تشهد المالية العامة في العراق مرحلة مفصلية وحساسة، تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية تضغط على هيكل الاقتصاد الوطني، الذي يعتمد بصورة شبه كلية على الإيرادات النفطية.
هذا الاعتماد الأحادي جعل الموازنة العامة ضحية لتقلبات الأسواق العالمية، سواء من حيث أسعار النفط أو كميات التصدير، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الإيفاء بالتزاماتها المالية، ويحدّ من إمكانية التخطيط طويل الأمد.
ضغوط اضافية
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية هيكلية تتمثل في اختلال التوازن بين الإيرادات والنفقات، حيث تستحوذ النفقات التشغيلية على الحصة الأكبر من الإنفاق العام، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والدعم والتحويلات الاجتماعية، مقابل تراجع نسبي في الإنفاق الاستثماري القادر على تحفيز النمو وخلق فرص العمل.
هذا النمط من الإنفاق عمّق الطابع الريعي للاقتصاد، واضعف قدرته على التكيّف مع الصدمات، خصوصاً في ظل محدودية مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي.
ومع تصاعد التوترات الاقليمية والتحديات الجيوسياسية، تتزايد المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد وحركة التجارة، فضلاً عن احتمالات اضطراب تدفقات الطاقة، ما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الوطني.
توجهات مطلوبة
البيئة العالمية، التي تشهد تقلبات في معدلات التضخم وأسعار الفائدة، تلقي، بحسب مختصين، بظلالها على الاقتصادات النامية، ومنها العراق، من خلال ارتفاع كلف التمويل وتراجع القدرة على الوصول إلى مصادر تمويل ميسّرة.
أمام هذه المعطيات، برزت دعوات اصحاب الاختصاص الى إعادة النظر في آليات إدارة المالية العامة، والانتقال من نماذج التخطيط التقليدي إلى أدوات أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات.
فإدارة السيولة، وترتيب الأولويات، وتعزيز كفاءة الإنفاق، تحوّلت إلى متطلبات أساسية لضمان الاستقرار المالي، وفي موازاة ذلك، تسريع مسار الإصلاح الاقتصادي، عبر تنويع مصادر الإيرادات، وتفعيل أدوات الجباية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، بما يخفف من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
تأجيل بعض النفقات لعبور الأزمة
في هذا الصدد، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن العراق يمرّ بظروف اقتصادية صعبة واستثنائية، في ظل اعتماد كبير على الصادرات النفطية، مشيراً إلى أن نحو 90 في المائة، من إيرادات الدولة ترتبط بهذا المورد، ما يفرض تحديات كبيرة على إدارة الالتزامات المالية.
واضاف صالحة في حديث مع "طريق الشعب"، ان "الحكومة تسعى إلى إيجاد منافذ إضافية لتصدير النفط، سواء عبر الدبلوماسية أو من خلال خطوط جديدة مثل جيهان أو النقل بالشاحنات، بهدف الحفاظ على تدفق الإيرادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالأسواق العالمية".
وبيّن أن الجزء الأكبر من إنفاق الدولة "يذهب إلى الرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين، إضافة إلى دعم الأسعار والقطاع الزراعي"، مؤكداً أن "هذه البنود تمثل أولوية قصوى لا يمكن المساس بها، في إطار الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي”.
وأشار إلى أن الحكومة ستتجه "نحو سياسة إنفاق منضبطة تقوم على تقليل المصروفات إلى أدنى حد ممكن، مع الحفاظ على الالتزامات الأساسية"، لافتاً إلى أن "إدارة المرحلة الحالية تتطلب مناورة مالية تشمل تأجيل بعض النفقات وإعادة ترتيب الأولويات وفق تطورات الأزمة".
وفي ما يتعلق بموازنة عام 2026، شدد صالح على "ضرورة أن تتمتع بمرونة عالية وتمنح السلطة التنفيذية القدرة على التكيّف مع المتغيرات، سواء من خلال تقديم أو تأخير بعض المشاريع أو إعادة توزيع الموارد"، مبيناً أن "الجمود في إدارة الإنفاق قد يعرقل قدرة الدولة على مواجهة التحديات".
كما أشار إلى وجود "توجه لتعزيز دور القطاع الخاص ومنحه مساحة أوسع للعمل، عبر شراكات مدعومة بإجراءات حمائية، بما يسهم في تخفيف العبء عن القطاع العام وتحفيز النشاط الاقتصادي".
وشدد في ختام حديثه على أن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على المرونة في اتخاذ القرار وضبط الأولويات المالية.
سيناريوهات سيئة مرتقبة
من جهته، ذكر الباحث في الشأن الاقتصادي نبيل التميمي أن إعداد الموازنة العامة في العراق يرتبط بشكل مباشر بتوقيت تشكيل الحكومة المقبلة، مرجحاً أن يبدأ العمل الفعلي عليها في الشهر الخامس أو السادس كحد أدنى، ما يعني تأخيراً زمنياً إضافياً في إقرارها.
