اخر الاخبار

مع دخول العراق مرحلة حاسمة من مسار تشكيل الحكومة المقبلة، بعد انتخاب رئيس الجمهورية يبدأ العدّ الدستوري لتكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً برئاسة الوزراء، وفقاً للمادة 76 من الدستور التي تمنح مهلة محددة لا تتجاوز 15 يوماً لتسمية المرشح، وتقديمه إلى البرلمان لنيل الثقة.

هذا الاستحقاق فتح الباب أمام سباق سياسي محتدم داخل قوى "الإطار التنسيقي"، في ظل تباين واضح بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل وشكل الحكومة المنتظرة.

صراع التوافق داخل الإطار

ويتمحور الصراع حالياً داخل الإطار التنسيقي، وهو التحالف الأكبر في البرلمان، حول محاولة الوصول إلى مرشح واحد يحظى بإجماع أو شبه إجماع، وسط انقسام داخلي بين دعم تمديد ولاية رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وبين الدفع نحو بدائل أخرى أكثر توافقاً مع توازنات القوى داخل التحالف.

وتبرز في هذا السياق مؤشرات على تقدم حظوظ السوداني، مدعوماً بكتل وازنة داخل الإطار، في مقابل اعتراضات من أطراف أخرى ترى ضرورة تغيير المعادلة أو إعادة توزيع النفوذ بما يمنع تمديد ولايته.

المالكي وموقف الاعتراض

وحسب تقارير سياسية، يمثل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي أحد أبرز الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في ترشيح السوداني، إذ تُشير التباينات داخل الإطار إلى عدم وجود مرشح تسوية نهائي يحظى بإجماع شامل حتى الآن، مع استمرار تداول أسماء متعددة داخل دائرة النقاش السياسي، ما يعكس عمق الانقسام حول شكل الحكومة المقبلة. وهذا الخلاف لا يقتصر على الأسماء فقط، بل يمتد إلى طبيعة المرحلة المقبلة: هل تكون حكومة استمرار برئاسة السوداني، أم حكومة إعادة توازن داخل الإطار تعيد توزيع مراكز القرار التنفيذي.

احتمال طرح مرشح بديل

ورغم الاحتمالات بشأن السوداني، لا يُستبعد طرح مرشح بديل توافقي في حال تعذر الحسم، خاصة مع استمرار النقاشات حول شخصيات سياسية وأمنية وإدارية داخل الإطار.

 وتؤكد التسريبات السياسية أن المشهد ما يزال مفتوحاً على عدة سيناريوهات، من بينها التوافق على اسم وسطي، أو الذهاب إلى تسوية داخلية تجنب الإطار الانقسام الحاد.

وفي ضوء مرحلة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية، وما يرافقها من حراك سياسي داخل قوى "الإطار التنسيقي" بشأن تسمية رئيس الوزراء المقبل، والصراع الدائر بين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ورئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني، فإن الأزمة لا تتعلق بأسماء المرشحين بقدر ما تتصل بطبيعة نهج النظام السياسي القائم وآليات إنتاج السلطة في العراق، والتي كرّست المحاصصة والزبائنية على حساب الدولة ومبدأ المواطنة. فالجدل الدائر داخل الإطار التنسيقي بين الإبقاء على رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أو استبداله بمرشح آخر، أو حتى الذهاب نحو تسوية داخلية، لا يغيّر من جوهر الأزمة السياسية في البلاد. فالمشكلة الأساسية تكمن في بنية المنظومة المتنفذة التي تجعل تشكيل الحكومة نتاجاً لتفاهمات الكتل المتنافسة على الحصص، وليس برنامجاً وطنياً قائماً على الكفاءة والإصلاح.

وبهذا المعنى، فعملية قبول او اعتراض هذا الاسم او ذاك لا يُنظر إليها كتباين حول مشروع دولة، بل كصراع داخل منظومة تقاسم النفوذ.

تنافس على النفوذ لا على البرامج

ويرى هذا الطرح أن حكومة السوداني الحالية، ورغم ما حققته من بعض التحركات في ملف الخدمات والإعمار، إلا أنها بقيت محكومة بسقف التوازنات السياسية ذاتها التي جاءت بها، ما جعل قدرتها على إحداث أي اصلاح محدودة.

وعليه، فإن الحديث عن تجديد ولايته أو استبداله لا يغيّر من حقيقة أن السلطة التنفيذية تبقى مقيدة بمنظومة المحاصصة، وأن أي رئيس وزراء سيبقى يعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً من القوى المتنفذة.

أما الخلاف داخل "الإطار التنسيقي"، بما في ذلك موقف زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، فيُعتبر تعبيراً عن تنافس على مراكز القرار داخل الدولة، وليس اختلافاً على برنامج اقتصادي أو اجتماعي او توجهات معينة لإعادة بناء مؤسسات الدولة لإدارة البلاد. وبالتالي، فإن احتمال طرح مرشح بديل أو التوجه نحو تسوية توافقية داخل الإطار، يُنظر إليه كإعادة توزيع للنفوذ لا كتحول في نهج الحكم.

ما الذي يحتاجه العراق؟

العراق لا يحتاج فقط إلى حكومة وطنية جديدة، بل إلى إعادة بناء المسار السياسي من أساسه، عبر الانتقال من نظام المحاصصة إلى دولة المواطنة والمؤسسات، واعتماد برامج اقتصادية واجتماعية تُعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، فضلا عن تعزيز استقلال القرار الحكومي عن مراكز النفوذ الحزبي والفئوي، وإعادة الاعتبار للقرار الوطني العراقي المستقل.

