اخر الاخبار

يمثل التراث المعماري في المدن العراقية القديمة ذاكرة وطنية حية، لكنه اليوم يواجه خطر الزوال بفعل الإهمال والتوسع العمراني العشوائي: كل شارع وسوق وبيت تاريخي يحكي قصة حياة العراقيين، من تفاعلهم الاجتماعي إلى عاداتهم واحتفالاتهم.

مختصون في العمارة يؤكدون أن الحفاظ على هذه المباني ليس مجرد رفاهية، بل واجب وطني، مشددين على ضرورة الدمج بين الحداثة والتراث، وتشجيع الاستثمار الثقافي والسياحي، وإشراك المجتمع المحلي لضمان استمرار هذا الإرث الحضاري العريق.

ضحية للمصالح التجارية

يقول د. بلال سمير، أستاذ العمارة، إنّ "التراث المعماري في المدن القديمة يشكل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية والتاريخية للعراق، لكنه للأسف يواجه خطر التلاشي بسبب الإهمال المستمر والتوسع العمراني العشوائي".

ويضيف سمير في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "كل مبنى تاريخي يحمل قصة المجتمع وأسلوب الحياة، وعندما نهمله نفقد جزءاً من ذاكرتنا الجماعية. المباني القديمة ليست مجرد حجر وطين، بل هي انعكاس للثقافة والحضارة التي شكلت العراق عبر القرون".

ويتطرق بلال إلى التحديات قائلاً، إن "الضغوط الاقتصادية والتحولات السريعة في العمران غالباً ما تجعل المباني التراثية ضحية للمصالح التجارية أو عدم التخطيط المدروس. دون تدخل حكومي ومجتمعي فعال، ستتحول هذه المعالم إلى أطلال لا تعكس سوى الماضي الذي لم نقدر قيمته."

وحول الحلول، يشدد على أهمية الدمج بين الحداثة والحفاظ على التراث والتخطيط الحضري يجب أن يسمح بوجود مساحات للمباني القديمة ضمن النسيج العمراني الحديث، مع تشجيع الاستثمارات الثقافية والسياحية التي تحافظ على الطابع التاريخي. كما أن إشراك المجتمع المحلي في الحماية والوعي بالتراث أمر حيوي لاستدامة هذه الجهود."

واختتم بلال بتأكيده على البعد الرمزي للتراث: "الحفاظ على المباني التاريخية ليس رفاهية، بل واجب وطني"، حيث يعتبرها "هوية وطنية ومرآة لقيمنا وهويتنا، وإذا فقدناها، سنفقد جزءاً من أنفسنا كشعب حضاري عريق".

المدن الجديدة لا علاقة لها بالهوية العراقية

من جانبها، تقول المهندسة المعمارية إيلاف اسعد إن التراث المعماري في بغداد والمدن العراقية القديمة يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد البناء والحفظ، مشيراً إلى أن كل شارع وسوق وبيت تاريخي يمثل سجل حياة مجتمع متكامل.

وتضيف اسعد في حديث لـ"طريق الشعب"، ان "الأسواق القديمة لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت مساحات تفاعل اجتماعي وثقافي، تجمع الحرفيين، المثقفين، والطبقات المختلفة. دراستي لهذه المباني منحتني فهماً عميقاً للطريقة التي عاش بها العراقيون، وكيفية تنظيم حياتهم اليومية، علاقاتهم، واحتفالاتهم".

وتتابع: "القصور والمدارس التاريخية تحمل في تفاصيلها زخارف وأساليب بناء تعكس فلسفة حضارية، أفكاراً تعليمية، وعادات مجتمعية. عبر دراسة هذه المباني، يمكننا استرجاع أجزاء من التاريخ غير المسجل في الكتب، وفهم كيف تأثر المجتمع بالسياسة، التجارة، والدين على مر القرون."

وتشير إلى أن التراث المعماري يروي قصص الأجيال حيث "كل طابع معماري من الأقواس والزخارف إلى التوزيع المكاني للغرف والساحات، يحكي قصة عائلات، قصص تجارة، وحياة اجتماعية لم تعد موجودة". وأكدت ان الحفاظ على هذه المباني هو بمثابة الاحتفاظ بذاكرة حضارية تتجاوز الحجر.

وتطرقت إلى المعالم الأكثر رمزية، حيث ذكرت ان "سوق الصفافير، شارع الرشيد، الطرق القديمة في الكرخ والرصافة وباب المعظم والباب الوسطاني وبيوت منطقة الأعظمية ليست مجرد مبان، بل مساحات اجتماعية وسياسية عبر التاريخ. المدرسة المستنصرية ليست مجرد مدرسة، بل شهادة على الفكر العلمي الذي ازدهر في بغداد. هذه المباني تخبرنا عن تفاعلات البشر مع المكان والزمن بشكل لا يقدمه أي كتاب".

