اخر الاخبار

في وقت يتسارع فيه تدفق المعلومات وتشابك الآراء الرقمية، لم يعد الرأي العام نتاجا لوسائل الإعلام التقليدية وحدها، بل بات يصاغ داخل الفضاء الرقمي، حيث تتحول منشورات فردية إلى قضايا عامة، وتتداخل التفاعلات مع الخوارزميات لصناعة اتجاهات واسعة التأثير.

وبين كشف الحقائق وصناعة "الترند"، تبرز مواقع التواصل الاجتماعي كفاعل رئيس يعيد تشكيل وعي المجتمع، ويؤثر بشكل متزايد في مسار النقاشات العامة وصنع القرار.

بين الضغط المجتمعي وخطاب الكراهية

يقول مصطفى عبد الواحد، المدير التنفيذي لمنظمة تدارك لحقوق الانسان، إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيه أو منصات للتعبير الفردي، بل تحولت إلى فضاءات واسعة تجمع المستخدمين وتمنحهم القدرة على التعبير عن آرائهم السياسية والاجتماعية والرياضية وغيرها، بأسلوب سهل وسلس يختلف عما كان متاح للأجيال السابقة.

ويوضح عبد الواحد لـ"طريق الشعب"، أن هذه المنصات تجاوزت كونها مساحات للنشر، لتصبح تجمعات إلكترونية تمارس دوراً مجتمعياً واضحاً، عبر خلق ضغط اجتماعي متزايد تجاه قضايا متعددة، ما يجعلها مؤثرة بشكل مباشر في الواقع وعلى الأرض.

 ويضيف أن المرونة العالية التي تتمتع بها هذه المنصات تجعلها سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن استخدامها بشكل إيجابي أو سلبي، تبعاً للقيود القانونية والأنظمة والتعليمات المنظمة لعملها داخل كل مجتمع.

وعلى مستوى العراق، يشير عبد الواحد إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يتوزع بين الجانبين الإيجابي والسلبي، لافتاً إلى أنها أصبحت وسيلة فعالة للضغط في العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، وأسهمت في لفت انتباه المؤسسات الحكومية وغير الحكومية إلى مشكلات فردية وجماعية، بل وأثرت في بعض الأحيان على عمليات صنع القرار.

في المقابل، يحذر المتحدث من استغلال هذه المنصات من قبل جماعات أو أفراد لنشر خطاب الكراهية أو الترويج لأفكار هدامة تستهدف فئات معينة، فضلاً عن تصاعد حملات التنمر وتشويه السمعة، وهي ظواهر باتت تؤثر بشكل ملموس على الأفراد والمجتمع، في ظل ضعف القيود الإلكترونية وعدم قدرة الجهات المعنية على السيطرة الكاملة على هذا الفضاء.

ويبين أن مجتمعات الدول النامية، ومنها العراق، تعد من الأكثر تفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت إلى المصدر الرئيسي لمتابعة الأخبار، بعد تراجع الاعتماد على الوسائل التقليدية مثل التلفزيون والصحف.

ويرى أن هذا التفاعل المكثف يعزز من حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه هذه المنصات على الرأي العام.

ويختتم بالقول إن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل اليوم فضاء مهماً لا يمكن تجاهله، خاصة مع اتساع قاعدة مستخدميها لتشمل مختلف الفئات العمرية، بما فيها الأجيال الأكبر سناً التي كانت تنتقدها في السابق، قبل أن تصبح جزءاً من هذا العالم الرقمي.

ويرى أنها أداة مؤثرة في المجتمع، يمكن توظيفها إيجابياً لخدمة القضايا العامة، أو سلبياً في حال غياب الوعي والتنظيم.

أداة لكشف القضايا المسكوت عنها

ووفقاً لحجم التفاعل والاهتمام الذي تحظى به مواقع التواصل الاجتماعي باتت هذه المنصات تلعب دوراً متنامياً في توجيه النقاشات العامة والتأثير على مواقف الجمهور تجاه مختلف القضايا، السياسية والاجتماعية والإنسانية.

 تقول الصحفية والناشطة جنان السراي: أن السوشيال ميديا أصبحت أداة فعالة في كشف قضايا قد يتم التستر عليها، خاصة تلك المتعلقة بالعنف ضد النساء. فمع انتشار الهواتف الذكية وسهولة النشر، لم يعد الأفراد بحاجة إلى وسطاء لنقل معاناتهم، إذ بات بإمكانهم إيصال أصواتهم مباشرة إلى الجمهور، ما يساهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتحفيز النقاش حول هذه القضايا.

