اخر الاخبار

في ظل تزايد أعداد الخريجين سنوياً، تواجه أغلب الكفاءات الشابة في العراق صعوبة كبيرة في الالتحاق بسوق العمل، حيث تطلب الشركات خبرات عملية ومهارات غير متوافرة مباشرة بعد التخرج. هذه الفجوة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات السوق لا تؤثر فقط على فرص التوظيف، بل تمتد لتشمل الإنتاجية الاقتصادية، تكاليف التدريب، والاستقرار المالي للشباب.

ويؤكد خبراء اقتصاديون وأصحاب شركات أن الحل لا يكمن في الشهادات الأكاديمية وحدها، بل في ربط التعليم بالتدريب العملي، وإعداد برامج مهنية تدعم اكتساب الخبرة الفعلية، ما يسمح للشباب بالانتقال بسلاسة من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، ويعزز نمو الاقتصاد المحلي ويقلل من اللجوء إلى الوظائف غير الرسمية.

تكثيف برامج التدريب والتأهيل

وكشف المتحدث باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، عن انخفاض نسبة البطالة في العراق خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت وفق آخر مسح نفذ مطلع عام 2025 نحو 13 في المائة بعد ما كانت ١٦ في المائة خلال عام ٢٠٢٢.

وأشار الهنداوي في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن البطالة ترتفع بين فئة الشباب لتصل إلى ٢٠ في المائة، مؤكداً أن هذه الفئة تواجه تحديات كبيرة في سوق العمل، ما يستدعي تكثيف برامج التدريب والتأهيل وفتح فرص تشغيل مباشرة، مضيفاً أن نسبة السكان النشطين اقتصادياً تصل إلى 60.4 في المائة وفق نتائج التعداد السكاني الأخير.

وتشير إحصائية رسمية صادرة عن مجلس الوزراء لعام 2024 إلى أن العراق يضم 31 جامعة حكومية يدرس فيها نحو 541 ألفاً و455 طالباً، و165 جامعة أهلية يتجاوز عدد طلبتها 211 ألفاً و905.

وتوضح بيانات وزارة التعليم العالي أن أعداد خريجي الجامعات الأهلية تتفوق على الحكومية، حيث وصل عددهم إلى 59 ألف خريج وخريجة في 2023، وتقدر نسبة ارتفاع ر بحوالي 13 في المائة سنويا.

ويقول خريجون، إن معظم الشركات تشترط امتلاك خبرات عملية ومهارات متقدمة لا تتوفر مباشرة بعد التخرج، ما يضع الخريج في معادلة صعبة بين غياب الخبرة وغياب الفرصة. ويؤكدون أن هذا الواقع دفعهم إلى الالتحاق بدورات تدريبية إضافية بعد التخرج، في محاولة لسد الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات السوق، وكأنهم يبدأون من الصفر من جديد.

دورات تدريبية باهظة الثمن

وقال محمد طالب، اختصاص هندسة ميكاترونكس، تخرج منذ عام: إن بعض الإعلانات الوظيفية تشترط خبرة تصل إلى ست سنوات أو أكثر لوظائف مخصصة للخريجين الجدد، متسائلاً عن كيفية اكتساب هذه الخبرة في ظل غياب الفرص الوظيفية الأولى، مشيرا إلى أن هذه الشروط تتعارض مع قدرات الخريجين وإمكاناتهم الفعلية، خاصة في ظل تراجع التوظيف في القطاعين الحكومي والخاص.

وأضاف طالب في حديثه لـ"طريق الشعب" أن البحث عن وظيفة لم يعد يقتصر على إرسال السيرة الذاتية وانتظار الرد، بل تحول إلى عبء اقتصادي ومعنوي كبير، إذ يضطر الخريجون إلى الاستثمار في دورات تدريبية باهظة الثمن لتغطية متطلبات الوظائف، ودفع تكاليف المواصلات والإنترنت".

وتابع ان هناك "وقتا طويلا نقضيه دون دخل ثابت، ما يجعل من الصعب تغطية الاحتياجات اليومية مثل الإيجار والطعام والضروريات الأخرى، في وقت تتزايد فيه التوقعات العائلية على الشباب الخريجين".

