اخر الاخبار

يعكس المشهد الراهن على الساحة العراقية تعقيدا كبيرا تتقاطع فيه التطورات السياسية والأمنية مع أزمات مالية واقتصادية وخدمية، لتشكل لوحة متشابكة من التحديات الداخلية والخارجية؛ فمع انطلاق تظاهرات واسعة في عدد من المدن رافضة للحرب ومطالبة بالسلام، تتصاعد تداعيات الحرب الإقليمية، بالتوازي مع أزمة متفاقمة في سوق العمل وملف الطاقة.

تظاهرات السبت رسائل سياسية في الشارع

وشهدت مدن عدة عراقية، يوم امس، تظاهرات واسعة دعا إليها السيد مقتدى الصدر، في تحرك يعكس تفاعلاً شعبياً مع تطورات إقليمية متسارعة.

وتركزت الدعوات على التجمع في ساحة التحرير وسط بغداد، إلى جانب مراكز قرابة 12 محافظة أخرى. وشهدت بعض المدن، مثل الناصرية، استعدادات مبكرة عبر نصب مواكب خدمية وتنظيم مواقع التجمع، خصوصاً في ساحة الحبوبي.

وبالتوازي، فرضت القوات الأمنية إجراءات مشددة، تضمنت إغلاق ساحة التحرير ومحيطها منذ ساعات الصباح الأولى، بهدف تأمين التظاهرات ومنع أي خروقات محتملة.

وتأتي هذه التظاهرات تحت شعار استنكار "العدوان الصهيوأمريكي"، والتضامن مع الشعوب المتضررة من الحرب، في وقت تتزامن فيه ذكرى تهجير الكرد الفيليين، حيث جددت جهات رسمية التزامها بإنصاف ضحايا هذا الملف.

تعطيل حركة التجارة العالمية

في الاثناء، أكد الخبير الاقتصادي محمود داغر، أن حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي تجعل من الصعب إجراء تقييم دقيق للوضع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن العراق يتأثر بشكل مباشر بتداعيات الصراعات، في ظل وجود أطراف متعددة تتسبب بزعزعة الاستقرار والإضرار بالواقع الاقتصادي.

وقال داغر لـ"طريق الشعب"، إن ما يشهده السوق من تقلبات وارتفاع في الأسعار يُعد أمرًا طبيعيًا في ظل ظروف مشابهة، لافتًا إلى أن الحروب عادة ما تُنتج أزمات اقتصادية مصاحبة، من بينها أزمات الطاقة والمواد الأساسية.

وأضاف أن بعض الأزمات، كأزمة الغاز، تتفاقم بفعل القلق المجتمعي، ما يدفع المواطنين إلى التهافت على شراء المواد الغذائية والسلع الأساسية وتخزينها، الأمر الذي يزيد من الضغط على الأسواق.

وبيّن أن هذا التهافت الاستهلاكي مسجل في العديد من التجارب، حيث تعاني الأسواق الكبرى ومراكز التسوق حاليًا من ضغط متزايد نتيجة الإقبال الكبير من المواطنين، ما يعكس حالة القلق وعدم اليقين، مشيرا الى أن هذه الظواهر لا تقتصر على العراق فقط، بل تمتد إلى دول أخرى، بما فيها الدول الأوروبية، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار نتيجة ما يُعرف بـ”صدمة النفط”، الناجمة عن الحروب وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

وختم بالقول إن عودة الاستقرار الاقتصادي مرهونة بانتهاء حالة عدم الاستقرار، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الوضع الاقتصادي في العراق، رغم هذه التحديات، لا يزال “أكثر من مقبول” مقارنة بالظروف الراهنة.

يشار إلى ان إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تعطيل حركة التجارة العالمية، خصوصاً في قطاع الأسمدة مثل اليوريا والأمونيا، ما ينذر بموجة ارتفاع في أسعار الغذاء عالمياً، مع تأثيرات مباشرة على الأمن الغذائي للدول المستوردة.

العراق في "عنق الزجاجة"

وقد دخل ملف الطاقة مرحلة حرجة نتيجة تداعيات الحرب واضطراب ممرات الملاحة؛ إذ أعلنت وزارة الكهرباء توقف تدفقات الغاز الإيراني بشكل كامل، ما تسبب بخسارة فورية تقدر بنحو 3200 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، الأمر الذي زاد من ساعات القطع وأعاد أزمة الكهرباء إلى الواجهة بقوة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تعمل الحكومة على إيجاد بدائل، منها الاعتماد على منصة غاز عائمة في البصرة يُتوقع أن توفر نحو 500 مليون قدم مكعب، إضافة إلى مشروع الربط الخليجي الذي قد يضيف نحو 500 ميغاواط إلى الشبكة.

كما لجأت السلطات إلى إجراءات تقشفية، شملت خفض الحصة الوقودية المخصصة للدوائر الحكومية بنسبة 50%، في محاولة لترشيد الاستهلاك وضمان استمرارية التجهيز.

وعلى المستوى العالمي، تسببت الأزمة في شلل شبه تام لبعض القطاعات الصناعية، خصوصاً تلك المعتمدة على الغاز، مثل مصانع السيراميك في الهند، ومصانع في مصر وسريلانكا.

ارتفاع أسعار الغاز المنزلي

كما سجلت أسعار المحروقات والغاز المنزلي ارتفاعات ملحوظة تراوحت بين 16% و30% خلال شهر آذار، مع توقعات باستمرار ارتفاع أسعار النفط عالميا فوق 100 دولار في حال استمرار التوتر في مضيق هرمز.

