اخر الاخبار

الميزانية الفيدرالية والصراع السياسي في العراق

نشر موقع المعهد الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحثاً للكاتب نجدار خالد، أشار فيه إلى أن الدستور العراقي استهدف، في اعتماده الشكل الاتحادي للدولة، توزيع التحكم بالموارد الطبيعية والصلاحيات المالية والحصرية للأقاليم. فنصّ على الملكية المشتركة للنفط والغاز، واعترف بإقليم كردستان وسلطاته، وألزم المؤسسات الاتحادية بضمان التنسيق وحل النزاعات معه. ومع ذلك، لا تزال العديد من الأحكام المؤسسية الرئيسة، بما في ذلك سنّ قانون اتحادي للنفط والغاز وإنشاء المجلس الاتحادي، غير مكتملة، مما أدى إلى غموض مستمر بشأن إدارة الإيرادات والسلطة المالية بين بغداد وأربيل، إلى حدّ تصاعدت معه التوترات، وتم تعليق تحويلات الميزانية الاتحادية إلى الإقليم، وتواصلت النزاعات حول صادرات النفط المستقلة.

ساحة للصراع

وذكر الكاتب أن التطورات اللاحقة، بما في ذلك استفتاء الاستقلال عام 2017، وحكم المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة الإقليم، وقرار التحكيم الدولي الذي قيّد صادرات النفط المستقلة من هناك، أدت إلى تغييرات إضافية في الترتيبات المالية بين الحكومتين، وعدم صرف الرواتب مباشرةً لموظفي الخدمة المدنية في إقليم كردستان.

ورأى الكاتب بأن عوامل سياسية واقتصادية وتاريخية قد شكّلت نزاع الميزانية الاتحادية بين بغداد وأربيل. ومن أبرز هذه العوامل اختلاف الرؤى السياسية، وتضارب تفسيرات الدستور العراقي، وأهمية عائدات النفط في اقتصاد العراق الريعي، إلى جانب تأثير جهات خارجية على مسار هذا النزاع.

مراحل الصراع

وقسّم المقال الصراع إلى مرحلتين: الأولى من عام 2006 وحتى 2013، والتي شهدت تعاوناً نسبياً بين الجانبين في عملية تخصيص الميزانية، حيث حصل الإقليم على 17 في المائة من إجمالي النفقات، وذلك في ظل تشكيل الحكومة الاتحادية وإنشاء مؤسساتها الأساسية، والتمسك بمبادئ الفيدرالية واللامركزية بدعم ومساعدة الولايات المتحدة وإيران. وخلال هذه الفترة حقق إقليم كردستان نمواً اقتصادياً بنحو 12 في المائة، وشجّع الاستثمار الخاص، وارتفع متوسط دخل الفرد من نحو 410 دولارات في عام 2004 إلى 7000 دولار في عام 2013.

ورغم هذه المكاسب، يرى الكاتب أن الإقليم بقي يعاني من مواطن ضعف هيكلية، بسبب تخصيص الحكومة نسبة كبيرة من ميزانيتها للإنفاق الاستهلاكي والتشغيلي بدلاً من الاستثمارات الإنتاجية، مما عزز نموذجاً اقتصادياً ريعياً يعتمد على التحويلات الاتحادية، إضافة إلى تعزيز المحسوبية الحزبية، والحد من الشفافية، وتقييد مؤسسات القطاع الخاص.

وذكر المقال أن المرحلة الثانية، التي بدأت في عام 2014، تميزت بتصاعد التوتر بين بغداد وأربيل بسبب سعي أربيل إلى مزيد من الحكم الذاتي، وميل بغداد إلى انتهاج إجراءات مركزية. وجاء تعليق حصة كردستان من الميزانية الفيدرالية عقب صادرات النفط المستقلة للإقليم بموجب قانون النفط والغاز رقم 22 لسنة 2007، كمفصل مهم في النزاع عكس مخاوف بغداد من أن تؤدي هذه الصادرات المستقلة إلى تعزيز توجهات الإقليم نحو الاستقلال.

كما تميزت هذه الفترة بتغيرات أمنية وسياسية عميقة، مثل صعود تنظيم داعش، وتأسيس قوات الحشد الشعبي، وتنامي النفوذ الإيراني داخل المؤسسات الفيدرالية، وتهميش الفاعلين الأكراد في النظام الفيدرالي، وتعزيز سلطة بغداد المركزية، إضافة إلى تدهور الاستقرار السياسي في إقليم كردستان، وتصاعد الانقسامات بين الحزبين الحاكمين، وإضعاف المجتمع المدني، وتراجع ثقة الجمهور.

آثار المشاكل ومقترحات الحلول

وذكر الكاتب أن النزاع المستمر حول الميزانية بين بغداد وأربيل كانت له أعباء اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة على المواطنين العراقيين، ولا سيما في إقليم كردستان، مثل تعطيل تمويل القطاعات الحيوية، بما في ذلك البنية التحتية والصحة والتعليم والتوظيف الحكومي، وزيادة معدلات الفقر إلى 8.6 في المائة مع تحذيرات من ارتفاعها إلى 18 في المائة قريباً.

وخلص المقال إلى أن حل هذه المشكلات يتطلب إصلاحات دستورية ومالية، حيث ينبغي للحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان الاتفاق على ترتيبات واضحة لتقاسم السلطة، لا سيما فيما يتعلق بالنفط والغاز وإدارة الإيرادات، وإنشاء المجلس الاتحادي وفقاً للمادة 65 من الدستور، وسنّ قانون اتحادي للنفط والغاز وفقاً للمادتين 111 و112، وتحديد جدول زمني لتنفيذ المادة 140، وإبعاد المؤسسات الاتحادية، بما فيها السلطة القضائية والقطاع الأمني، عن التأثير السياسي.

وأكد المقال ضرورة أن تعزّز حكومة إقليم كردستان المساءلة والديمقراطية، وأن تقوم الحوكمة المالية على قواعد شفافة، وأن تستند ترتيبات تقاسم الإيرادات إلى بيانات موضوعية تشمل أرقام السكان، والنفقات الموثقة، وسجلات التوظيف في القطاع العام، وأن تربط الميزانية القائمة على البرامج والأداء الإنفاق العام بنتائج قابلة للقياس، وأخيراً اعتماد إطار عمل شفاف لتبادل البيانات المالية بين السلطات الاتحادية والإقليمية.