الحرب المكروهة
لموقع (الدبلوماسية المعاصرة) الدولي، الذي يتخذ من أثينا مقرًا له، كتب جون كالابريس مقالًا بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لغزو العراق، ذكر فيه أن البلاد ما تزال، منذ عام 2003، محاصَرة بين القوى الخارجية نفسها التي شكّلت – ودمّرت – ربع قرنها الأخير. وأضاف بأن سقوط القنابل الأمريكية على بغداد مازال متواصلاً، مع تغيير المهمة من "التحرير"، إلى مهاجمة مصالح إيرانية أو قوى عراقية حليفة لطهران دون المساس بالنظام.
مفارقة كبيرة
وأشار المقال إلى أن الذكرى تحمل مفارقة كبيرة؛ فإضافةً إلى ما أسفر عنه الغزو من دمار هائل وخسائر فادحة في الأرواح وعدم استقرار طويل الأمد، فإنه خلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، كانت إيران المستفيد الاستراتيجي الأكبر منه، قبل أن تصبح البلاد، التي أعاد الاحتلال تشكيلها، ساحةً لمواجهة الولايات المتحدة مع القوة الإقليمية التي ساهم التدخل، من دون قصد، في تمكينها.
دولة تبحث عن هوية
وأكد الكاتب أن العراق قد شهد، منذ عام 2009، واحدةً من أكبر الزيادات في الشعور بالأمان على مستوى العالم، وهو إنجاز لافت بعد سنوات من العنف الطائفي والحرب الأهلية والإرهاب. إلا أن هذا الشعور، الذي تحقق بشق الأنفس، بات الآن – وفق تصوره – مهددًا بشكل مباشر؛ إذ لم تُسفر الانتخابات عن فائز حاسم يُشكّل الحكومة، فيما تواصل واشنطن الضغط لكبح حلفاء إيران، التي نجحت في الحفاظ على نفوذها في الحياة السياسية وفي قطاع الطاقة. كما تهتز سياسة الحكومة، التي تبنّت برنامجًا صعبًا يهدف إلى استعادة السيادة الوطنية من خلال الإصلاح الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتقليل الاعتماد على النفط، وفرض احتكار الدولة للقوة.
في خضم الصراع
ووفق رأي الكاتب، كشفت الهجمات التي شُنّت على مطار أربيل الدولي، والقنصلية الأمريكية هناك، والسفارة الأمريكية في بغداد، وقواعد ومطارات وفنادق ومنشآت نفطية مختلفة، عن عمل متطور وأكثر استقلالية، يعتمد على قدرات اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية عميقة. في المقابل، مثّلت الغارات الجوية الأمريكية على مواقع ومعسكرات المهاجمين تطورًا خطيرًا، في وقت اكتفت فيه الحكومة بإدانة الاعتداءات من دون أن تتمكن من إيقافها. كما شكّل انسحاب قوة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ذات المهمة التدريبية، نذيرًا بضعف الدعم الخارجي لقوات الأمن العراقية المنهكة أصلًا.
وبسبب اعتماد الدولة العراقية على النفط في 90 في المائة من وارداتها، حوّلت الحرب الإقليمية هذا الضعف إلى أزمة. كما أدى توقف حقول سرسنك وخور مور في كردستان، والرميلة والقرنة الغربية (2)، وموانئ التصدير في البصرة، بسبب اختناقات التخزين والتصدير، إلى تعليق العراق عملياته النفطية، لا سيما بعد استهداف ناقلتي وقود في مياهه الإقليمية قرب البصرة، وإغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى قطع شريان الحياة الاقتصادي للعراق، وخسارته إيرادات أكبر كان يمكن تحقيقها جراء ارتفاع أسعار النفط.
إرث عام 2003
وأعاد الكاتب معضلة العراق اليوم إلى الغزو الذي أطاح بصدام حسين، وأدى إلى تفكيك جزء كبير من الدولة العراقية، وهدر أكثر من تريليون دولار من عائدات النفط التي تدفقت إلى خزائن الدولة في العقود اللاحقة، من دون أن يُستثمر إلا القليل منها في تحقيق تنمية مستدامة، مما ترك اقتصادًا يتمحور حول توزيع ثروة النفط بدلًا من إنتاجها، ومنح واشنطن نفوذًا كبيرًا على النظام المالي العراقي، وبالتالي على الحكم الداخلي، من خلال تحكم الاحتياطي الفيدرالي بموارد النفط.
ماذا سيحدث لاحقًا؟
ورأى الكاتب أن الوضع الراهن في العراق يبدو هشًا؛ إذ لا تكفي احتياطيات البنك المركزي لتغطية واردات أكثر من عام واحد، فيما يُنذر استمرار الصراع بانقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي، وتأخر صرف الرواتب، وارتفاع معدلات البطالة في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط. خاصةً أن قدرة الحكومة على المناورة مقيّدة، ليس فقط بالاعتماد المالي والعسكري، بل أيضًا بالضغوط المتنافسة من قوى خارجية وجماعات مسلحة محلية راسخة، مما يترك للدولة هامشًا ضيقًا لرسم مسار مستقل.
وخلص الكاتب إلى القول إنه، وبعد أكثر من عقدين على غزو عام 2003، لا يزال العراق عالقًا بين الدولة التي تم تفكيكها والدولة التي لم تترسخ بعد. ولا يزال اقتصاده وأجهزته الأمنية ومؤسساته السياسية تعكس آثار التدخل الأجنبي، والحكم المجزأ، والاعتماد على جهات خارجية، مما يحدد مسار العراق إلى حين تمكنه من فرض سلطته الحقيقية على موارده وجماعاته المسلحة وعلاقاته الخارجية.