وعليه فإن أزمة تشكيل الحكومة المقبلة لا تُختزل في صراع بين السوداني والمالكي أو أي مرشح بديل، بل هي انعكاس مباشر لبنية سياسية قائمة تحتاج إلى تغيير جذري، لا مجرد إعادة تدوير للوجوه داخل المنظومة ذاتها.

حكومة إدارة أزمات بدلاً من المحاصصة

ويقول المحلل السياسي مجاشع التميمي إن شكل الحكومة المقبلة، إذا ما أرادت البقاء والاستمرار وليس مجرد التشكيل الشكلي، ينبغي أن يتجه نحو "حكومة إدارة أزمات" بدلاً من الاستمرار بنموذج "حكومة المحاصصة" التقليدي.

وأشار في حديث مع "طريق الشعب"، إلى أن الأولوية داخلياً يجب أن تكون لتشكيل حكومة مصغّرة تضم ما بين (15–20) وزيراً ضمن كابينة تكنوقراط حقيقية، مع منح رئيس مجلس الوزراء تفويضاً واضحاً وصلاحيات تنفيذية أوسع، إلى جانب تفعيل رقابة برلمانية علنية تشمل نشر بيانات الحضور والتصويت لتعزيز الشفافية.

وأضاف أن أبرز التحديات الملحّة تتمثل في ضبط ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، وإطلاق إصلاحات مالية جادة، ومعالجة نسب الفقر في المحافظات الأكثر هشاشة، بوصفها ملفات تمس استقرار الدولة بشكل مباشر.وعلى الصعيد الخارجي، دعا التميمي إلى اعتماد سياسة توازن صارم في العلاقات بين واشنطن وطهران، وفق مبدأ "العراق أولاً" بعيداً عن كونه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، مع ضرورة تحييد الأراضي العراقية عن أي تصعيد محتمل، وإعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع التحالف الدولي بما ينسجم مع السيادة الوطنية.

أما سياسياً، فأشار إلى أهمية تقليص نفوذ الزعامات السياسية داخل القرار التنفيذي، من خلال الالتزام ببرنامج حكومي واضح ومحدد زمنياً وملزم للتنفيذ.

واختتم التميمي بالقول إن استمرار تشكيل الحكومات على أساس "الترضيات السياسية" سيقود إلى فشل سريع، في ظل ضغوط أمريكية وإقليمية متزايدة، واحتقان داخلي آخذ بالتصاعد.

تحذير من تفاقم الأوضاع

فيما حذّر الكاتب والصحفي فلاح المشعل من تفاقم الأوضاع في العراق على المستويات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، مؤكدًا أن البلاد تواجه تحديات كبيرة وتهديدات حقيقية تمسّ "عصب الحياة"، في إشارة إلى الاقتصاد.

وقال المشعل في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن الاقتصاد العراقي يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية كونه اقتصادًا ريعيًا يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، مشيرًا إلى أن تضخم الإنفاق والهدر المالي فاقما من أزماته حتى قبل اندلاع الأزمة الأخيرة المرتبطة بالتوترات الأمريكية–الإيرانية، والتي أدت إلى توقف تصدير النفط، ما عمّق الأزمة بشكل غير مسبوق.

وبيّن أن الإيرادات الحالية "شحيحة جدًا"، ولا تتجاوز ما بين 5 إلى 10% من الموارد الطبيعية التي كان العراق يحققها سنويًا، والتي كانت تتراوح بين 80 و100 مليار دولار، محذرًا من أن هذه الأزمة ستقود إلى تداعيات اجتماعية وسلوكية ونفسية خطيرة.

وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الاقتصاد الأحادي، مؤكدًا أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في استثمار الموارد المتاحة، رغم امتلاك العراق ثروات كبيرة من النفط والغاز، قائلاً إن "الدول التي تمتلك الطاقة تمتلك عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، لكن العراق لم يحسن استثمار هذه المقومات".

ودعا المشعل إلى تشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات، تتكوّن من شخصيات كفوءة ومتمرسة في الشأن الاقتصادي، وتتمتع بالنزاهة والخبرة في إدارة الأسواق العالمية وملف الطاقة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب "رجال دولة" قادرين على إدارة الاقتصاد بوعي واحتراف.

كما انتقد آلية اختيار المسؤولين، لافتًا إلى أن المحاصصة أفرزت وزراء ومستشارين يفتقرون إلى الكفاءة والخبرة، وهو ما انعكس سلبًا على أداء المؤسسات، مشددًا على أن "الوزير يجب أن يكون مختصًا في مجاله، سواء في التجارة أو النفط أو غيرها من القطاعات الحيوية".

وأضاف أن الفساد الإداري والمالي، الناتج عن الفساد السياسي، يمثل أحد أبرز أسباب التراجع، إلى جانب غياب التخطيط السليم لاستثمار الفوائض المالية في فترات ارتفاع أسعار النفط، ما أدى إلى ضياع فرص حقيقية لتنمية الاقتصاد.

وختم المشعل بالتأكيد على أن النظام الحالي يواجه "أزمات وجودية"، داعيًا إلى إعادة النظر في بنية السلطة التنفيذية، التي وصفها بأنها "شكلية في كثير من الأحيان"، ولا تمتلك القدرة الفعلية على إدارة الدولة ومواكبة التحديات الداخلية والخارجية.