تشييع مهيب للقائد الراحل.. حميد مجيد موسى (أبو داود)
لايبزك -طريق الشعب
شيّع جمعٌ واسع من رفاق واصدقاء الفقيد ومحبيه صباح يوم الخميس الموافق 12 آذار 2026 جثمان القائد الراحل حميد مجيد موسى (أبو داود) في مقبرة مدينة لايبزك في المانيا، في مراسم وداع اتسمت بالوقار والتأثر العميق، عكست المكانة التي احتلها الراحل في قلوب رفاقه ومحبيه وفي ذاكرة اليسار والحركة الوطنية العراقية.
مراسم الوداع الأخير
وقد اجتمع المشيّعون في إحدى قاعات المقبرة لإقامة مراسم الوداع الأخير، حيث خيّم على المكان صمتٌ مهيب امتزج بمشاعر الحزن واستذكار سيرة الراحل ومواقفه وما تركه من أثر إنساني وسياسي في نفوس من عرفوه ورافقوه في دروب النضال والعمل الوطني العام.
استُهلّت مراسم الوداع بكلمة ترحيبية ألقتها الدكتورة شيلان قادر رشيد، وجّهت فيها التحية إلى عائلة الفقيد وإلى الحضور الذين توافدوا من مدن ودول مختلفة للمشاركة في هذا الوداع الأخير، قبل أن تدعو الجميع للوقوف دقيقة صمت إجلالاً لروح الراحل وتكريماً لمسيرته.
بعد ذلك ألقى الدكتور عزّت أبو التمن كلمة بإسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، استعرض فيها جانباً من سيرة الفقيد ومسيرته الطويلة في العمل الوطني والديمقراطي، مشيراً إلى دوره البارز في تاريخ الحزب والحركة الوطنية العراقية، وما اتسمت به مواقفه من وضوح فكري ومسؤولية وطنية. وقال في كلمته إن (من بين أبرز ما ميّز هذه المسيرة أنه حين كان الفقيد في الموقع الأول كسكرتير للحزب، إثر المؤتمر الوطني الخامس، بدأت عملية التجديد والديمقراطية في حزبنا. ومعروفٌ الدور البارز الذي لعبه الرفيق أبو داود في قيادة الحزب خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه، سواء خلال مرحلة النضال ضد الدكتاتورية، أو في مرحلة ما بعد التغيير. وقد قاد وأشرف على مؤتمرات الحزب حتى المؤتمر الوطني العاشر، وكانت مغادرته الموقع القيادي تعبيراً عن تمسّكه بروح التجديد في قيادة الحزب).
من سيرة الراحل الإنسانية
كما تحدث السيد نجيب أسطيفان، صديق العائلة، مستعيداً جوانب من سيرة الراحل الإنسانية وعلاقاته الواسعة مع أصدقائه ورفاقه، وما تركه من أثر طيب في حياة من عرفوه. وقال في كلمته: (نقف اليوم أمام هذا المصاب الجلل، مستحضرين مواقف الفقيد النبيلة وسيرته المشرّفة، ومستذكرين حياةً امتلأت بالعطاء والوفاء. لقد كان الراحل إنساناً صادقاً، قريباً من الناس، يحمل في قلبه محبةً كبيرة لمن حوله. عُرف بالصبر والشجاعة والوفاء، وظلّ ثابتاً على مبادئه وقيمه طوال حياته).
ثم ألقى الأديب والكاتب حميد الخاقاني كلمة استعاد فيها امتداد علاقته بالراحل وعمقها. وقال فيها (عرفتُ فيه عمق إيمانه بأن تاريخ الإنسان الحق لا معنى له، إن لم يكن متماهيا ومتفاعلاً مع تاريخ الإنسانية وتطوّرِها في شتّى حقول الحياة. وكان الفقيد يرى بأن فكرة العدالة والاشتراكية لا تتحقق عَبر إعادة توزيع الثروات فحسب، وإنما من خلال تحرير الإنسان أساساً، بحيث يكون أثمن رأسمال، في هذا العالم، حقاً).
كما قرأ الخاقاني قصيدة كان قد كتبها في وقت سابق، على خلفية الجريمة التي ارتكبها النظام الدكتاتوري حين أعدم 31 شاباً في أيار 1978 بعد أن لفّق لهم تهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي داخل الجيش، مستحضراً من خلالها ذاكرة تلك المرحلة القاسية وما حفلت به من تضحيات ومعاناة.
