في ظل التقلبات التي يشهدها سوق النفط والتحديات الجيوسياسية المتصاعدة، تعود مسألة الاعتماد على الاحتياطيات النقدية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في العراق، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرتها على تعويض تراجع الإيرادات النفطية.
وفي ٨ اذار الجاري، عقد مجلس إدارة البنك المركزي العراقي جلسة استثنائية، لمتابعة التطورات الاقتصادية والمالية، ومراجعة أبرز مؤشرات الاقتصاد الكلي، مع تقييم التوقعات المستقبلية في ظل المستجدات المحلية والدولية. واستعرض الاجتماع تقييما شاملا للسوقين النقدية والمالية، شمل مستويات السيولة في الجهاز المصرفي، وعرض النقد، ومستوى الاحتياجات الأجنبية، إلى جانب متابعة أداء القطاع المصرفي وحركة التجارة الخارجية.
وأكد البنك المركزي في بيان طالعته "طريق الشعب"، أن احتياطياته الأجنبية تغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات، وأنه يمتلك الأدوات والجاهزية الكاملة للتعامل مع أي تطورات لضمان استقرار الأسواق النقدية والمالية وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي.
وشدد المجلس على عدة محاور رئيسية، منها: متانة الاحتياطيات الأجنبية، تأمين الرواتب والنفقات الأساسية، دعم سيولة الجهاز المصرفي، وضمان انسيابية التحويلات الخارجية لتغطية عمليات الاستيراد والمدفوعات الدولية، بما يسهم في استقرار الاقتصاد والأسواق المحلية.
مؤقتة وليست بديلا دائما!
ويرى الدكتور في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي أن هذه الاحتياطيات، رغم أهميتها، لا يمكن النظر إليها كبديل حقيقي ومستدام للنفط، بل كأداة مؤقتة لتخفيف آثار الأزمات.
ويؤكد السعدي لـ"طريق الشعب"، أن العراق يمتلك احتياطيات نقدية تقدر بنحو 97 مليار دولار، وهي كافية لتغطية ما بين 10 إلى 12 شهراً من الاستيرادات، إلا أنها في جوهرها تمثل مخزون أمان تراكم نتيجة فوائض النفط، وليس مورداً إنتاجياً قائماً بذاته.
وبحسب هذا التوصيف، فإن الاعتماد على الاحتياطيات كمصدر دائم للتمويل يعني استهلاك أصل مالي بدلاً من توليد دخل، وهو ما يضع الاقتصاد أمام مسار غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، خاصة في ظل غياب بدائل إنتاجية حقيقية.
ويبين ان "المخاطر المرتبطة بهذا الخيار تبدو واضحة في السياق الحالي، إذ أن أي انخفاض مستمر أو تعطل في الصادرات النفطية من شأنه أن يؤدي إلى استنزاف سريع لهذه الاحتياطيات. ومع تراجع الإنتاج النفطي مؤخراً نتيجة تعقيدات تتعلق بمسارات التصدير، تزداد الضغوط على الموارد المالية للدولة، ما يعمق هشاشة الوضع الاقتصادي".
ويشير الى ان "انخفاض مستوى الاحتياطيات ينعكس بشكل مباشر على قدرة البنك المركزي في الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهو ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات مالية أوسع، ويؤثر على ثقة الأسواق محلياً ودولياً. وتُظهر مؤشرات حديثة أن مؤسسات التصنيف الائتماني بدأت تربط بين تراجع الإيرادات النفطية وتصاعد الضغوط على الوضع المالي للعراق، رغم امتلاكه احتياطيات توصف بأنها مريحة نسبياً".
ويتابع بالقول ان "استخدام الاحتياطيات النقدية ينظر اليه بوصفه إجراء ظرفياً لامتصاص الصدمات وتمويل النفقات العاجلة، وليس خياراً استراتيجياً دائماً. إذ أن الاستمرار في الاعتماد عليها سيقود تدريجياً إلى تآكلها، لا سيما مع وجود إشارات إلى منحى تنازلي نسبي في حجمها خلال الفترة الأخيرة".
في المقابل، يطرح السعدي جملة من البدائل التي تتجاوز الحلول المالية المباشرة، لتذهب نحو إصلاحات هيكلية أعمق. ويبرز في مقدمتها تقليل الاعتماد على النفط من خلال تنويع مصادر الإيرادات، وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل، فضلاً عن تحفيز القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، بما يسهم في خلق موارد مستدامة.
