اخر الاخبار

بينما يمرُّ العراق بواحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ سنوات، تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، تحلُّ الذكرى الثانية والتسعون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، كمناسبة لإعادة قراءة المشهد العام، واستحضار الأسئلة المؤجلة حول مستقبل الدولة وإمكانات التغيير؛ ففي ظل انسداد سياسي مستمر، وتحديات اقتصادية متفاقمة، وتزايد تأثير الصراعات في المنطقة، لم تعد القضايا المطروحة تقتصر على إدارة الأزمات، انما باتت تتعلق بطبيعة النظام القائم وقدرته على الاستمرار.

ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة الحوارية بمناسبة الذكرى 92 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، التي نظمتها اللجنة المركزية للحزب في بغداد، بحضور شخصيات سياسية وقوى مدنية ووطنية وجمهرة حاشدة من رفاق الحزب واصدقائه، وقدّم سكرتير اللجنة المركزية، رائد فهمي، خلالها، عرضاً تفصيلياً تناول فيه مختلف القضايا، من طبيعة النظام الدولي المتغير، إلى تداعيات الحروب في المنطقة، وصولاً إلى تشخيص عميق للأزمة العراقية، وطرح تساؤلات حاسمة بشأن سبل الخروج منها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق البلاد نحو مزيد من عدم الاستقرار.

إحياء الذكرى.. فعلٌ سياسيّ بامتياز

واستهلّ الرفيق فهمي حديثه بالتأكيد على أن إحياء الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب، لا يقتصر على كونه مناسبة رمزية، بل يحمل أبعاداً متعددة، داخلية وخارجية، تعكس طبيعة دور الحزب في الحياة السياسية.

وقال إن هذه الذكرى "لا يُحتفى بها من قبل الشيوعيين فحسب، بل تمتدّ لتشمل أطرافًا أوسع من الأصدقاء والمناصرين”، مشيراً إلى أن الاحتفال بها استمر في مختلف الظروف: “في فترات العمل العلني… كما أُحييت في المعتقلات والسجون، وفي الريف والمدينة”.

وأضاف سكرتير الحزب، أن أسباب هذا الإحياء تتوزع على مستويين، داخلي وخارجي؛ حيث يرتبط الأول "بعلاقته بجمهوره وقواعده التنظيمية، وبما يعزّز روح الانتماء والتماسك، ويجدّد الالتزام بالمبادئ". فيما يتمثل الثاني في كونه "رسالةً موجّهة إلى المجتمع، يوضح فيها الحزب مواقفه ورؤيته إزاء القضايا والتطورات الراهنة".

وشدد على أن الاحتفال “ليس رمزياً أو طقوسا احتفالية، بل هو فعلٌ سياسيّ بامتياز”، يحمل بعداً تعبويًا يسهم في “شد العزائم” وتعزيز “الإرادة المشتركة والموحدة لاستمرار النضال”.

وعن موقف الحزب من الحروب، أكد فهمي أن "الشيوعيين عموماً هم دعاة سلام"، يعملون على ترسيخ شروطه، غير أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن “عندما يواجه الشعب احتلالاً أو استعماراً أو عدواناً خارجياً قهرياً… فإن النضال بكافة أشكاله، بما في ذلك الكفاح المسلح، يُعتبر مشروعاً".

وفي حديثه عن التطورات الإقليمية، أشار إلى الحرب على إيران، معتبراً أن "هناك اعتداء من أمريكا وإسرائيل على إيران وعلى الشعب الإيراني"، مشدداً على رفض هذه الحرب، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن ذلك "لا يعني أننا نعلن موافقتنا وقبولنا بأي سياسات" إيرانية فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول الأخرى وشؤونها الداخلية.

"الشرق الأوسط الجديد"

وأشار إلى أن هذه الحرب ترتبط بمشاريع أوسع، قائلاً إن "لها مآرب أخرى، تستند إلى مشروع مسبق… ويهدفون إلى تحقيقه بشتى الوسائل"، لافتاً إلى أن الحديث عن "الشرق الأوسط الجديد" يعكس توجهات استراتيجية تسعى إلى فرض نمط من "الشراكات" التي تعني عملياً "الخضوع".

كما حذر من أن ما يجري يمثل تجاوزاً واضحاً للقانون الدولي، موضحاً أن هذه العمليات "لا تحظى بقاعدة شرعية سياسية دولية"، وأنها تعكس توجهاً نحو "تكريس حالة جديدة في العالم… يسود فيها منطق القوة".

بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب

وفي تحليله للتحولات الدولية، أشار فهمي إلى إمكانية بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، مع صعود قوى مثل الصين والهند وروسيا، مقابل تراجع نسبي في الهيمنة الأميركية، موضحاً أن "الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة في تراجع"، وأن السياسات الحالية تمثل "ردّ فعل في محاولة لإعادة إنعاش الهيمنة".

ولفت إلى أن الصراعات الحالية لا تقتصر على السيطرة على الطاقة، بل تمتد إلى "طرق الإمدادات وسلاسل التجهيز"، مؤكداً أن الهدف هو "التحكم بها ومنع الآخرين من الاستفادة منها".