ورغم امتلاك العراق موارد غازية كبيرة، لا يزال يعاني من حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب، تُقدر بنحو 30 مليون قدم مكعب يومياً، في وقت يواجه فيه نقصاً في تجهيز محطات الكهرباء، ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة هذا الملف الحيوي.

وبالنسبة للغاز المنزلي، فقد شهدت عدة محافظات، بينها العاصمة بغداد، أزمة حادة، ارتفع معها سعر اسطوانة غاز الطبخ الى 15 ألف دينار، فضلا عن شحتها.

تسريح عاملين في القطاع الخاص

وضمن سلسلة الأزمات التي تمر بها مختلف القطاعات المحلية، يواجه عمال القطاع الخاص في العراق ضغوطاً متزايدة نتيجة تداخل تداعيات الحرب مع الاختلالات الداخلية في سوق العمل؛ ففي البصرة، حذر أصحاب شركات نفطية من احتمال تسريح نحو 40 ألف عامل، نتيجة اضطرابات الإمدادات وفوارق سعر صرف الدولار، ما ينذر بأزمة بطالة واسعة. كما سُجلت حالات تسريح فعلية، منها إنهاء خدمات نحو 80 عاملاً في شركة أجنبية دون إنذار مسبق، وسط مطالبات لوزارة العمل بالتدخل.

وفي قطاع السياحة، شهدت محافظات عدة، بينها واسط، تسريحاً جماعياً لموظفي شركات السياحة، بسبب توقف الرحلات وتراجع النشاط المرتبط بحركة الحدود.

فيما عملت شركات أخرى على خفض أجور العاملين بنسب متفاوتة وصلت الى 50 في المائة.

بالمقابل، تؤكد وزارة العمل أن القانون العراقي لا يسمح بالتسريح التعسفي، إلا أن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق، خاصة في ظل ضعف الرقابة واتساع القطاع غير المنظم.

وسجل الربع الأول من عام 2026 أعلى معدلات تسريح منذ سنوات. فيما بررت شركات كبرى مثل أوراكل وجوجل وأمازون تقليص عمالتها بالاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإعادة الهيكلة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي.

ويثير هذا التحول مخاوف إضافية في الدول النامية، ومنها العراق، التي قد تتأثر بشكل غير مباشر بتراجع فرص العمل التقليدية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالخدمات والتكنولوجيا.

والى جانب ذلك، تتزايد المخاوف من "صدمة مالية" محتملة في موازنة 2026، قد تؤدي إلى تأخر صرف الرواتب، في ظل تذبذب أسعار النفط والضغوط الاقتصادية المتصاعدة.

تفاقم أزمة الثقة بين المواطن والدولة

من جهته، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، مصطفى الفرج، أن الأزمات الأخيرة المتمثلة بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وأزمة الغاز، وتسريح بعض العاملين في القطاع الخاص، تعكس وجود خلل واضح في إدارة الاقتصاد، سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص.

وقال الفرج أن تأثر العراق بالتطورات الإقليمية، رغم عدم كونه طرفاً مباشراً في الصراع، يكشف هشاشة البنية الاقتصادية، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال ريعياً ويعتمد بشكل كبير على العوامل الخارجية ودول الجوار، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للصدمات مقارنة بدول أخرى في المنطقة.

وأضاف أن بعض الأزمات تُفاقم بفعل سلوكيات المضاربة والترويج، حيث يستغل بعض التجار حالة القلق لدى المواطنين لدفعهم نحو شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وخلق أزمات مصطنعة في الأسواق.

ولفت إلى أن أزمة الغاز، رغم كونها ناجمة عن خلل فني محدود، إلا أنها تسببت بإرباك الشارع نتيجة ضعف إدارة الأزمة وعدم القدرة على احتواء الشائعات أو طمأنة الرأي العام.

وأشار كذلك إلى وجود أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والدولة، مبيناً أن هذه الفجوة تدفع المواطنين إلى تخزين المواد الغذائية وأسطوانات الغاز تحسباً لأي طارئ، في ظل عدم قناعتهم بقدرة الحكومة على تأمين احتياجاتهم خلال الأزمات.

وأكد أن التصريحات الرسمية، مثل إعلان توفر خزين غذائي يكفي لعدة أشهر، لم تنجح في تهدئة المخاوف الشعبية بسبب هذه الأزمة المتراكمة في الثقة.

ودعا الفرج الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية وسريعة، من بينها تعزيز مفردات السلة الغذائية، خصوصاً للفئات المشمولة بالرعاية الاجتماعية، والعمل على ضبط أسعار الغاز وتقليل الأعباء عن المواطنين، إلى جانب تحسين إدارة الأزمات الفنية لمنع تحولها إلى أزمات عامة تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي ما يتعلق بتسريح العاملين في القطاع الخاص، شدد الفرح على أن القوانين النافذة، ومنها قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي، تكفل حماية العمال، مؤكداً ضرورة تفعيل هذه التشريعات ومحاسبة الجهات التي تقدم على تسريح الموظفين خارج الأطر القانونية، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأزمات الحالية، في جزء منها، تعود إلى ضعف الإدارة الاقتصادية، محذراً من تحميل تبعاتها للفئات البسيطة، سواء في القطاعين العام أو الخاص، ومشدداً على أهمية أن تضطلع الحكومة بمسؤولياتها في حماية المواطنين وتوفير متطلبات العيش الكريم لهم .