كما يشدد على أهمية تحسين كفاءة الإنفاق العام والحد من الهدر، إلى جانب تطوير مسارات تصدير بديلة للنفط لتقليل المخاطر الجيوسياسية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه بعض الممرات الحيوية.
قطاعات حيوية مهملة!
وفي السياق، يقول الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن أن الحديث عن إمكانية اعتماد الاحتياطات النقدية كبديل لإيرادات النفط في العراق يفتقر إلى الواقعية، مؤكداً أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، في ظل غياب استثمار حقيقي لموارد بديلة تمتلك قدرة فعلية على رفد الدولة بإيرادات كبيرة.
ويشير حسن إلى أن هناك قطاعات مهملة، مثل الزراعة والصناعة، كان يمكن أن تشكل مصادر دخل قوية، إلا أنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي، فضلاً عن وجود خلل في الأنظمة والتعليمات داخل عدد من الوزارات، ما يؤدي إلى هدر مالي كبير. ويستشهد حسن بملف العقارات، الذي يقدّر حجم الخسائر فيه بنحو 150 مليار دينار شهرياً، نتيجة سوء الإدارة وعدم تطبيق الضوابط بشكل صحيح.
ويضيف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن هذا الرقم يمثل جزءاً بسيطاً من حجم الهدر الكلي، الذي قد يصل إلى تريليون دينار شهرياً عبر منافذ متعددة، لم يتم الكشف عنها بالكامل.
ويرى أن المشكلة لا تكمن في غياب الحلول، بل في ضعف الإرادة الحكومية في تبني دراسات فنية واقعية والاستفادة من الخبرات المتخصصة، رغم وجود عدد كبير من المستشارين.
وفيما يتعلق بالاحتياطات النقدية، يوضح حسن أنها قد تُستخدم كحل مؤقت فقط، وليس بديلاً دائماً، محذراً من مخاطر اللجوء إلى طباعة العملة في حال غياب التخطيط الاقتصادي السليم، لما لذلك من آثار سلبية محتملة على الاستقرار المالي.
كما ينتقد استمرار الاعتماد المفرط على النفط، خاصة في ظل التحديات العالمية والإقليمية التي قد تؤثر على أسعاره وصادراته، مؤكداً أن هذا النهج يعرّض الاقتصاد العراقي لمخاطر كبيرة. ويشدد على ضرورة تبني استراتيجية اقتصادية واضحة تقوم على تنويع مصادر الدخل، وتحسين إدارة الموارد، والتفاوض الفعّال مع الدول المجاورة لحل المشكلات المرتبطة بالموارد، مثل المياه.
ويتابع حسن حديثه بالتأكيد على أن الحلول متاحة ويمكن تنفيذها خلال فترة قصيرة إذا توفرت الإرادة، مشيراً إلى أن تحسين الوضع الاقتصادي سينعكس بشكل مباشر على معيشة المواطنين، وهو حق كفله الدستور، لكنه لم يتحقق بالشكل المطلوب حتى الآن.
هامش أمان يحتاج للحذر!
وأكد الباحث الاقتصادي عبدالله نجم أن الاحتياطيات النقدية في العراق تمثل هامش أمان مؤقت أكثر من كونها حلاً دائماً لأزمات الاقتصاد، محذراً من أن الاعتماد عليها قد يتحول إلى عامل إضعاف بدل أن يكون وسيلة دعم.
وقال نجم لـ"طريق الشعب"، إن "الاحتياطيات الحالية تمنح البلاد قدرة على مواجهة الصدمات قصيرة الأمد، لكنها تبقى عرضة للاستنزاف في ظل استمرار الاعتماد على النفط واتساع الإنفاق الحكومي"، مشيراً إلى أن استخدامها يجب أن يكون بحذر شديد.
وأضاف أن "البنك المركزي يعتمد على هذه الاحتياطيات لضبط استقرار سعر الصرف، لكن الإفراط في استخدامها قد يهدد الثقة بالسياسة النقدية ويضعف استقرار الدينار على المدى الطويل".
وبين أن "الرهان على الاحتياطيات قد يدفع الحكومات إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، مثل تنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات الإنتاجية"، لافتاً إلى أن التجارب الدولية الناجحة لم تعتمد على الاحتياطيات كبديل عن النفط، بل كأداة مساندة خلال التحول الاقتصادي.
وحذر من أن "أي تراجع كبير في حجم الاحتياطيات قد يقود إلى سيناريوهات خطرة، من بينها ارتفاع التضخم، وضغوط على سعر الصرف، وصعوبة تمويل الاستيراد، ما ينعكس بشكل مباشر على الوضع المعيشي للمواطنين".