في وقتٍ يفترض أن ينشغل فيه مجلس النواب بتفعيل دوره التشريعي والرقابي، ما تزال الخلافات السياسية تلقي بظلالها على عمل المؤسسة التشريعية، مع استمرار الصراع بين الكتل على حسم ملف اللجان النيابية التي تُعدّ العمود الفقري لعمل البرلمان.
فعلى الرغم من مرور شهور على انطلاق الدورة البرلمانية السادسة، لم تُحسم حتى اللحظة بعد جميع اللجان ولا رئاساتها، نتيجة الصراع السياسي المحتدم والذي تحوكه المحصصة الطائفية بالدرجة الاساس.
هذا التعثر يعده مراقبون امتداداً لطبيعة النظام السياسي المعتل والقائم على التوازنات الحزبية، وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الانتقادات بشأن قدرة المجلس على أداء مهامه الدستورية.
سيناريو متكرر
في هذا الصدد، يقول الأكاديمي والقانوني وائل منذر إن تركيبة مجلس النواب الحالية لا تختلف كثيراً عن تركيبة المجلس السابق، مبيناً أن الأحزاب والقوى السياسية داخل البرلمان تهيمن عليها القيادات الحزبية، الأمر الذي يحدّ من قدرة عدد كثير من النواب على اتخاذ قرارات مستقلة.
ويضيف منذر في حديث مع "طريق الشعب"، أن عدداً محدوداً جداً من النواب فقط "يمتلكون إرادة مستقلة في عملية التصويت أو اتخاذ المواقف، فيما يخضع معظم أعضاء المجلس لقرارات رؤساء الكتل والأحزاب التي ينتمون إليها".
ويشير إلى أن هذه المعادلة "تجعل النواب غير قادرين على اتخاذ قرارات خارج ما يتم الاتفاق عليه مسبقاً خارج قبة البرلمان وفي ما يُعرف بـ”الغرف المغلقة”.
ويتابع أن هذا الواقع ينعكس بشكل واضح على أداء المجلس، متوقعاً أن يشهد البرلمان الحالي حالة من التلكؤ في العمل، والذي نلاحظه اليوم من ملف تشكيل اللجان البرلمانية.
ويبيّن أن توزيع رئاسة اللجان وعضويتها لا يزال مرتبطاً بالتوازنات السياسية بين الكتل، وبالترتيبات التي قد تُحسم لاحقاً بعد تشكيل الحكومة وتقاسم الوزارات، ليجري بعدها توزيع رئاسة اللجان وفق نظام النقاط المعتمد لاحتساب أوزان الكتل والأحزاب داخل البرلمان.
ويعتقد منذر أن "الأداء المتوقع للمجلس الحالي، سواء على المستوى التشريعي أو الرقابي، لن يختلف كثيراً عن أداء المجلس السابق"، معتبراً أن "البرلمان قد يتحول إلى ساحة يغلب عليها الطابع الإعلامي والخطاب السياسي أكثر من كونه مؤسسة تشريعية فاعلة تمارس دورها الرقابي الحقيقي".
وفي ما يتعلق بالحلول المطروحة للأزمة السياسية، يجد أن "الدعوة إلى انتخابات مبكرة في ظل قانون الانتخابات الحالي لن تؤدي بالضرورة إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى السياسية".
وتتطلب المعالجة الحقيقية، بحسب منذر، إجراء إصلاحات تشريعية أساسية، في مقدمتها تعديل قانون الانتخابات ليكون أكثر عدالة وتمثيلاً لإرادة الناخبين، بدلاً من أن يعكس تأثير المال والنفوذ السياسي.
ويشدد على أهمية تشريع قانون ينظم المعارضة البرلمانية ويمنحها حقوقاً وصلاحيات محددة، بما يتيح بناء معارضة مؤسساتية قادرة على ممارسة دورها الرقابي داخل النظام البرلماني.
وينبه إلى أن "الأزمات السياسية والأمنية التي شهدها العراق مؤخراً، بما في ذلك التوترات الإقليمية والضربات العسكرية التي تعرضت لها البلاد، كشفت أيضاً محدودية دور البرلمان، إذ لم يتمكن المجلس حتى من عقد جلسة فاعلة تفضي إلى قرارات واضحة".
اختلالات في بنية النظام السياسي
من جهته، قال المختص في الشأن السياسي مجاشع التميمي، إن الأداء الحالي لمجلس النواب يكشف عن حالة تلكؤ وعجز واضحين في القيام بالمهام الدستورية، لافتاً إلى أن الصراع الدائر على رئاسة اللجان البرلمانية وعضويتها يعكس حجم التعقيد الذي يواجه عمل السلطة التشريعية.
واضاف التميمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن ما يجري داخل البرلمان "ليس معزولاً عن التدخلات السياسية الواسعة التي تطال عمل المؤسسات الدستورية في العراق"، مبيناً أن "أغلب هذه المؤسسات أصبحت خاضعة لتأثير القوى السياسية وتتاثر بالتجاذبات والصراعات".
