلى عامل مؤثر بشكل مباشر على سلوكهم ونموهم النفسي والمعرفي.
وتقول جواد لـ "طريق الشعب" أن التعامل مع الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية دون رقابة حقيقية يفتح الباب أمام مجموعة من المشكلات التي قد تبدأ بشكل بسيط، لكنها تتفاقم مع الوقت لتترك آثارًا واضحة على الطفل.
وتشير إلى أن الإفراط في استخدام هذه الأجهزة يؤدي إلى ضعف التركيز وتأخر في التطور، فضلا عن تأثيره على مهارات التفكير والتعلم، ما ينعكس سلبا على الأداء الدراسي. كما أن العزلة الناتجة عن الانشغال الطويل بالشاشات تسهم في إضعاف العلاقات الاجتماعية، وتقلل من قدرة الأطفال على التفاعل مع محيطهم بشكل طبيعي.
ومن خلال الحالات التي ترصد ميدانيا، تلفت إلى أن العديد من الأطفال باتوا يواجهون صعوبات في التحكم بمشاعرهم، مع ارتفاع ملحوظ في مستويات العصبية والتوتر والقلق النفسي، وهي مؤشرات ترتبط بشكل مباشر بالاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية. وتضيف أن بعض هذه التأثيرات تتخذ منحى أكثر خطورة، خصوصا لدى الفتيات في المرحلة المتوسطة، حيث قد يتعرضن لابتزاز إلكتروني عبر المنصات الرقمية، ما يضعهن تحت ضغوط نفسية كبيرة.
وتحذر من أن هذه الضغوط قد تدفع بعض الحالات إلى سلوكيات خطيرة، مثل الهروب من المنزل أو التفكير بإيذاء النفس، في ظل غياب التوجيه الأسري والرقابة الفعالة. وتخلص إلى أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب وعي أكبر من الأسرة والمؤسسات التربوية، لضمان استخدام آمن ومتوازن للتكنولوجيا يحمي الأطفال من مخاطرها المتزايدة.