العراق الهش والحرب في المنطقة
حول تداعيات الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وتأثيراتها المحتملة على العراق كتبت فيكتوريا تايلور مقالاً لموقع المجلس الأطلسي، أشارت فيه إلى قيام الولايات المتحدة باستهداف منازل في أحياء بغدادية، بدعوى وجود قيادات عسكرية من بين قاطنيها، في مشاهد مروعة، راح ضحيتها عدد من المواطنين.
ردود أفعال حادة
وذكرت الكاتبة بأن هذه الضربات كانت بمثابة الشرارة الأولى في فترة طويلة من العمليات العسكرية التي شاركت فيها القوات الأمريكية والفصائل الحليفة لطهران، ومثلت دليلاً ملموساً آخر على هشاشة الوضع الأمني الراهن وامكانيات إحداث الفوضى بسهولة في أرجاء العراق، ما يضع حكومته أمام خيارات صعبة، لاسيما إذا ما أرادت حفظ هيبة الدولة واستعادة السيادة.
وادّعت الكاتبة بأن معظم القادة العراقيين الذين التقت بهم قبيل نشوب الحرب، أكدوا لها قدرتهم على إبقاء العراق على الحياد إذا ما حصل الصراع، كما كان الحال في حرب حزيران الماضي، لكن ذلك بدا مجرد أمنيات.
توازن غامض
وحمّل المقال الحكومة العراقية مسؤولية ما يجري، حيث فشلت استراتيجيتها في إيجاد توازن بين جارتها الشرقية وبين حليفها في واشنطن، وفي ترسيخ مصالحها السياسية والاقتصادية وفي حصر السلاح بيد الدولة. ففي الوقت الذي يرى فيه عدد من هذه القوى نصرة إيران في الحرب ضرورة تفرضها توجهاتها الأيديولوجية الراسخة، حتى لو وصفها رئيس الوزراء بالجماعات "الخارجة عن القانون"، تستنكر الحكومة العراقية الغارات الأمريكية على معسكرات هذه القوى وتدينها من جهة وتشكل لجنة تنسيق مشتركة عليا مع الولايات المتحدة ضد ما يستهدف مصالحها في العراق أو في المنطقة انطلاقاً من العراق من جهة أخرى.
الشعب يدفع الثمن
ولموقع (تشام هاوس) البريطاني كتب حيدر الشاكري حول التأثير المتزايد للحرب على العراق، فأكد على أن تبادل الطرفين للهجمات على أراضيه وسقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة بالقرب من المباني السكنية في مدن مثل بغداد وأربيل، بات مؤرقاً لمواطنيه من جهة وكشف عن هشاشة الاقتصاد والمجتمع من جهة ثانية، لاسيما وإن معظم العراقيين باتوا يواجهون الصراع الأخير بموارد مالية محدودة ومدخرات ضئيلة، مع انعدام الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم من آثار الحرب.
وذكر الكاتب بأن الحرب أثارت قلقًا لدى العديد من الأسر بشأن استمرار تلقي رواتبهم أو قدرتهم على الحصول على الغذاء والدواء، فيما يساورهم القلق بشأن استمرار إمدادات الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة قبيل فصل الصيف.
تقويض الأمان
وبيّن المقال بأن تعطل حركة الشحن في الخليج يمثل كارثة لبلد يعتمد بأكثر من 90 في المائة من تجارته على البحر، ويحرمه من صادرات النفط الحيوية التي تمول الجزء الأكبر من ميزانيته. وتشتد المشكلة صعوبة حين يواجه العراق الحرب بهياكل حوكمة أضعف وقدرة أقل على حماية المجتمع من تداعياتها مقارنةً بالعديد من جيرانه. فميزانية الدولة العراقية تعّد شبكة الأمان الاجتماعي الرئيسية لشريحة واسعة من السكان، لأنها توفر رواتب ملايين العراقيين، ولا تزال العديد من الأسر تعتمد على الإنفاق الحكومي لتأمين احتياجاتها اليومية، سواء من خلال الرواتب أو المعاشات التقاعدية أو برامج الرعاية الاجتماعية المرتبطة بالإنفاق العام، والذي يعتمد في 90 في المائة من تمويله على مبيعات النفط الخام، التي يتأثر بتعطلها الإنفاق الحكومي، وبالتالي تتأثر ميزانيات الأسر وتزداد تكاليف الإيجار والغذاء والنقل والأدوية والتعليم.
وقد كشفت الحرب على إيران عن هذا الاعتماد من خلال إلحاق ضرر مباشر بقدرة العراق التصديرية للنفط الخام نتيجة اضطراب في مضيق هرمز. ورغم إن العراق مازال يمتلك احتياطيات تُقدّر بنحو 97 مليار دولار، فأن معظمها غير سائل، ولا يمكن للاحتياطيات إلا أن توفر إغاثة قصيرة الأجل، ولهذا يقدّر خبراء اقتصاديون أن أمام العراق نحو شهرين قبل أن تتأثر الرواتب بشكل مباشر، وبعدها ستضطر الحكومة إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة لضمان استمرار صرف الرواتب.
ورصد المقال ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تتراوح بين 15 و25 بالمئة، وانخفاض قيمة الدينار في السوق إلى حوالي 1550 للدولار، ووجود خطر جدي من نقص وشيك في الكهرباء بسبب نقص وصول الغاز الإيراني الذي يشغل 30 في المائة من الإنتاج. كما توقع الكاتب أن تؤدي ضغوط الحرب إلى تأجيج مجموعة من المظالم القائمة ذات الطابع السياسي، كاعتقاد المواطنين بأن سنوات من ارتفاع عائدات النفط كان ينبغي أن تُفضي إلى تحسينات في البنية التحتية للكهرباء في البلاد، وكبقاء شرعية الدولة موضع شك على مر السنين بسبب الفساد، وقصر النظرة السياسية، وعدم تكافؤ الخدمات، وشعور الناس بأن الأنظمة السياسية المتعاقبة كانت وراء حجم التدخل الأجنبي الواسع في شؤونهم.