رغم ما يمتلكه العراق من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، ومن تنوع طبيعي وثقافي واسع، لا تزال السياحة الداخلية فيه أقل حضوراً مما تستحقه هذه المقومات؛ فمن المدن التاريخية والأسواق التراثية إلى المواقع الأثرية العريقة والطبيعة المتنوعة بين الأهوار والجبال والبحيرات، تنتشر في البلاد وجهات قادرة على جذب آلاف الزوار، لكنها ما تزال تنتظر مزيداً من الاهتمام والتطوير.
وبين رغبة الشباب في اكتشاف بلادهم، ودعوات المختصين إلى الاستثمار في هذا القطاع، تبرز السياحة الداخلية كفرصة واعدة لدعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الوعي بالتراث الثقافي والحضاري، في وقت يواجه فيه هذا القطاع تحديات تتعلق بالبنية التحتية والترويج والاستثمار.
مواقع أثرية وحضارية مهمة
يقول ياسين وليد، كاتب ومهتم بالشأن السياحي: إن العراق يمتلك تنوعاً سياحياً كبيراً يجمع بين المواقع التراثية والثقافية والأثرية والدينية والطبيعية، ما يجعله بلداً غنياً بالوجهات القادرة على جذب السياح داخلياً وخارجياً. ويوضح أن من أبرز المواقع التراثية والثقافية في بغداد، هي شارع المتنبي والمتحف العراقي وسوق السراي، وهذه أماكن تعكس الحياة الثقافية والتاريخية للمدينة.
ويضيف وليد لـ"طريق الشعب"، أن العراق يضم أيضاً مواقع أثرية وحضارية مهمة مثل مدينة بابل الأثرية ومدينة أور الأثرية، فضلاً عن معالم تاريخية مثل قلعة أربيل والمدرسة المستنصرية والقصر العباسي وباب بغداد الوسطاني، إضافة إلى مرقد زمرد خاتون الذي يعد من المعالم التاريخية المعروفة في العاصمة.
ويعتقد المتحدث أن السياحة الدينية تشكل ركناً أساسياً من الحركة السياحية في البلاد، لاسيما في مدن النجف وكربلاء والموصل وسامراء، حيث تستقطب هذه المدن ملايين الزوار سنوياً. وفي المقابل، يلفت إلى وجود إمكانات كبيرة في السياحة الطبيعية والبيئية مثل أهوار العراق، إضافة إلى مناطق الجبال والشلالات والمنتجعات في إقليم كردستان، وكذلك بحيرة الحبانية التي تعد من أبرز الوجهات الطبيعية في البلاد. كما يذكر بعض المعالم الحديثة والترفيهية مثل برج بغداد وجزيرة الأعراس ومتنزه الزوراء.
ويؤكد وليد أن تنشيط السياحة الداخلية يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية واسعة، أبرزها دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب تنشيط القطاعات الخدمية المرتبطة بالسياحة مثل الفنادق والنقل والخدمات اللوجستية. كما تسهم السياحة في تعزيز الشعور بالانتماء الوطني وزيادة الوعي بالتراث الثقافي والحضاري للبلاد، فضلاً عن توفير فرص عمل للمترجمين والمرشدين السياحيين، وتعريف العالم بحضارات بلاد وادي الرافدين.
ومع ذلك، يوضح أن هذا القطاع يواجه عدداً من التحديات التي تعيق تطوره، من بينها التحديات الأمنية والسياسية المرتبطة بعدم الاستقرار وهشاشة الوضع الأمني، ما يؤثر في حركة السياح والمستثمرين. كما يعاني القطاع من ضعف البنية التحتية السياحية، بما في ذلك تهالك بعض الفنادق ونقص المرافق السياحية وضعف خدمات النقل وصيانتها.
ويضيف أن من بين التحديات الأخرى ارتفاع تكاليف الرحلات السياحية الداخلية مقارنة بدول الجوار، فضلاً عن محدودية استثمار القطاع الخاص في هذا المجال. كما يشير إلى غياب رؤية استراتيجية وطنية واضحة لتطوير السياحة وضعف الترويج للمواقع التاريخية والثقافية، إلى جانب تأثير العوامل المناخية، إذ تجعل درجات الحرارة المرتفعة في الصيف السياحة موسمية، وتحد من تنوع الوجهات السياحية.
ويختتم بالقول: إن التركيز الكبير على السياحة الدينية أدى إلى إهمال أنواع أخرى من السياحة، مثل السياحة الآثارية والطبيعية والترفيهية، مشيراً في الوقت نفسه إلى مشكلة ضعف الكوادر المهنية المتخصصة في إدارة الفنادق والخدمات السياحية، وهو ما يتطلب برامج تدريب وتأهيل قادرة على تطوير هذا القطاع وتحسين جودة خدماته.
تحسين البنية التحتية
من جهته، يقول المرشد السياحي من مدينة الموصل، حارث زكريا، إن العراق يضم عدداً كبيراً من المواقع الطبيعية والتاريخية التي يمكن أن تتحول إلى وجهات سياحية مهمة إذا ما حظيت بالاهتمام الكافي. ويشير إلى أن مناطق الشمال تحديداً تمتلك طبيعة متنوعة من جبال وغابات وشلالات، إلى جانب المدن التاريخية التي تحمل إرثاً حضارياً عريقاً، لكنها ما تزال غير مستثمرة بالشكل الذي يليق بقيمتها.