وقال التميمي لـ"طريق الشعب"، إن إعداد الموازنات في الظروف الطبيعية يستغرق أشهراً طويلة قد تصل إلى نحو 10 أشهر، إلا أن طبيعة المرحلة المقبلة ستفرض تساؤلات جوهرية حول شكل الموازنة، وما إذا كانت ستكون “موازنة تقليدية” في حال استقرار الأوضاع، أو “موازنة أزمة” إذا استمرت الظروف الاستثنائية الحالية.
واضاف أن سيناريو موازنة الأزمة قد يتطلب تخفيضاً كبيراً في الإنفاق العام، قد يصل إلى نحو 40–50 في المائة، مع الحفاظ على بند الرواتب الذي يمثل أولوية للحكومة، ما سيدفعها الى البحث عن مصادر تمويل بديلة، بما في ذلك الاستدانة من البنك المركزي أو اللجوء الى الاقتراض الداخلي والخارجي.
وبيّن التميمي أن التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد في المرحلة المقبلة يتمثل في شح الموارد المالية، محذراً من أن العراق قد يواجه نقصاً ليس فقط في الإيرادات، بل حتى في توفر السلع داخل الأسواق، إضافة إلى احتمالات ارتفاع معدلات التضخم في حال استمرار الأزمات العالمية.
وزاد بالقول أن غياب تنويع مصادر الدخل واعتماد الاقتصاد على النفط بشكل شبه كامل يمثل أحد أبرز الإخفاقات التي ساهمت في تفاقم الوضع الحالي.
وحذّر التميمي من سيناريوهات “شديدة السوء” في حال عجزت الحكومة عن تأمين الرواتب أو السيطرة على التضخم، ما قد يؤدي الى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد، وربما يفضي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة قد تُطيح حتى بالنظام السياسي.
وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب قرارات سريعة وإصلاحات حقيقية، لتفادي الوصول إلى مراحل قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد
موازنة دفاعية
الى ذلك، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن الحديث عن “الإدارة المالية المرحلية” يعكس واقعاً مالياً غير مستقر، تُدار فيه المالية العامة تحت مستويات عالية من عدم اليقين، مشيراً إلى أن الحكومة قد تضطر الى تأجيل بعض الالتزامات واعتماد آليات إنفاق مؤقتة لحين اتضاح صورة الإيرادات، ولا سيما النفطية.
وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، ان هذا التوجه يعني عملياً انتقال الدولة من التخطيط المالي السنوي التقليدي إلى إدارة نقدية قصيرة الأجل، تركز على تأمين السيولة اللازمة لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، مقابل تأجيل المشاريع الجديدة أو إعادة جدولة النفقات الاستثمارية.
وأضاف أن هذا النمط يرتبط بما يُعرف بقاعدة (1/12)، التي تعتمد الصرف الشهري المؤقت استناداً إلى موازنة العام السابق، في حال تأخر إقرار الموازنة أو غياب الرؤية المالية الكاملة.
وبيّن أن العراق يتجه نحو "موازنة دفاعية" تركز على إدارة المخاطر بدلاً من تحقيق التنمية، في ظل اعتماد الاقتصاد بشكل شبه كامل على النفط، ومع استمرار التقلبات في أسعاره والتوترات الإقليمية التي تجعل الإيرادات غير مضمونة وفق تأكيدات الحكومة نفسها.
ولفت السعدي إلى ضرورة أن تُبنى الموازنة القادمة على ثلاث ركائز أساسية، تشمل اعتماد موازنة مرنة قابلة للتعديل خلال السنة، ومنح أولوية للإنفاق الاستثماري المنتج بدلاً من التوسع في النفقات التشغيلية، إضافة الى تسريع تنويع الإيرادات غير النفطية عبر تفعيل الضرائب والرسوم وتنشيط القطاعات الإنتاجية.
وفي ما يتعلق بإدراك صانع القرار، أوضح أن هناك وعياً نظرياً بالتحديات، يتجلى في الحديث عن المرونة وضبط الإنفاق، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على التنفيذ، في ظل الضغوط السياسية والاجتماعية التي تعيق الإصلاحات، خصوصاً تلك المرتبطة بإعادة هيكلة الدعم أو تقليص النفقات التشغيلية.
وحذر في ختام حديثه من أن المرحلة المقبلة ستواجه ثلاث تحديات رئيسية، تتمثل في تقلب أسعار النفط، وارتفاع النفقات التشغيلية التي تقيد حركة الحكومة، فضلاً عن ضعف الإيرادات غير النفطية، ما يجعل أي صدمة في السوق النفطية تتحول مباشرة إلى أزمة مالية.