وأعقبت ذلك كلمة العائلة التي ألقاها نيابة عنها الرفيق جاسم الحلفي، عبّر فيها عن امتنان العائلة العميق للحضور ولمشاعر المواساة الصادقة التي عبّر عنها الأصدقاء والرفاق ومحبو الراحل. وقال في كلمته: (نم قرير العين.. ارقد رقدتك الأبدية بهدوء وسلام. سيبقى حضورك معنا في الذاكرة، وفي القيم التي عشت من أجلها، وفي الدرب الذي شاركت رفاقك في رسم ملامحه للعراق الذي تحب. وها نحن نهتف في هذه اللحظة بالحماسة ذاتها، وبالهتاف الذي كان يطيب لك: سنمضي سنمضي إلى ما نريد.. وطن حر وشعب سعيد).
مسيرة صامتة مهيبة
وبعد انتهاء كلمات الوداع، توجّه المشيّعون خلف النعش في مسيرة صامتة مهيبة نحو موضع مثواه الأخير. وسار الحاضرون بخطى بطيئة وقلوب مثقلة بالوداع، يستحضرون ذكريات الراحل ومواقفه وسيرته التي امتدت عبر عقود من العطاء والعمل الوطني.
وعند موضع الثرى توقّف المشيّعون لحظات صمت وتأمل، حيث احتضنت الأرض جسد الفقيد في هدوءٍ مهيب، وسط أجواء امتزج فيها الحزن العميق بالفخر بسيرته وما تركه من أثرٍ نبيل في حياة رفاقه ومحبيه. وتقدّم الحاضرون واحداً تلو الآخر، يضع كلٌّ منهم وردةً بيضاء على النعش في لفتةٍ رمزية مؤثرة عبّرت عن المحبة والوفاء والامتنان لمسيرة الراحل وما مثّله في حياة الكثيرين.
وفي تلك اللحظات المؤثرة بدت الوجوه مثقلة بالوداع، بينما كانت الورود البيضاء تتراكم فوق النعش كأنها رسالة صامتة من القلوب إلى من رحل، تحمل معاني الاحترام والتقدير والذكرى الطيبة. بعد ذلك تزيّن مثوى الراحل بأكاليل الورد التي قدّمها عدد كبير من الأصدقاء والرفاق والعائلات تعبيراً عن محبتهم ووفائهم لذكراه، فتحوّل المكان إلى لوحةٍ من الزهور أحاطت بموضع راحته الأخيرة، في مشهدٍ جمع بين الحزن والوفاء، واستحضر ما تركه الراحل من أثرٍ إنساني عميق في قلوب من عرفوه ورافقوه في دروب الحياة والنضال.
ومن بين الأكاليل والورود التي وُضعت في موضع الثرى أكاليل مقدَّمة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، والرفيق فخري كريم، ومنظمة الحزب الشيوعي العراقي في السويد، ومنظمة الحزب الشيوعي العراقي في المانيا، ومنظمة الحزب الشيوعي الكردستاني في المانيا، ومنظمة الحزب في هولندا وبلجيكا، وعائلة الرفيق الراحل عزيز محمد، وعائلة الرفيق كمال شاكر، وعائلة الرفيق جاسم الحلفي، وعائلة الدكتور عبد الله العزب، وعائلة الراحل قادر رشيد، وعائلة بدر الدين يوسف إسماعيل، فضلاً عن أكاليل وورود أخرى قدّمها عدد من الأصدقاء ومحبي الراحل الذين حرصوا على المشاركة في وداعه الأخير.
حضور مهيب
كما أُقيم مجلس عزاء عقب مراسم التشييع في إحدى أكبر القاعات في مدينة لايبزك، حيث توافد أصدقاء الفقيد ورفاقه ومحبوه، إلى جانب عدد من أبناء الجالية العراقية وأصدقاء العائلة من العراقيين والألمان، لتقديم التعازي والمواساة إلى عائلته واستذكار حياته وما تركه من أثر طيب في نفوس من عرفوه. وقد ساد المجلس جوّ من الحزن والوفاء، تخللته أحاديث وذكريات استحضرت مواقفه ودوره البارز في الحياة السياسية والوطنية.
وفي هذا السياق، قدّمت منظمة الحزب الشيوعي الكردستاني في المانيا رسالة تعزية عبّرت فيها عن تقديرها لمسيرة الراحل ومكانته في الحركة الوطنية. كما شاركت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في المانيا في مراسم التشييع وفي مجلس العزاء، إلى جانب عدد كبير من الأصدقاء والرفاق من بلدان عدة، من السويد وهولندا وبريطانيا وكندا، الذين حرصوا على الحضور والمشاركة في وداعه الأخير وتقديم العزاء لعائلته.
