اخر الاخبار

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل ساحات الصراع، يجد العراق نفسه مجدداً في قلب معادلة معقدة تتجاوز حدوده الجغرافية وإمكاناته السياسية والعسكرية. وبينما تتكثف الضربات والهجمات التي تطال مواقع عسكرية وأمنية، تتعالى تساؤلات داخلية حول طبيعة الموقف الرسمي وحدود الاستجابة الحكومية، التي بدت حتى الآن محصورة في إطار البيانات الدبلوماسية وإجراءات الاحتجاج التقليدية. هذا المشهد يعكس إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة على فرض سيادتها، وضبط الفاعلين داخلها، والتعامل مع التحديات الخارجية في آنٍ واحد.

ويجد مراقبون أن العراق قد بلغ سقف قدراته في التعاطي مع الأزمة، في ظل ضعف الإمكانيات وتشتت القرار السياسي، ما يجعل من الصعب تبني مواقف أكثر حدة أو تأثيراً. وفي المقابل، أدى خروج بعض الفصائل عن الإطار الرسمي إلى تعقيد المشهد الأمني، وإعادة رسم طبيعة العلاقة مع القوى الدولية، خصوصاً التحالف الدولي، الأمر الذي أفضى إلى تراجع الغطاء الأمني وفتح الباب أمام مزيد من الاستهدافات.

العراق بلغ سقف قدراته

في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور عامر حسن فياض، أن "العراق قدّم أقصى ما يمكن ضمن قدراته وإمكاناته في تعاطيه مع التطورات الأخيرة"، مشيراً إلى أنه "لا يمكن انتظار موقف أعلى من حدود تقديم الشكاوى واستدعاء السفراء وإصدار بيانات الاستنكار".

وأضاف فياض في حديث مع "طريق الشعب"، أن هذا المستوى من التحرك ينسجم مع واقع الحال في معظم الدول العربية، التي وصف أنظمتها بأنها تُدار من قبل “حكام لا قادة”، لافتاً إلى أن هذه الأنظمة تتوزع بين مواقف متخاذلة، أو خائفة، أو حتى متواطئة، على حد تعبيره، فيما تبقى الشعوب عاجزة عن كسر حالة الصمت نتيجة تراكمات القمع.

وأضاف أن ضعف "المناعة الوطنية، يتطلب معالجات جذرية تبدأ بوجود قيادات حقيقية ومؤسسات فاعلة"، مستشهداً بـ"النموذج الايراني من حيث تماسك الدولة والمؤسسات والشعب"، ومؤكداً أن "هذا التماسك يقابله خلل واضح في الدول العربية".

ونبه الى أن أي "قرار سياسي يرتبط أساساً بحجم القدرات المتاحة. ومع غياب هذه القدرات، فإن سقف الموقف العراقي يبقى محدوداً". كما لفت إلى أن "التشتت داخل القوى السياسية العراقية وانشغالها بمصالحها الخاصة، انعكس سلباً على القرار الحكومي".

وبيّن أن “النخبة السياسية المتنفذة باتت بعيدة عن الاهتمام بمفهوم الدولة والوطن".

التحالف الدولي يرفع الغطاء الأمني

من جهته، أكد الكاتب والصحافي سامان نوح أن تصاعد الهجمات، بما فيها استهداف مقرات تابعة للجيش العراقي، كان أمراً متوقعاً في ظل تطور الأحداث المتسارعة، وعدم التزام بعض الفصائل المسلحة بقرار الحكومة وبموقف الدولة، فضلاً عن تجاهل موقف الاطار التنسيقي الداعي الى عدم الانخراط في الحرب.

وأوضح نوح في حديثه مع "طريق الشعب"، أن الفصائل اتخذت قراراً منفرداً بمهاجمة المصالح الأمريكية، معلنة عبر بيانات متتالية انخراطها الكامل في المواجهة، مشيراً إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن تطورات ميدانية، من بينها اتخاذ قرار بسحب قوات التحالف من بعض المواقع وإغلاق قاعدة “فيكتوري”، وهو ما اعتبرته الفصائل “نجاحاً”، دون ان تحتسب مع الحكومة العراقية تداعيات هذا الموقف.

وأضاف أن هذا المسار أدى فعلياً الى سحب المظلة الأمنية التي كانت تعمل وفقها قوات التحالف، والتي كانت تضطلع بمهام دعم العراق، مبيناً أن استهداف هذه القوات وتحويلها من قوات صديقة الى طرف غير معني بالعراق أفقد البلد غطاءً مهماً كان يسهم في الحد من استهداف قواته الأمنية.

وأشار نوح إلى أن فقدان هذه المظلة يفتح الباب أمام تصاعد الهجمات، سواء من أطراف خارجية أو ضمن سياق الصراع الإقليمي، لافتاً الى أن التعامل مع أي جهة كعدو يستوجب توقع ردود فعل مقابلة، في وقت لا يمتلك فيه العراق، قدرات ردع كافية أو منظومات دفاع جوي فعالة للتصدي للهجمات، وهو ما ظهر جلياً في تكرار استهداف مواقع أمنية، خصوصاً في محافظتي الأنبار ونينوى.

