في وقت تتصاعد فيه التحذيرات العالمية من مخاطر التلوث البيئي، تواجه العاصمة بغداد واحدة من أخطر أزماتها الصامتة، حيث تتداخل العوامل المناخية مع الاختلالات الهيكلية لتنتج واقعاً بيئياً مقلقاً ينعكس بشكل مباشر على صحة السكان. وبين تصنيفات دولية تضع العراق في مراتب متأخرة، وشهادات محلية تؤكد أن الواقع أكثر سوءاً مما يظهر، تتكشف أزمة تلوث الهواء بوصفها تحدياً مركباً يتطلب تحركاً عاجلاً يتجاوز حدود التشخيص نحو حلول عملية ومستدامة، قبل أن تتحول إلى كارثة صحية يصعب احتواؤها.
العراق في المرتبة 12 عربيا
حلّ العراق في المرتبة الثانية عشرة عربياً ضمن تصنيف جودة الهواء لعام 2025، الصادر عن شركة IQAir، في وقت تصدرت فيه المغرب قائمة الدول العربية من حيث نقاء الهواء، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في مستويات التلوث بين دول المنطقة.
وتعقيبا على ذلك، يقول سيف مسلم الكرعاوي، متخصص في الإعلام البيئي، أن أزمة تلوث الهواء في بغداد تتجاوز العوامل المناخية، لتكون نتيجة مباشرة لتراكمات بشرية وهيكلية، موضحاً أن "مشكلة بغداد ليست مناخاً فقط، ففي عام 2024 بلغ متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5 نحو 40.5 ميكروغرام/م³، أي ما يعادل أكثر من ثمانية أضعاف الدليل السنوي لمنظمة الصحة العالمية".
ويشير الكرعاوي في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن هذا المعدل يفوق ما سجلته مدن عربية أخرى، مثل القاهرة (39.9) وأبو ظبي (32.0) والمنامة (31.8) والدوحة (31.3)، لافتاً إلى أن "الفارق هنا تصنعه عوامل بشرية واضحة، أبرزها انبعاثات النقل، والأنشطة الصناعية، وتوليد الكهرباء، إلى جانب فجوة الطاقة التي تدفع المواطنين للاعتماد على المولدات الأهلية، فضلاً عن بيئة جافة تشهد تراجعاً في الغطاء النباتي وتزايداً سكانياً ملحوظاً".
ويستند الكرعاوي إلى معطيات دولية ومحلية لتوصيف حجم الأزمة، مبيناً أن منظمة اليونسيف وثقت تسع عواصف ترابية بين نيسان وأيار 2022 تسببت بآلاف حالات الدخول إلى المستشفيات، فيما تشير تقديرات البنك الدولي، نقلاً عن منظمة منظمة الصحة العالمية، إلى أن تلوث الهواء الخارجي يتسبب بنحو 10,300 وفاة مبكرة سنوياً في العراق.
وعلى مستوى العاصمة، يجد أن "الإحصاءات الصحية الرسمية سجّلت 372 وفاة مبكرة مرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي للفئة العمرية بين 30 وأقل من 70 عاماً خلال 2024"، مشيراً إلى أن "دراسة حديثة صادرة عن جامعة بغداد أثبتت وجود ارتباط مكاني وإحصائي بين ارتفاع مستويات PM2.5 وPM10 وبين انتشار أمراض الرئة في المدينة".
ويؤكد الكرعاوي أن معالجة الأزمة لا تتطلب حلولاً معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة تطبيقية واضحة، محدداً أربع خطوات أساسية "تقليل الاعتماد على المولدات عبر تحسين تجهيز الكهرباء واستخدام وقود أنظف، وتشديد فحص عوادم المركبات ضمن ما يعرف بـ(حجر البيئة)، ومنع الحرق المكشوف للنفايات، إلى جانب إنشاء نظام رصد يومي علني مع إنذار مبكر خلال أيام الغبار والتلوث".
ويشير إلى أن تجارب إقليمية يمكن أن تقدم نماذج قابلة للاستفادة، لافتاً إلى أن "تجربة القاهرة مهمة لربطها ملف جودة الهواء بقطاعات النقل والنفايات والصحة، حيث شملت شراء نحو 100 حافلة كهربائية، وأسهمت الإصلاحات في خفض تركيزات الجسيمات الدقيقة بنحو 4 في المائة مع تراجع أعداد السيارات".