ويضيف زكريا أن السنوات الأخيرة شهدت تحسناً نسبياً في إقبال العراقيين على السياحة الداخلية، إذ بات كثير من الشباب والعائلات يبحثون عن أماكن جديدة للزيارة داخل البلاد، خصوصاً في العطل والمناسبات. ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في التعريف ببعض المواقع الجميلة التي لم تكن معروفة على نطاق واسع.
ويؤكد زكريا أن التحديات ما تزال حاضرة، إذ يواجه السياح في بعض المناطق نقصاً في الخدمات الأساسية مثل الطرق المهيأة، وأماكن الاستراحة، والمرافق السياحية المنظمة، فضلاً عن ضعف الترويج الرسمي لبعض المواقع التي يمكن أن تكون وجهات مهمة للسياحة الداخلية.
وبحسب زكريا، فإن تطوير السياحة الداخلية في العراق يحتاج إلى خطة واضحة تشمل تحسين البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار في الخدمات السياحية، إضافة إلى التعريف بالمواقع الطبيعية والتاريخية عبر حملات إعلامية منظمة. ويشير إلى أن كثيراً من المناطق الجميلة في البلاد ما تزال غير معروفة حتى لدى العراقيين أنفسهم.
ويرى أن تنشيط السياحة الداخلية لا يقتصر أثره على الترفيه فقط، بل يمكن أن يسهم أيضاً في دعم الاقتصاد المحلي، إذ تستفيد منه المجتمعات القريبة من المواقع السياحية من خلال توفير فرص عمل في مجالات الإرشاد السياحي والخدمات والنقل والضيافة.
عراقيون يكتشفون أماكن سياحية في بلدهم
من جانبه، يقول الشاب محمد التميمي إنه بدأ يقوم منذ أشهر عدة بجولات سياحية داخل البلاد رفقة أصدقائه، حيث زاروا عدداً من المدن من بينها النجف وكربلاء وبابل والموصل، إضافة إلى الأنبار ودهوك، بهدف استكشاف الأماكن السياحية والطبيعية في هذه المحافظات.
ويضيف أن هذه الرحلات كشفت لهم عن مواقع جميلة ومتنوعة لم يكونوا على علم بها من قبل، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الأماكن ما تزال غير معروفة على نطاق واسع ولم تحظَ بالاهتمام أو الترويج الكافي. ويوضح أنهم فضلوا السياحة الداخلية لعدة أسباب، من بينها رغبتهم في الاطلاع على تاريخ بلادهم والتعرف أكثر على تنوعها الثقافي والطبيعي، إضافة إلى دعم السياحة المحلية وتشجيع زيارة هذه المواقع.
ويشير التميمي إلى أن العامل المادي كان حاضراً أيضاً في اختيارهم، إذ أن ميزانيتهم تسمح لهم بالتجول داخل العراق أكثر من السفر إلى الخارج، ما دفعهم إلى استثمار ذلك في اكتشاف مدن ومناطق جديدة داخل البلاد. ويرى أن العراق يضم مقومات سياحية كبيرة، إلا أن غياب التعريف بها وضعف الخدمات في بعض المواقع يجعلها بعيدة عن خارطة السياحة الداخلية رغم ما تمتلكه من جمال طبيعي وتاريخي.
تنويع الاقتصاد الوطني
يرى الباحث الاقتصادي محمد الوردي أن السياحة الداخلية يمكن أن تمثل أحد المسارات المهمة لتنويع الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية. ويشير إلى أن تطوير هذا القطاع لا يقتصر على الجانب الترفيهي فحسب، بل يمتد ليكون نشاطاً اقتصادياً قادراً على تحريك قطاعات عديدة مثل النقل والخدمات الفندقية والمطاعم والأسواق المحلية.
ويضيف الوردي لـ"طريق الشعب"، أن العراق يمتلك مقومات سياحية كبيرة، سواء من حيث المواقع التاريخية أو الطبيعية أو الدينية، إلا أن الاستفادة الاقتصادية منها ما تزال محدودة بسبب ضعف الاستثمار والبنية التحتية السياحية. ويؤكد أن تطوير هذه المواقع يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية مهمة إذا ما تم إدراجها ضمن خطط تنموية واضحة، تتضمن تحسين الخدمات والطرق وتوفير مرافق سياحية مناسبة.
وبحسب الوردي، فإن تنشيط السياحة الداخلية يمكن أن يسهم أيضاً في دعم الاقتصاد المحلي للمناطق التي تضم مواقع سياحية، إذ تستفيد المجتمعات القريبة من حركة الزوار من خلال فرص العمل في مجالات الإرشاد السياحي والنقل والضيافة وبيع المنتجات المحلية.
ويختم الوردي بالقول إن السياحة الداخلية قادرة على توفير فرص عمل للشباب وتحريك الاقتصاد في المحافظات، إذا ما تم التعامل معها كقطاع اقتصادي حقيقي، وليس مجرد نشاط موسمي، وذلك من خلال وضع استراتيجية طويلة الأمد لتطوير المواقع السياحية وتحويلها إلى وجهات جاذبة للزوار داخل البلاد.