وتابع أن البرلمان وصل إلى مرحلة من العجز نتيجة اتفاقات تُبرم خارج قاعته، وتحديداً في ما وصفها بـ“غرفة القوى والزعامات السياسية”، حيث يتم التوافق على القرارات، ليقتصر دور البرلمان لاحقاً على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على ملف واحد، بل تمتد إلى ملفات أساسية يفترض أن يضطلع بها البرلمان مثل التشريع والرقابة والمساءلة، مؤكداً أن هذه الوظائف باتت معطلة بفعل تدخل القيادات الحزبية الكبيرة في عمل المؤسسة التشريعية.
ولفت إلى أن بعض الشخصيات التي لا تشغل مقاعد نيابية أصبحت عملياً مؤثرة في توجيه عمل البرلمان والتحكم بمساراته.
وبيّن التميمي أن حالة الفوضى التي يشهدها البرلمان حالياً تعطي مؤشراً واضحاً على طبيعة ومستقبل هذه الدورة البرلمانية، مشدداً على أن المشكلة لا تتعلق بهذه الدورة وحدها أو بالدورة السابقة، وتعكس خللاً بنيوياً في النظام السياسي العراقي.
وأوضح أن العراق يعتمد نظاماً برلمانياً من حيث الشكل، إلا أن المؤسسات المنبثقة عنه تبدو مجردة من كثير من صلاحياتها الفعلية.
وزاد بالقول أن الكثير كانوا يأملون أن تكون الدورة البرلمانية الخامسة أكثر فاعلية، غير أن الواقع يُظهر استمرار الأزمات ذاتها، حيث بدا البرلمان اليوم مغيَّباً عن أهم الاستحقاقات الدستورية.
ويفترض، بحسب التميمي، أن يجتمع البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الوزراء، إلا أن عدم توصل الزعامات السياسية الى توافق حول هذه المناصب أدى الى تعطيل المؤسسة التشريعية.
وتساءل المتحدث عن مآلات هذا التعطيل، قائلاً إن الأزمة لا يمكن حلها بمجرد الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وتتطلب إصلاحات سياسية عميقة في بنية النظام السياسي الذي يعاني من اختلالات عميقة.
وأكد أن "معظم القوى السياسية تبدو غير مستعدة لمثل هذه الإصلاحات، بسبب المخاوف من فقدان المكاسب الحزبية والشخصية التي تحققت خلال السنوات الماضية".
مؤسسة عاجزة!
ولم يختلف حديث المحلل السياسي داوود سلمان كثيراً عما طرحه التميمي، موضحا ان حالة الارتباك والتعطيل التي يشهدها مجلس النواب تعكس أزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية عابرة، وتكشف عن اختلال واضح في طبيعة عمل النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح سلمان في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن البرلمان العراقي "بات يتحرك في كثير من الأحيان ضمن هامش ضيق تحدده التفاهمات الحزبية المسبقة، الأمر الذي يقلص من دوره الدستوري المفترض كمؤسسة تشريعية ورقابية مستقلة".
ونبه إلى أن القرارات المفصلية "غالباً ما تُصاغ خارج قاعة البرلمان، ضمن ترتيبات تعقدها القوى السياسية المتنفذة، قبل أن تُطرح لاحقاً داخل المجلس بصيغة شبه نهائية".
وأشار الى أن الصراعات الحالية داخل البرلمان، سواء على رئاسة اللجان أو توزيع العضوية، لا تعكس تنافساً سياسياً صحياً بقدر ما تعبر عن صراع على النفوذ والمكاسب داخل المنظومة الحزبية، وهو ما يؤدي الى تعطيل العمل التشريعي وإضعاف الدور الرقابي للمجلس.
وبيّن سلمان أن "هذه الممارسات جعلت البرلمان يبدو في نظر الرأي العام مؤسسة عاجزة عن مواكبة التحديات السياسية والأمنية التي يواجهها العراق، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة التي تتطلب مواقف تشريعية ورقابية واضحة".
واشار إلى أن المشكلة "لا ترتبط بأداء النواب فقط، وتتصل أيضاً بطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الحزبية والتوازنات المعقدة، التي تجعل أي قرار سياسي مهما كان كان مرهوناً بتوافقات طويلة ومعقدة بين القوى المتنفذة".
ولفت سلمان الى أن استمرار هذا النمط من إدارة الدولة قد يؤدي إلى مزيد من الشلل المؤسسي، ما لم تُطرح إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار لدور المؤسسات الدستورية وتحد من تأثير الصفقات السياسية على عملها.
وختم سلمان بالقول إن أي حديث عن إصلاح سياسي حقيقي يجب أن يبدأ من تعزيز استقلالية المؤسسات التشريعية وتفعيل دورها الرقابي، لأن بقاء البرلمان في موقع المتلقي للقرارات بدلاً من صانعها سيبقي الأزمة السياسية في العراق مفتوحة على احتمالات التعقيد والتفاقم".