خارج عن السيطرة
حول التأثيرات المحتملة لتداعيات الحرب الأمريكية-الصهيونية ضد إيران، كتبت إيزابيل ويرنفيلز مقالًا لصحيفة (International Politics and Society) الألمانية، ذكرت فيه بأن العراق ينزلق مجددًا نحو عدم الاستقرار، رغم محاولاته الحثيثة للتخلص من تبعات هذه الحرب، وتبنّي حكومته سياسة الموازنة بين المصالح الإيرانية والأمريكية.
تدهور سريع
وأشارت الكاتبة إلى أن العراق، الذي بدا قبل بضعة أشهر فقط أكثر استقرارًا وأمنًا واستقلالًا مما كان عليه منذ زمن طويل، بات يعيش تحت هاجس امتداد النار إلى أراضيه، وشبح ضياع دور الوسيط الذي كان يلعبه في الصراع بين صديقيه، وتبدد ما تحقق من نجاحات، مثل تزايد الرضا الشعبي عن شعار الحكومة "العراق أولًا"، والمشاركة الواسعة نسبيًا في الانتخابات التشريعية، والتوصل إلى تفاهمات بين بغداد وأربيل حول توزيع عائدات النفط والعقود مع الشركات الأجنبية، وهي أوضاع كانت، حسب وصف الكاتبة، واعدة، بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي الذي أطاح بصدام حسين عام 2003، وبعد ما يقرب من عقد على الانتصار العسكري على داعش.
وأرجع المقال المخاوف العراقية إلى قدرة الحرب على تفعيل التوترات الداخلية الناجمة عن العديد من المشكلات البنيوية والتي سبق أن أدت إلى صراعات داخلية في نظام المحاصصة الإثنية والطائفية المأزوم. ورغم إجماع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة إلى المرجعية الدينية العليا في البلاد، على عدم الانجرار إلى الحرب، وعدم التسامح مع انتهاكات السيادة العراقية أو الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية على الدول المجاورة، فإن الحكومة لا تملك فعليًا أي تأثير على الصراع المسلح المتصاعد داخل حدودها.
تطورات خارج الإرادة
ولخّصت الكاتبة التطورات التي حدثت في أوضاع البلاد، والتي رأت بأن الحكومة عاجزة عن التعامل معها، في ثلاثة محاور. أولها انضمام فصائل مسلحة حليفة لإيران إلى الحرب، من خلال استهداف منشآت عسكرية ومدنية أمريكية ودولية، مثل القواعد العسكرية والمطارات والسفارات والفنادق والبنية التحتية النفطية والموانئ، باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ. وفي المقابل، تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة مقاتلي هذه الفصائل وضرب مواقعهم اللوجستية، التي يعود بعضها إلى قوات الحشد الشعبي الخاضعة رسميًا لسلطة رئيس الوزراء والممولة من الحكومة، والتي تضم فصائل لا تزال خارج ساحة المواجهة، رغم خطابها الحاد المناهض لأمريكا والكيان الإسرائيلي.
أما التطور الثاني، فيتمثل في تحوّل إقليم كردستان إلى ساحة صراع بالوكالة، حيث يشن حلفاء طهران هجمات على أهداف عسكرية ومدنية غربية، وبنية تحتية نفطية، وجماعات معارضة كردية إيرانية، على الرغم من نفي أربيل أي علاقة لها بالصراع، وتهديدها بنشر مقاتلي البيشمركة إذا استمرت هذه الهجمات.
ورأت الكاتبة أن التطور الثالث يتمثل في عجز الحكومة عن السيطرة على الانهيار شبه التام لصادرات النفط والغاز، بسبب إغلاق طرق النقل في مضيق هرمز، والتوقف المؤقت لشحنات النفط إلى تركيا، جراء تضرر البنية التحتية بالحرب، والخلافات بين بغداد وأربيل حول العائدات. وأشار المقال إلى أن نجاح الولايات المتحدة في إقناع أربيل بالتنازل والسماح بضخ النفط، لا يعوّض سوى جزءاً ضئيلاً من خسائر صادرات الجنوب، مما يعني أن أزمة مالية تلوح في الأفق على المدى المتوسط، إذ يعتمد العراق على النفط في نحو 90 في المائة من إيراداته. كما أن إنتاج الكهرباء قد ينهار بدوره، إذ يعتمد توليدها بشكل كبير على واردات الغاز الإيراني المتوقفة حاليًا.
قلق مشروع
وذكر المقال أنه، في ظل هذه الظروف، تواجه الحكومة المركزية معضلة هائلة: فإذا لم تتخذ إجراءً ضد مهاجمي المصالح الأمريكية، فإن واشنطن ستصعّد ضغطها وهجماتها، أما إذا اتخذت إجراءً حاسمًا، فإنها تخاطر باستفزاز قوى وقطاعات واسعة، وتصعيد عنف داخلي وربما استقطاب طائفي وقومي حاد، في وقت لا تزال فيه القوى السياسية عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة، رغم مرور أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية.
وخلصت الكاتبة إلى القول إن هناك حقيقة واحدة مؤكدة، هي أن الحكومة العراقية تبدو مجرد بيدق في لعبة أكبر؛ فعلى الرغم من تطلعاتها إلى (العراق أولًا)، فإنها عاجزة عمليًا عن مواجهة الديناميكيات المزعزعة للاستقرار داخل البلاد والتي أُطلق العنان لها، ولا يمكن احتواؤها بسهولة، حتى لو توقفت الحرب.