وعُرضت على شاشة كبيرة صور للفقيد من مراحل مختلفة من حياته، جسّدت محطات من مسيرته الشخصية والنضالية؛ فظهرت لقطات له مع عائلته وأصدقائه ورفاقه في الحزب، إلى جانب صور وثّقت جانباً من نشاطه وكفاحه العام وصولاً إلى أيامه الأخيرة. وقد استوقفت تلك الصور الحاضرين، إذ أعادت إلى الذاكرة ملامح من حياته التي امتدت عبر سنوات طويلة من العطاء والعمل.
وبرحيل أبو داود طُويت صفحة من صفحات العطاء الوطني، غير أن سيرته وما تركه من أثر إنساني وسياسي سيبقيان حيّين في ذاكرة رفاقه ومحبيه وكل من عرفه وسار معه في دروب الحياة والنضال.
الأرض تأخذ الجسد… لكن الزمن يحتفظ بالسيرة، وتبقى حياتك، يا أبا داود، ضوءاً لا يخبو في ذاكرة محبيك.
*****************************************
كلمة اللجنة المركزية للحزب في وداع أبو داود
الرفيقات والرفاق.. الصديقات والأصدقاء..
في هذا اليوم الحزين نلتقي في لحظات وداع القائد الشيوعي، والمناضل الوطني والأممي، الرفيق حميد مجيد موسى (أبو داود)، الذي رحل يوم الثامن والعشرين من شباط الماضي، تاركاً لوعةً في قلوب عائلته ورفاقه ومحبيه، ومجداً يجسّد تاريخَه المضيء، المفعم بالمآثر الكفاحية والأمثلة الملهمة.
لقد هزّ هذا الحدث الأليم المجتمع العراقي. وعبّر كبار المسؤولين والقادة السياسيين وممثلو الرأي العام السياسي والاجتماعي والثقافي عن مواساتهم لحزبنا بهذه الخسارة الفادحة.
وكان مجلس العزاء الذي أقيم في مسجد الزوية ببغداد على مدى يومين حدثا وطنيا جليلا جسّد التقدير لما كان يتمتع به الفقيد الكبير من مكانة هامة في تاريخ حزبنا وشعبنا، ومن مواقف مشهودة في القضايا الوطنية، اتسمت بالمسؤولية العالية، والوضوح الفكري والسياسي، والدفاع عن الهوية الوطنية، وقضية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومصالح الشعب والوطن. كما عكست مجالس العزاء في إقليم كردستان ومحافظات البلاد، ومجلس العزاء النسائي في بيتنا الثقافي، فضلاً عن رسائل وكلمات الرثاء والمواساة التي نشرت في الصحافة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بُعداً حزيناً آخر لهذا الفقدان الفاجع.
منذ السنوات المبكرة في حياته انخرط فقيدنا الغالي في النضال الطلابي والشبابي، متوّجاً ذلك بالانتماء الى حزبنا الشيوعي، حيث بدأت مرحلة جديدة في حياته. وعلى مدى عقود من الزمن خاض مختلف أشكال الكفاح السري والعلني والجماهيري والأنصاري والبرلماني.
في عام 1976 اُنتخب في المؤتمر الوطني الثالث للحزب عضواً في اللجنة المركزية، وبات عضواً في المكتب السياسي في المؤتمر الرابع. وفي المؤتمر الوطني الخامس عام 1993 انتخب سكرتيرا للجنة المركزية.
ولعل من بين أبرز ما ميّز هذه المسيرة أنه حين كان الفقيد في الموقع الأول كسكرتير للحزب، إثر المؤتمر الخامس، بدأت عملية التجديد والديمقراطية في حزبنا. ومعروفٌ الدور البارز الذي لعبه الرفيق أبو داود في قيادة الحزب خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه، سواء خلال مرحلة النضال ضد الدكتاتورية، أو في مرحلة ما بعد التغيير. وقد قاد وأشرف على مؤتمرات الحزب حتى المؤتمر الوطني العاشر، وكانت مغادرته الموقع القيادي تعبيراً عن تمسّكه بروح التجديد في قيادة الحزب.