وتابع أن هذا "الوضع يخلق إحباطاً شديداً ويزيد من شعورنا بالعجز عن بدء حياة مهنية مستقرة"، مشيراً إلى أن "الكثير من زملائه يلجأون إلى العمل الحر أو وظائف غير مرتبطة بتخصصاتهم، فقط لتأمين دخل مؤقت".

فجوة واسعه بين مخرجات التعليم وحاجة السوق

يقول وسام بندر، صاحب شركة تصميم، إن "أغلب الخريجين الجدد غير مؤهلين بشكل كافٍ لدخول سوق العمل، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق الحالية".

ويتحدث بندر عن تجربته الشخصية قائلاً: "بدأت العمل قبل أن أكمل دراستي، وتدرجت في المجال حتى أسست عملي الخاص. بعد سنوات شعرت بالحاجة إلى تعزيز خبرتي بشهادة أكاديمية، أي أني اكتسبت المهارات أولاً ثم سعيت إلى الشهادة، وليس العكس".

ويضيف: "لا أقصد التقليل من أهمية الشهادة، لكنها وحدها لا تكفي لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل".

وبسبب إدراكه لهذه الفجوة، يتبنى البندر سياسة مرنة في التوظيف داخل شركته، مع التركيز على المهارات القابلة للتطوير أكثر من اعتماد الشهادات وحدها، باستثناء الوظائف التخصصية الحساسة التي تتطلب خبرة كبيرة وكفاءة مثبتة.

ويشرح بندر آلية التعامل مع الموظفين الجدد قائلاً: إن "الموظفين ينقسمون إلى قسمين: قسم قيادي يحتاج إلى خبرة وإدارة سابقة ليتمكن من قيادة مهام محددة، وقسم يحتاج إلى توجيه ويعمل كمساعد للقائد. بالنسبة للقادة، يمكن أن يكونوا حديثي التخرج، لكننا ندخلهم ضمن دورات تدريبية مكثفة. بعد اجتياز الدورة وتقييم إمكانياتهم، يعملون ضمن فريق تحت مراقبة دقيقة لفترة ثلاثة أشهر بعقد مؤقت، وإذا أثبتوا قدرتهم على التطور والاستمرار، يتم تثبيت وضعهم الوظيفي".

ويختتم البندر بالتأكيد على أن "الهدف من هذه الآلية هو ضمان نقل المهارات بشكل فعّال، ومتابعة التطور الفعلي للموظف، بعيداً عن الاعتماد على الشهادات النظرية فقط".

من جانبه، قال الباحث الاقتصادي عبدالله نجم، إن الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل تمثل عائقا كبيرا أمام الشباب، ليس فقط من ناحية البطالة، بل على صعيد الإنتاجية الاقتصادية: "عندما يتخرج الشاب دون مهارات عملية مطابقة لسوق العمل، يقل متوسط إنتاجية القوى العاملة، ما يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني ويزيد تكاليف التدريب وإعادة التوظيف للشركات".

وأضاف نجم لـ"طريق الشعب"، أن هذه الفجوة قد تدفع بعض الشباب نحو الاقتصاد غير الرسمي، حيث يلجؤون لفرص عمل مؤقتة أو غير مستقرة، مؤكدا أن ذلك يقلل من الإيرادات الضريبية ويحد من قدرة الشباب على الادخار أو الاستثمار في مشاريعهم المستقبلية.

وبيّن ان "البطالة الجزئية أو الوظائف غير الرسمية تعني أن الشباب لا يحققون الدخل المتوقع من مؤهلاتهم، وهذا ينعكس على استهلاكهم ونمو الاقتصاد المحلي".

وحول الحلول، شدد نجم على ضرورة تطوير برامج تدريبية عملية مدعومة، وربط المناهج الجامعية مباشرة باحتياجات السوق، مع تقديم حوافز للشركات لتوظيف الخريجين وتطوير مهاراتهم العملية، مؤكدا ان مثل هذه السياسات تقلل من تكاليف الفرصة الضائعة، وتساعد الشباب على الانتقال بسلاسة إلى سوق العمل، ما يعزز الإنتاجية والاستقرار المالي لهم وللاقتصاد بشكل عام.

ويشير نجم إلى أن التعليم النظري وحده لم يعد كافياً، وأن الاستثمار في المهارات العملية والتدريب المباشر يعد الركيزة الأساسية لسد الفجوة بين الجامعات وسوق العمل، وضمان استفادة الاقتصاد من كفاءات الشباب المتزايدة سنوياً.