دخل العراق، امس السبت، مرحلة جديدة من التدافع السياسي غداة انتخاب مجلس النواب رئيساً للجمهورية، وبعد اكثر من شهرين على انتهاك المدة الدستورية المخصصة لانتخاب الرئيس.
وفاز نزار محمد سعيد في الجولة الثانية من التصويت، الامر الذي يشكل نقطة تحول مفصلية يمكن ان تمهد لبدء مسار تشكيل الحكومة الجديدة، وسط مشهد سياسي معقد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
خرق للأعراف أم استمرار لنهج المحاصصة؟
وعقد مجلس النواب جلسته برئاسة هيبت الحلبوسي وبحضور أكثر من 220 نائباً، قبل أن يرتفع عدد المشاركين في التصويت إلى 252 نائباً.
وأظهرت نتائج الجولة الأولى تفوقاً واضحاً للمرشح نزار محمد سعيد آميدي الذي حصل على 208 أصوات، متقدماً بفارق كبير على منافسيه، وفي مقدمتهم مثنى أمين نادر الذي نال 17 صوتاً، فيما حصل فؤاد محمد حسين على 16 صوتاً.
ورغم هذا التقدم اللافت، لم يتمكن أي مرشح من تحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة دستورياً، ما أدى إلى الانتقال نحو جولة ثانية حاسمة، وفق الآليات الدستورية المعتمدة.
وينص الدستور العراقي في مادته 70 على أن مجلس النواب ينتخب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بـ "أغلبية ثلثي عدد أعضائه"، وإذا لم يحصل أي من المرشحين على الأغلبية المطلوبة "يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويُعلن رئيساً من يحصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني".
وفي الجولة الثانية، حسم آميدي السباق بشكل نهائي بعد حصوله على 227 صوتاً مقابل 15 صوتاً لمنافسه مثنى أمين، مع تسجيل 7 أوراق باطلة، ليُعلن رسمياً رئيساً للجمهورية ويؤدي اليمين الدستورية أمام البرلمان.
جدل دستوري واعتراضات نيابية
وبرغم اكتمال العملية الانتخابية، لم تخلُ الجلسة من التوترات، إذ شهدت اعتراضات من بعض النواب الذين شككوا في نصاب الجولة الثانية، ما دفع رئاسة المجلس إلى التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق المشككين.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير القانوني دريد توفيق أن الفوز في الجولة الثانية حسم بالأغلبية البسيطة، دون اشتراط تحقيق نسبة 50%، ما يعزز شرعية النتيجة من الناحية الدستورية.
وبرز الانقسام داخل القوى الكردية كأحد أبرز ملامح المشهد، حيث قال الحزب الديمقراطي الكردستاني، بضرورة اختيار مرشح توافقي داخل الإقليم قبل طرحه في البرلمان.
وفي هذا الإطار، قالت النائبة أشواق الجاف أن منصب رئاسة الجمهورية كان من المفترض أن يُحسم داخل البيت الكردي أولاً، وفق الأعراف السياسية التي استقرت منذ عام 2003، معتبرة أن تجاوز هذا السياق يمثل إخلالاً بالتوازنات السياسية.
وبانتخاب رئيس الجمهورية، بات الإطار التنسيقي أمام استحقاق أكثر تعقيداً، يتمثل في حسم مرشحه لرئاسة الوزراء، بوصفه الكتلة النيابية الأكبر، خلال 15 يوما. وهذا ما يضع القوى السياسية أمام سباق زمني حاسم لتشكيل الحكومة الجديدة. فبحسب المادة 76 رابعاً من الدستور "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية".
آميدي: العراق اولاً
ويمثل انتخاب رئيس الجمهورية خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الانسداد السياسي، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها إعادة رسم التوافقات والتحالفات السياسية.
وقد يسهم فوز آميدي في بلورة تحالفات جديدة، خصوصاً مع الحديث عن تقارب بين قوى سنية وكردية وبعض المستقلين، ما قد يؤثر بشكل مباشر على شكل الحكومة المقبلة.
وشدد رئيس الجمهورية الجديد، في كلمة أمام مجلس النواب، على رفضه أي انتهاك لسيادة البلاد. فيما أكد العمل على مبدأ "العراق أولاً".
وقال "أتشرف بنيل الثقة اليوم وأتقدم بالشكر الجزيل للنواب"، مؤكداً "تكليفي أمانة عظيمة".
وأضاف "نرفض الاستهدافات كافة التي تطال العراق وتمس أمنه وسيادته، وندعم جهود إنهاء الحرب في المنطقة وسنعمل على تثبيت الاستقرار".
وتابع "أوكد لكم العمل وفق قاعدة العراق أولاً لتثبيت دور العراق الإقليمي والدولي".
هذا وهنأ رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، آميدي بانتخابه رئيساً للجمهورية.
وأضاف، أنه "ومع إنجاز هذا الاستحقاق الوطني، فإننا بانتظار إكمال الاستحقاق الحاسم بتشكيل حكومة ائتلافية قوية في ظل الثوابت الوطنية والدستورية...".