اخر الاخبار

كثيرا ما يُشدد الاختصاصيون في المجالات البيئية والزراعية، على ضرورة حماية المساحات الخضراء وإدامتها وتوسيعها. وفي معظم دول العالم تحتل تلك المساحات ومعها المتنزهات والحدائق العامة، مكانة خاصة، لأنها، إضافة إلى جماليتها، تُحسّن الأجواء وتحمي البيئة من تقلبات المناخ وتوفر متنفسا للمواطنين. فمن غير المعقول أن يجري إهمال تلك المساحات او التجاوز عليها لأغراض تجارية. ومن المحظور أيضا ان يتم عرضها للاستثمار وتغيير جنسها، لتحويلها الى مولات ومراكز تجارية قد لا تخدم سكان المدن من ناحية الحفاظ على بيئة نظيفة وصحية خالية من التلوث، مثلما هو الحال مع البيئة الخضراء.

في العراق يبدو الأمر خلافا لذلك تماما. فالاستثمار ومعه مشاريع البنى التحتية الحكومية، يزحفان منذ سنوات على المساحات الخضراء، ما جعل الكونكريت سمة أساسية للمدن. ففي الوقت الذي تشتد فيه تداعيات التغيّر المناخي ويتسع التصحّر، تتحوّل الحدائق والمناطق الخضراء إلى مجمعات سكنية ومشاريع تجارية، الأمر الذي يسبب ضغطا هائلا على البنى التحتية ويقلص متنفسات المواطنين. ولا يعكس استنزاف هذه المساحات الطبيعية قصورا في التخطيط العمراني وحسب، بل يكشف عن تضارب الأولويات بين الاستثمار السريع والبيئة الحضرية، وسط تذمر واسع من المواطنين الذين يرون أن مساحات كانت توفر لهم الراحة والتنفس تحولت إلى مبانٍ خرسانية، في حين يمكن استثمار الموارد الاقتصادية بطرق توازن بين التنمية وحفظ البيئة. 

معايير عالمية للمساحات الخضراء

 المساحات الخضراء ليست بطراً ولا حاجة كمالية. إذ ان هناك معايير عالمية تعتمدها دول العالم في شأن تلك المساحات الخضراء وفقا لحجم المنطقة وعدد سكانها. فبريطانيا على سبيل المثال، تخصص ما نسبته 26 في المائة من المناطق السكنية ليكون مساحات خضراء. بينما تخصص ألمانيا ما نسبته 37 في المائة، والمجر بنسبة ١٥ في المائة. ما يعني أن مساحة الحديقة اللازمة للحي السكني الذي يضم خمسة آلاف نسمة تساوي ٣٠٠٠ متر مربع. فهل هذه النسب، أو أقل منها، معمول بها في العراق، لا سيما ان مناخ البلاد حار جدا في فصل الصيف ما يتطلب زيادة الاهتمام بالبيئة وتشجيرها؟!  

استثمارات بلا جدوى اقتصادية!

ما يحصل اليوم في العراق هو انحسار المساحات الخضراء في المدن امام زحف البناء العشوائي او الاستثمار ببناء مولات ومراكز تسوق كبيرة، البعض منها لا يزال متروكاً ومهملاً ولم يتم انجازه حتى الآن، كـ "متنزه 14 تموز" الذي يقع في الجهة المقابلة لـ "ملعب الشعب" الدولي. فمنذ اكثر من 10 سنوات ما زال المتنزه مهملاً. إذ لم يتم انجازه حتى اللحظة، وفي نفس الوقت لم يترك كمتنفس لأهالي المنطقة!

كذلك المساحات الخضراء الفاصلة بين الاحياء السكنية في منطقة زيونة وغيرها من مناطق العاصمة. إذ تم بيعها وتحويلها الى مدارس أهلية، بدلا من زراعتها وجعلها حدائق تخدم اهالي المناطق المحيطة بها.

ويبدو ان بقاء المساحات الخضراء يتناقض مع ما تقوله هيئة استثمار بغداد التي من ضمن اهدافها: "تشجيع الاستثمارات في قطاع المراكز الترفيهية نتيجة ازدياد الحاجة لها في العاصمة".