وتضيف السراي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن هذا التحول لم يقتصر على عرض القضايا، بل امتد ليؤثر في مسارها، حيث يمكن أن يؤدي تصاعد التفاعل وتحول القضية إلى "ترند"، إلى خلق ضغط جماهيري يدفع الجهات المعنية إلى التحرك بشكل أسرع. فكلما زاد اهتمام الناس بقضية معينة، ارتفعت احتمالات اتخاذ إجراءات رسمية بشأنها، سواء عبر فتح تحقيقات أو إصدار بيانات توضيحية.

غير أن هذا التأثير، رغم أهميته، يظل مرتبطاً بطبيعة التفاعل الرقمي، الذي يتسم غالباً بالسرعة والتقلب. إذ قد تحظى قضية ما باهتمام واسع في فترة قصيرة، ثم يتراجع الاهتمام بها مع ظهور قضايا جديدة، ما يؤدي إلى غياب المتابعة الحقيقية لنتائجها.

وتؤكد السراي أن هذا التراجع في الاهتمام قد يضعف من تأثير الضغط الجماهيري، ويحول بعض القضايا إلى مجرد موجات مؤقتة سرعان ما تتلاشى.

ورغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا أصبحت وسيلة ضغط على المؤسسات الحكومية، حيث يفرض الانتشار الواسع والتفاعل الكبير نوعاً من الاستجابة، حتى وإن كانت في بعض الأحيان محدودة. إلا أن فاعلية هذا الدور تبقى مرهونة بمدى استمرارية التفاعل والمتابعة، وعدم الاكتفاء بتحويل القضايا إلى "ترند" عابر.

وأشارت إلى أن الفرق بين التغطية الصحفية التقليدية وتفاعل السوشيال ميديا يكمن في أن الصحافة تعتمد على التحقق والتوثيق، بينما تنتشر القضايا عبر المنصات بسرعة كبيرة قد تسبق أحيان اكتمال المعلومات، ما يفرض مسؤولية إضافية على الصحفيين في التعامل مع هذه المحتويات.

واستنادا إلى ماسبق، فإن مواقع التواصل الاجتماعي اسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الجمهور وصناع القرار، إذ لم يعد الرأي العام يُبنى فقط عبر الوسائل التقليدية، بل بات يتشكل بشكل متسارع عبر الفضاء الرقمي، حيث يمكن لصوت فرد واحد أن يتحول إلى قضية رأي عام خلال ساعات، في مشهد يعكس تحوّلاً عميقاً في آليات التأثير وصناعة القرار.

الخوارزميات والتسويق الرقمي

تقول لينا مدحت، كاتبة محتوى ومتخصصة في التسويق الرقمي، إن تحويل أي فكرة إلى "ترند" على مواقع التواصل يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية، التوقيت المناسب، والصياغة الجذابة، وآلية توزيع المحتوى عبر منصات متعددة، مشيرة إلى أن "انتشار أي موضوع يبدأ عادة بشكل تدريجي قبل أن يتحول إلى موجة واسعة من التفاعل".

وتضيف مدحت لـ"طريق الشعب"، أن خوارزميات منصات التواصل تلعب دورا كبيرا في تشكيل ما يراه المستخدمون، من خلال عرض المحتوى المتوافق مع اهتماماتهم، وهو ما يؤدي إلى "توجيه غير مباشر للرأي العام"، على حد تعبيرها، مؤكدة أن الترويج المدفوع يساهم في تسريع الانتشار لكنه لا يضمن اقتناع الجمهور بالمحتوى.

وفيما يتعلق بالتفاعل الرقمي، أوضحت أن عدد الإعجابات والمشاركات "لا يعكس بالضرورة الرأي الحقيقي للجمهور"، إذ قد يكون ناتجا عن الفضول أو ضغط الترند أو حملات منظمة، ما يستوجب قراءة أعمق لسياق المحتوى بدل الاعتماد على الأرقام فقط.

وتابعت مدحت حديثها بالقول إن صناعة الرأي العام في الفضاء الرقمي هي عملية مشتركة بين الجمهور وصناع المحتوى والجهات التسويقية، إلا أن القدرة الأكبر على التوجيه تبقى لدى من يمتلك أدوات واستراتيجيات التسويق الرقمي.