ويعتقد أن "تجربة الإمارات تمثل نموذجاً اخر، من خلال اعتماد الديزل منخفض الكبريت وتوسيع شبكات الرصد الوطني"، مؤكداً أن "تكييف هذه التجارب مع خصوصية بغداد يمكن أن يشكل نقطة انطلاق حقيقية لمعالجة أحد أخطر التحديات البيئية والصحية في البلاد".
10 آلاف نشاط صناعي
ووصف مرصد العراق الأخضر، في بيان صدر خلال كانون الثاني الماضي، جودة الهواء في العاصمة بغداد بأنها "سيئة للغاية"، مرجعاً ذلك إلى تزايد النشاط الصناعي، وارتفاع أعداد المركبات، إلى جانب التراجع المستمر في المساحات الخضراء.
وأوضح المرصد أن "تردي جودة الهواء يرتبط باستمرار أنشطة التلوث في بغداد، والتي يصل عددها إلى نحو 10 آلاف نشاط صناعي، من أبرزها معامل الطابوق والأسفلت والأدوية"، مشيراً إلى أن "غالبية هذه المصانع تعتمد على أنواع وقود رديئة، مثل النفط الخام، ما يؤدي إلى انبعاث مواد سامة في الهواء".
وأضاف أن "استخدام تقنيات قديمة، إلى جانب ضعف الرقابة من الجهات المعنية، يسمح باستمرار هذه الأنشطة دون ضوابط بيئية صارمة، الأمر الذي يفاقم من حجم التلوث".
ولفت المرصد إلى أن "عدد المركبات في العاصمة يتجاوز مليونين ونصف المليون سيارة، فضلاً عن محدودية الغطاء النباتي، وتحول بغداد تدريجياً إلى مدينة إسمنتية تتزايد فيها المباني والمراكز التجارية على حساب المساحات الخضراء"، محذراً من أن استمرار هذا الواقع ينذر بمزيد من التدهور البيئي والصحي في المدينة.
التلوث.. أمر واقع؟!
فيما تقول الناشطة البيئية نجوان محمد، أن واقع جودة الهواء في العاصمة بغداد "أكثر تدهوراً مما تعكسه بعض التصنيفات الدولية"، مشيرة إلى أن الملاحظات الميدانية تكشف عن تعرض السكان لمستويات مرتفعة من التلوث بشكل يومي، لا سيما في أوقات الذروة وخلال موجات الغبار.
وتوضح نجوان لـ"طريق الشعب"، أن "أبرز مصادر التلوث تتمثل في المولدات الأهلية التي تعمل بشكل مستمر، إلى جانب عوادم المركبات القديمة، فضلا عن الحرق العشوائي للنفايات"، مؤكدة أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في خلق بيئة غير صحية داخل المدينة، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وفيما يتعلق بالوعي المجتمعي، تشير علي إلى أنه "لا يزال محدودا، إذ يتعامل كثير من المواطنين مع التلوث كأمر واقع، رغم انعكاساته المباشرة على الصحة العامة"، داعية إلى تكثيف حملات التوعية التي تربط بين التلوث والأمراض التنفسية والمزمنة.
وتلفت إلى أن العمل البيئي يواجه "تحديات متعددة، أبرزها ضعف الدعم المؤسسي، وأحياناً غياب التعاون"، وعن جهود الناشطين، تبين أن "المبادرات الحالية تتركز على التوعية المجتمعية وتشجيع تقليل الحرق العشوائي وزيادة المساحات الخضراء"، مؤكدة أن تأثيرها "ما يزال محدوداً لكنه مهم في تغيير السلوك الفرد"..
وتختم بالقول إن "الخطوات العاجلة يجب أن تشمل تنظيم عمل المولدات وتقليل انبعاثاتها، وتطوير قطاع النقل العام، ومنع الحرق العشوائي للنفايات، إلى جانب التوسع في إنشاء المساحات الخضراء داخل بغداد"، محذرةً من أن "استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تفاقم المخاطر الصحية والبيئية في المدينة".