برحيل الرفيق حميد مجيد موسى، الذي شكّل خسارة لا تعوَّض، فقدنا قائداً شيوعياً تجلت في مسيرته السجايا الثورية والروح القيادية، والاستعداد للتضحية والعطاء، ومثال التواضع والنزاهة، واللُطف والأريحية، والصفات الشخصية الجذابة.
في لحظات التوديع الحزينة هذه نجدد مشاعر المواساة لرفيقة دربه وحياته العزيزة أم أسيل، وللعزيزين أسيل وعزيز، ولكل رفاق حزبنا وأصدقائه، وسائر الديمقراطيين والوطنيين من بنات وأبناء شعبنا.
سيبقى أبو داود في ذاكرة محبيه الكُثُر، إنسانا نادر المثال، وقائدا شيوعياً مُلهما..
ــــــــــــــــــــــــ
القاها الرفيق عزت ابو التمن
********************************************
عائلة الفقيد: سيبقى إرثه النضالي وقيمه الإنسانية حاضرة في قلوبنا
الحضور الكريم.. أيها الأصدقاء والرفاق الأحبة..
الرفيق فخري كريم.. الرفاق في قيادة الحزب الشيوعي العراقي..
الأصدقاء والرفاق الذين تجشّموا متاعب السفر من لندن والسويد وهولندا، ومدن ألمانيا المختلفة.
الرفاق في منظمة الحزب في ألمانيا.
لكم جميعاً خالص الشكر والتقدير لحضوركم ومشاركتكم هذا الوداع الأخير، ووقوفكم معنا في هذه اللحظة الثقيلة من الفراق، وفاءً لذكرى فقيدنا الغالي أبو داود، وتعبيراً عن المحبة والاحترام لمسيرته التي امتدت عقوداً في خدمة قضايا شعبه والدفاع عن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية.
باسم عائلة الفقيد حميد مجيد موسى – وسن عبد الهادي (أم أسيل)، وابنته أسيل، وابنه عزيز – نرحب بكم جميعاً.
لقد عرفتم أبا داود رفيق درب وقائداً سياسياً ومناضلاً وطنياً. أما نحن، إضافة إلى ذلك، فقد عرفناه أباً وزوجاً وصديقاً، وقلباً كبيراً ملأ حياتنا بالمحبة والحنان.
لقد وهب أبو أسيل حياته لقضية آمن بها بعمق: الكفاح ضد الظلم والطغيان، والدفاع عن حق الإنسان في حياة حرة كريمة، وفي وطن يوفر لمواطنيه الأمان والعدالة والكرامة الإنسانية.
كانت هذه القيم بالنسبة له طريقاً اختاره بإيمان راسخ وسار فيه بثبات، وكانت بالنسبة لنا أيضاً المعنى الذي جعلنا نتفهم غيابه الطويل عنا في فترات كثيرة، وهو يمضي في دروب الكفاح بعيداً عن عائلته.
لقد تحمّلنا فراقه مرات عديدة في حياته، حين كانت المسؤولية والنضال يأخذانه بعيداً عنا لسنوات. لكن هذا الفراق مختلف… فهذه المرة هو وداع لا رجعة فيه، وداع يترك في القلب فراغاً لا يملؤه إلا الصبر والذكرى.
ومع ذلك فإن عزاءنا كبير بما تركه في حياتنا من محبة، وبما غرسه في قلوبنا من قيم النبل والصدق والالتزام. وإن ما يخفف من وطأة حزننا العميق هو ما لمسناه من تضامنكم معنا ومواساتكم لنا، وما شهدناه من مشاعر صادقة عبّر عنها محبوه في العراق وخارجه، سواء في الحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي، أم في أوساط القوى الوطنية والإسلامية، حيث عبّر طيف واسع من أبناء الشعب العراقي الأبي عن حزنهم لفقدانه واستذكارهم مواقفه وسيرته.
لم يكن أبو عزيز ملكاً لعائلته وحدها، فقد كان واحداً من القيادات التي نذرت نفسها لخدمة شعبها والدفاع عن قضاياه، ولا سيما قضايا الكادحين والبسطاء والمحرومين، وفي ذلك عزاؤنا.
وإذا كنتم اليوم تودّعون صديقاً ورفيقاً وقائداً شيوعياً وطنياً ديمقراطياً، فإننا نحن نودّع رب أسرتنا. عرفناه إنساناً رقيق القلب، طيب الروح، عميق المحبة، صادقاً مع نفسه، وبقي حتى اللحظة الأخيرة من حياته أميناً لقيمه وأفكاره، المنحازة لحياة كريمة وجميلة وهانئة، حياة تسودها العدالة والإنصاف، بعيداً عن القهر والإذلال.