وفي مقابل هذه التحولات، حذر من تهميش دور المؤسسات الدولية، قائلاً إن الأمم المتحدة، التي أُنشئت لمنع الحروب، تشهد اليوم محاولات إضعاف، ما يؤدي إلى "تحول العلاقات الدولية إلى علاقات قوة فقط".

وركّز فهمي على أن العالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، مع تراجع نسبي في الهيمنة الأميركية وصعود قوى اقتصادية كبرى، معتبراً أن السياسات الأميركية الحالية تمثل محاولة لإعادة فرض السيطرة عبر أدوات عسكرية واقتصادية.

ونبّه إلى أن الحروب في المنطقة، ومنها الحرب على إيران، لا يمكن فصلها عن مشاريع استراتيجية أوسع تستهدف السيطرة على مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، إضافة إلى إضعاف المنافسين الدوليين.

ولفت إلى أن ما يجري من تجاوزات يعكس تراجع دور المؤسسات الدولية، وبروز نمط جديد من العلاقات الدولية يقوم على فرض الإرادة بالقوة، بعيداً عن الأطر القانونية.

ضعف بنيوي في العراق

أمّا على الصعيد العراقي، فقدّم فهمي تشخيصاً حاداً للأزمة، مشيراً إلى أن "الدولة هي الأكثر قدرة على المقاومة"، إلا أن إضعافها يؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكداً أن "الاعتماد على مشاريع تُبنى خارج إطار الدولة لن يحقق الهدف المطلوب".

وأوضح أن العراق يعاني من "ضعف بنيوي"، حيث "لا توجد قوة اقتصادية اليوم"، مع اعتماد شبه كامل على النفط، وغياب قاعدة إنتاجية، مضيفاً أن "البلد مكشوف اقتصاديًا وسياسيًا".

كما أشار إلى أن النظام السياسي القائم على المحاصصة وصل إلى مرحلة من "الشلل"، وأن "الاتفاقات أصبحت معرضة للانقطاع وهشّة"، ما يجعل من الصعب إدارة الأزمات أو تحقيق استقرار مستدام.

وفي ما يتعلق بالمجتمع، لفت إلى أن هناك "عدم رضا شعبي واسع جدًا"، لكنه لم يتحول إلى قوة فاعلة بسبب التشتت والانقسامات، موضحاً أن التحدي يكمن في "كيف يمكن تحويل هذه القوة إلى قوة احتجاج وضغط".

وأشار إلى أن "ظواهر عدم الرضا والاحتجاج موجودة في جميع أطراف المجتمع"، لكن "هناك حواجز وجدران يجب كسرها"، داعياً إلى التركيز على المشتركات الوطنية.

فشل نظام المحاصصة

وناقش الرفيق فهمي مفهوم المقاومة، مؤكداً أنها لا ينبغي أن تُختزل في العمل المسلح فقط، بل ترتبط بوجود دولة قوية قادرة على تمثيل مصالح شعبها، محذراً من مشاريع تُبنى خارج إطار الدولة.

وبيّن أن العراق يعاني من انكشاف اقتصادي وسياسي واضح، نتيجة الاعتماد على النفط وغياب قاعدة إنتاجية، ما يجعله غير قادر على مواجهة الأزمات أو الصدمات.

وأكد أن النظام السياسي القائم وصل إلى حالة من الشلل، مع تآكل التفاهمات بين القوى السياسية، وعجزها عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المتراكمة.

وحذّر من تغليب الانتماءات الطائفية والقومية على حساب الهوية الوطنية، وما يسببه ذلك من تفكك في النسيج الاجتماعي وإضعاف للدولة.

الاحتجاج الشعبي بين الاتساع والتشتت

وأشار إلى وجود حالة واسعة من عدم الرضا الشعبي، لكنها لم تتحول إلى قوة فاعلة بسبب التشتت والانقسامات، مؤكداً أن التحدي يكمن في توحيد هذه القوى.

فيما حذر من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يدفع العراق نحو مواجهة تحديات خطيرة، بما في ذلك احتمالات الانجرار إلى صراعات إقليمية، في ظل غياب الاستعداد.

وشدد على أن التعويل على القوى الخارجية لن يؤدي إلى التغيير، بل قد يعمّق الأزمات، داعياً إلى الاعتماد على الإرادة الداخلية.

وانتقد بشدة غياب الإرادة الوطنية، متسائلاً: "هذا الواقع؟ هل هذا هو العراق كله؟"، مؤكداً أن "البلد لا يملك إرادة، لا صوت له"، في ظل منظومة وصفها بأنها "عاجزة استحوذت على أموال البلد".

وفي ختام حديثه، أكد فهمي أن "التغيير ضرورة، وليس خياراً"، مؤكداً أنه "يجب أن ينطلق من الداخل، وأن المراهنة على الخارج لا تجدي"، داعياً إلى بناء قوة وطنية موحدة قادرة على إحداث التحول المطلوب.

وبعد الانتهاء من الإجابة على التساؤلات والمحاور التي عرضها الرفيق فاروق فياض، مدير الجلسة، قدم عدد من الحضور مداخلاتهم واسئلتهم التي أجاب عنها الرفيق رائد فهمي باستفاضة.