وأوضحت أن التراث المعماري يمثل دليلا حيا على كيفية تشكل الحضارة العراقية؛ ففهمه وتحليله يمنحنا القدرة على قراءة التاريخ بعمق، وليس مجرد الحفاظ على المباني من الهدم. وكان من المفترض أن يكون أساسا لبناء مبان حديثة متماشية مع الهوية الثقافية، إلا أن الواقع عكس ذلك، فعمارة المدن الحالية بعيدة عن الهوية العراقية، ولم تسهم في تأسيس هوية معمارية جديدة، بل أصبحت بناء عشوائيا وضعيفا لا صلة له بالعمارة التراثية أو بالبيئة التاريخية للمدن.

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في العام الماضي عن تسجيل موقعين تاريخيين في العاصمة بغداد على لائحة التراث العمراني العربي، وذلك خلال اجتماع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) الذي استضافته العاصمة اللبنانية بيروت مؤخرا. وأوضح وزير الثقافة أحمد فكاك البدراني، أن الموقع الأول يشمل شريط نهر دجلة الممتد من المدرسة المستنصرية -أعرق المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي - وصولا إلى القصر العباسي، أحد أبرز شواهد العمارة للعصر العباسي، إضافة إلى موقع الباب الوسطاني، أحد أبواب بغداد التاريخية المتبقية من العصر العباسي.

بغداد تفقد ملامحها التاريخية

يقول الباحث في شؤون العمارة ليث علي، إنّ ما تشهده بغداد اليوم من مشاريع إعادة إعمار يجري في كثير من الأحيان من دون رؤية تحترم تاريخ المدينة وهويتها المعمارية، معتبراً أن الفوضى التي ترافق هذه الأعمال تهدد ملامح العاصمة التي تشكلت عبر مئات السنيين.

ويضيف علي لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا تتعلق بإعادة التأهيل بحد ذاتها، بل بطريقة تنفيذها، إذ يجري التعامل مع عدد من المباني التاريخية بأساليب تفتقر إلى المعرفة بتاريخها وقيمتها المعمارية، فضلاً عن غياب الحرفية في طرق الترميم.

ويشير علي إلى أن بعض عمليات ما يسمى بالإعمار تعتمد أساليب سطحية مثل استخدام طلاء رخيص أو صنفرة الواجهات وإجراء تعديلات لا تراعي طبيعة المباني التراثية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تشويه قيمتها الأصلية بدلاً من الحفاظ عليها. ويرى أن هذه الممارسات، إلى جانب غياب الرقابة الصارمة، قد تسهم في فقدان بغداد لجزء مهم من ملامحها التاريخية.

ويؤكد علي أن الحفاظ على التراث المعماري لا يعني تجميد المدينة أو إيقاف تطورها، بل يتطلب اعتماد معايير علمية واضحة في الترميم والتطوير، وإشراك المختصين في مجالات العمارة والتاريخ الحضري عند التعامل مع الأبنية القديمة. ويشدد على أن بغداد تمتلك إرثاً عمرانياً كبيراً يمكن أن يشكل أساساً لهوية عمرانية معاصرة إذا ما جرى التعامل معه بوعي ومسؤولية.

كما يلفت علي إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه المشهد العمراني في العاصمة هو ضعف السيطرة البلدية على تنظيم البناء، الأمر الذي انعكس في السنوات الأخيرة بانتشار ظاهرة تقسيم الأراضي السكنية الكبيرة إلى مساحات صغيرة جداً، في مخالفة للضوابط التخطيطية المعتمدة.

ويضيف أن هذه الظاهرة أدت إلى تغييرات كبيرة في طبيعة الأحياء السكنية التقليدية، حيث باتت بعض الأراضي التي كانت مساحتها تقارب ٥٠٠ متر مربع تقسم إلى وحدات صغيرة أو تستثمر ببناء عدد كبير من الوحدات السكنية.

ويحذر من أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي تدريجياً إلى فقدان التوازن العمراني في أحياء بغداد التاريخية، فضلاً عن الضغط على البنية التحتية والخدمات، واكد أن حماية هوية المدينة تتطلب تطبيق القوانين التخطيطية بصرامة، ووضع رؤية عمرانية تحافظ على الإرث المعماري بالتوازي مع تلبية احتياجات التطور الحضري.