وبالشجاعة نفسها التي عرفها فيه كل من رافقه في دروب الكفاح، استقبل الرحيل بطيب نفس، متصالحاً مع ذاته، هادئاً كما عاش دائماً.
وكانت وصيته لنا أن نواصل حياتنا كما اعتدنا، وأن نكفّ عن الحزن، وألا نثقل عليكم بطقوس الوداع، وأن يكون تشييعه بسيطاً كما كانت حياته دائماً: هادئاً وصادقاً وخالياً من المظاهر.
شكراً لكم جميعاً على وقوفكم معنا في هذه اللحظة الصعبة، وعلى وفائكم لذكراه.
لفقيدنا طيب الذكر، وستبقى سيرته الطيبة حية في قلوب من عرفوه وشاركوه درب الحياة والنضال. سيبقى طيب أثره، وغنى روحه المتسامحة، ووداعته، معيننا في تحمّل هذا الفقد الكبير، وستبقى ذكراه حاضرة في قلوبنا كما هي حاضرة في قلوبكم.
أخيراً، لقد حان حمل نعشك. نم قرير العين.. ارقد رقدتك الأبدية بهدوء وسلام. سيبقى حضورك معنا في الذاكرة، وفي القيم التي عشت من أجلها، وفي الدرب الذي شاركت رفاقك في رسم ملامحه للعراق الذي تحب. وها نحن نهتف في هذه اللحظة بالحماسة ذاتها، وبالهتاف الذي كان يطيب لك:
(سنمضي سنمضي إلى ما نريد.. وطن حر وشعب سعيد).
ــــــــــــــــــــ
قدمها الرفيق جاسم الحلفي
***********************************
في وداع الرفيق أبي داود
حميد الخاقاني
مَرَّةً أخرى يمضي بي زماني هذا للكتابة فيما تَشُقُّ عَلَيَّ كتابته وقراءتُهُ وسَماعُهُ كذلك. وهو أنْ نندِبَ رحيلَ رفيق دربٍ، وصديق تُؤثِرُه النفسُ، وتستطيبُ صحبتَهُ، والجدَلَ معه فيما يشغلُنا من قضايا الفكر والسياسة والاجتماع، والحياة عموماً. وها هيَ لحظةُ الفقدان الموجِع هذه قد أزِفَتْ عجولةً مرة أخرى، ليغادرنا فيها رفيقنا (أبو داوود)، هذه المرة.
أعرف أنَّ وجعَ الفقدان هذا سيظل يُصاحب كُلَّ من عرفه وصاحَبَهُ وعملَ معه. أنا عرفته مطلعَ سبعينيات القرن الماضي، بعد اختياري التفرُّغَ للعمل في صحيفة (طريق الشعب). وكان أوّل ما لفتَ انتباهي فيه، هو أنه لا يحضر إلاّ وحضر معه لُطفهُ وهُدُؤهُ، وعُمقُ إصغائه لما يُقال، وتفاعُله مع القائل وما يقولُهُ، سواء تطابقِ معه أو تقاطَعَ. كان يواجه اللامعنى مُتشَبِّثاً بالمعنى الذي يمنحُ الحياةَ والأشياء قيمتَها ومعناها.
وعرفتُ فيه عمقَ إيمانه بأنّ تاريخ الإنسان الحَق لا معنى له، إنْ لم يكُنْ متماهيا ومتفاعلاً مع تاريخ الإنسانية وتطوّرِها في شَتّى حقول الحياة. وكان الفقيد يرى بأنَّ فكرة العدالة والاشتراكية لا تتحقق عَبرَ إعادة توزيع الثروات فحَسْب، وإنما من خلال تحرير الإنسان أساساً، بحيث يكون أثمنَ رأسمال، في هذا العالم، حقاً. تحريره من أن يغتربَ عن نفسه وذاته. واغترابه هذا يعني، في الأساس، اغترابَ عقله وغيابَهُ عنه. وغياب العقل هذا يعني، بالضرورة، غيابَ الوعي اليقظ الذي ينبغي أنْ يُسَيِّرَنا، ويتحكَّم بخيارتنا، وليس ما يريده له ومنه الآخرون ذوو التفكير الضيّق والنظرة الأحادية للأشياء.
والحُلم الماركسي ذو الجوهر الإنساني، كما يراه الفقيد ويفهمُه، ليس تحرير الفئات المسحوقة من بني الأنسان وحدها، وإنما خلاص الوجود الإنساني بأكمله.