ردود أفعال

تتمحور ردود افعال المواطنين في شأن اتساع الاستثمار مقابل إهمال المساحات الخضراء، على نقطتين أساسيتين: الأولى هي أن هناك من يشعر بالاستياء من تحويل تلك المساحات، المخصصة أساسيا كمتنفس للمواطن، إلى بنايات صماء لا تحقق الهدف المرجو منها.

أما النقطة الثانية، فهي أن تلك البنايات لها تأثير سلبي على مستوى البنى التحتية وشبكتي الكهرباء والماء، خصوصا ان بعض الاستثمارات يقع داخل الاحياء السكنية.

ويرى آخرون ان الضرر لم يقتصر على انحسار المساحات الخضراء، بل تعداه إلى تشويه الهوية العمرانية للمدينة، وحوّل "رئة العاصمة" إلى كتل أسمنتية صماء، ما أفقدها توازنها البيئي وجمالها التاريخي.

ويذهب البعض الى وصف ما يحصل بـ "الطريقة الهمجية" في استثمار المساحات الخضراء وبناء مجمعات تجارية تزيد على الحاجة الفعلية. 

تذمر شعبي

المواطن محمد علي، من بغداد، يقول لـ"طريق الشعب" أن الكثير من العائلات تُبدي امتعاضها من قلة المتنزهات وتطالب الجهات المعنية بإيلاء الأمر مزيدا من الاهتمام والعمل على انشاء حدائق تكون متنفسا لها.

ويضيف قائلا أن مناطق أطراف العاصمة تعاني عدم وجود متنزهات وحدائق عامة، فضلا عن سوء الخدمات والبنى التحتية.

فيما يُعرب أبو يحيى، من سكان حي العبيدي في بغداد، عن تذمره من عدم اهتمام الحكومة بالمناطق الخضراء والترفيهية، والتي يصفها بـ "المهملة والمنسية. حيث لا تزال تتذيل قائمة الاهتمامات الحكومية".

ويوضح لـ"طريق الشعب"، أن منطقته وغيرها من مناطق بغداد تشكو من ندرة اماكن الترفيه ما يضطرهم خلال ايام العطل والاعياد الى ملازمة البيوت او التوجه الى متنزه الزوراء، رغم بعده عن منطقتهم. وإضافة إلى معاناتهم جراء قلة المساحات الخضراء، يشكو سكان مناطق أطراف العاصمة، باستمرار، من ضعف مستوى الخدمات. 

تعظيم الموارد على حساب البيئة

في معظم مناطق بغداد تجري محاولات محمومة لبيع الفضاءات المخصصة كأماكن ترفيهية، او ملاعب لكرة القدم، في الوقت الذي يقول فيه القائمون على الاستثمار، ان احد اهدافهم هو توفير اكبر عدد ممكن من الاماكن الترفيهية!

ان تعظيم موارد الدولة يكون بالنهوض بقطاعات الزراعة والصناعة والكهرباء والصحة والسياحة، وتوفير فرص عمل مستدامة، والبحث عن موارد اخرى. فالعراق فيه الكثير من الموارد التي من الممكن استثمارها من اجل تنويع الواردات الاقتصادية للبلد، وليس تعظيمها عن طريق بيع المساحات الخضراء.

من جانبه، ينتقد عضو لجنة الاستثمار البرلمانية محمد الزيادي، الآلية التي يتم بموجبها انشاء المجمعات السكنية داخل المناطق والمدن، لافتا في حديث صحفي الى وجود عشوائية في انشائها وعدم مراعاة المناطق الخضراء والكثافة السكانية والضغط المتولد على البنى التحتية.

ويقول أن "التصميم الأساس للمدن السكنية والقواعد التي صممت على أساسها جعلت ما نسبته 30 في المائة منها عبارة عن مناطق خضراء، وهذا الامر لم يعد قائما في الوقت الراهن بعد ان تحولت هذه المساحات الى مجمعات سكنية".

ويضيف الزيادي قوله ان "البنى التحتية من شبكات المجاري وخطوط المياه والكهرباء والصرف الصحي تعاني ضغطاً كبيراً بعد تحويل المساحات الخضراء داخل المناطق السكنية الى ابنية كونكريتية ومجمعات سكنية، خصوصا ان البنى التحتية مصممة على مساحات وكميات معينة لديها طاقة استيعابية لا يمكن تجاوزها".

ويبيّن ان "هناك تخطيطا بلا دراية او دراسة جدوى للمجمعات السكنية الجديدة".