وخلص إلى القول ان القوات الأمريكية، في ظل هذا التحول، باتت تُصنّف كقوة معادية من قبل الفصائل، بل وحتى ضمن بعض السياقات الرسمية، ما يتيح لها تنفيذ ضربات دون قيود، بعد أن انتهى عملياً اطار التحالف الذي كان قائماً في العراق.

تعدد مراكز القرار يُضعف الدولة

الى ذلك، قال المختص بالشأن السياسي داوود سلمان إن ما يشهده العراق من تصاعد أمني يعكس غياب وحدة القرار، مشيراً إلى أن تعدد مراكز السلطة أضعف قدرة الدولة على إدارة الملفين الأمني والعسكري.

وأضاف سلمان في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن “أبناء القوات الأمنية يتعرضون للاستهداف في ظل غياب منظومة دفاعية استراتيجية تحمي سيادة البلاد”، لافتاً إلى أن القرار الحكومي بالعمل بحق الدفاع عن النفس بالوسائل الممكنة، يعكس قصوراً في توفير الحماية الشاملة بالوسائل المعمول بها في كل دوا العالم للأجواء العراقية".

وتابع أن الحكومة الحالية "تمثل نتاجاً لتوافق قوى سياسية متعددة داخل البرلمان، إلا أن هذه القوى تركز على المصالح أكثر من بناء دولة قوية قادرة على حماية قرارها السيادي"، مؤكداً أن "الطبقة السياسية لا تمتلك الاستعداد الكافي للتنازل عن مصالحها لمواجهة الضغوط الخارجية".

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، أوضح أن فشل الدبلوماسية العراقية في تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية يعود إلى غياب جهة واحدة تمسك بقرار الدولة، مبيناً أن بناء كيانات ودويلات صغيرة داخل الدولة الواحدة اضعف قدرتها على الرد واتخاذ موقف موحد.

وخلص الى القول إن ضعف الحكومة في إدارة هذا الملف قد يمنح أطرافاً أخرى مساحة أكبر للتأثير، محذراً من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع العراق نحو مزيد من التوتر والانخراط في صراعات مفتوحة.

تصريح الناطق الرسمي!

ووصف الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، الاعتداء الذي طال مستوصف الحبّانية العسكري التابع لوزارة الدفاع بـ "العدوان الغاشم"، مؤكدا "حق الرّد بكل الوسائل المتاحة وفق ما يقرّه ميثاق الأمم المتحدة، وأن حكومة العراق لن تقف صامتة أمام حُرمة دماء شُهدائنا الأبطال".

وذكر النعمان في تصريح صحفي، انه "رغم كل الجهود العراقية السياسية والعملية لإبقاء العراق بعيداً عن الصراع الدائر في المنطقة، وتزامناً مع كل ما تبذله الحكومة من تواصل دبلوماسي من أجل وقف إطلاق النار واستعادة الأمن والاستقرار وحرية التجارة والتنقل والتبادل الاقتصادي الإقليمي والدولي، استمرّت الاعتداءات المُدانة التي طالت قطعاتنا العسكرية، وآخرها ما حدث صباح اليوم (امس) من عدوانٍ غاشمٍ تعرّض له مستوصف الحبّانية العسكري التابع لوزارة الدفاع، في جريمة أدّت الى ارتقاء عدد من الشهداء، وإصابة جرحى، من بين منتسبي الجيش العراقي".

واكد، ان "الحكومة والقوات المسلحة، تمتلكان حق الرّد بكل الوسائل المتاحة وفق ما يقرّه ميثاق الأمم المتحدة، وأنها لن تقف صامتة أمام حُرمة دماء شُهدائنا الأبطال، وإننا أمام جريمة مكتملة الأركان، تنتهك القانون الدولي في كل توصيفاته ومحدداته ضمن العلاقات بين الدول، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة الأمريكية".

وأضاف الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، ان " هذه الخطوات لن تؤدي إلّا إلى مزيدٍ الصعوبات والعقبات أمام جهود الاستقرار المستدام في المنطقة".

ولفت إلى ان "رئيس الوزراء وجّه وزارة الخارجية باستدعاء القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة بالعراق، وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية شديدة اللهجة تتضمن موقفنا الثابت والصُّلب في حفظ السيادة العراقية، وما يُدين التصرفات غير المسؤولة التي بلغت مبلغ الجريمة النكراء".

واختتم بالتأكيد على انه "سيتم تقديم شكوى مُثبتة ومُدعمة بالوثائق والتفاصيل الى مجلس الأمن الدولي والمنظمة الدولية، لترسيخ حق العراق وحق شعبه وأبنائه، إزاء هذه الانتهاكات".