وكان (أبو داوود) يؤمن، وكما لَمَستُ في لقاء وحوار لي معه في ألمانيا، بأن التجديد، في جوهره، فلسفة حياة. وهو لا يعني استبدالَ وجوهٍ بوجوهٍ غيرِها، بل هو حركة حياة يعود معها الإنسان والمجتمع، والحياة السياسية والحزبية، وكذلك الدولة، إلى الحرية والديمقراطية الحقة. الصائب والحَيّ من الأفكار وأساليب العمل والإدارة، تستعيدُ، مع التجديد حيويتها، وينبغي أن تَظلَّ، في عُرْفِ فقيدنا، كتابا مفتوحاً قابلاً للإضافة، وأن يُطورَ، هذا التجديد، ما تتوق إليه الحياة، ويتطورُ ويتغَيَّر هو معها وبفضلها.
وينبغي لأفكار التجديد وروحه، أن تكون محطةً تأمُّلٍ مفتوحة لدراسة تاريخنا، وتعميق وعينا للأشياء نقديا. وكما نعرف فإنّ روح التجديد الحقيقي تشترط، في المقام الأول، تفكيكَ الظواهر والأحداث والخيارات، في سياقتها التاريخية، وتأمّلها معرفياً، وبما يتوافق مع حاجات مجتمعنا وأزماته، وما يصبو إليه، وينتظره منّا. أهمية هذا التفكيك وهذا التأمل النقدي أنهما جزء من إعادة بناء لا تتوقف للإنسان، والحياة والعقل والحزب كذلك. كلُّ شيئ، حتى المُقدس!، قابلٌ للنقد والمراجعة.
غياب أبي داوود خَلّفَ فراغاً، لم يكن ليشغله سواه.
****************************************
حميد مجيد موسى .. سيرة نضال تبقى حية في ذاكرة الوطن
نجيب اسطيفان
مشاعر الحزن الصادقة جمعتنا اليوم لنكون إلى جانب أختنا العزيزة السيدة المحترمة أم أسيل وابنتها وابنها. وفي جو من الوقار، وببالغ الحزن والأسى، نؤبن ونودّع السياسي الرائد والمفكر التقدمي والإنسان الرمز، فقيدنا الغالي حميد مجيد موسى (أبو داود)، الذي كان منذ مطلع شبابه مناضلاً هانت أمامه الصعاب والتحديات والمخاطر، وأعدّ نفسه للوقوف إلى جانب البسطاء والفقراء والكادحين، مؤمناً إيماناً راسخاً بعدالة قضيته.
أقولها بصدق وأمانة، وأنا أكتب هذه المرثاة المتواضعة: حبست دموعي بصعوبة، ولمسات الكون بسطت أمام عيني صورة تظهر عزيزنا وهو يخفي آلامه ومعاناته ليبعد القلق عمّن حوله، وإلى جانبه أم أسيل تمرّ عليها ساعات الليل ثقيلة عصيبة، وتبدو لها طلائع أنوار الصباح الأولى شاحبة مهمومة. وشعرت، وكأنني أرى ظلال فقيدنا تلوح في الأفق البعيد؛ تقدّمت وناديته بشوق لأعانقه، لكن خاب أملي، ولم تتلقَّ أذني سوى صوت خافت يقول:
لا... لا... أنا لم أعد بعد من دنياكم، أنا راحل عنكم، وما أبتغيه أن تحتفظوا لي بذكري بينكم، وأن تتحدثوا عني بما أستحقه وأكون جديراً به.
تمالكت نفسي وأجبت: يا أبا أسيل، إن ذكراك ستبقى شهباً يتلألأ في سماء الوطن. لقد جعلني طلبك هذا أقلب بعض صفحات حياتك؛ فعندما نظرت يساراً رأيتك حاملاً على كتفيك عبئاً ثقيلاً من هموم الوطن، وعندما التفت يميناً شاهدتك صابراً لا ينتابك اليأس أو القنوط، وحين ألقيت نظرة إلى الوراء لم أجدك إلا في المقدمة، حاملاً الراية بيد واثقة مقتدرة.
ولو نطقت قمم جبال كردستان وكهوفها ووديانها لقدّمت شهادة أمينة تروي ما وقع هناك من هول الأحداث والمنازلات البطولية، وأنت شخصياً في خضمها.
يا أبا عزيز، لست ورقة فقدتها شجرتها في الخريف، بل شتلة تينع في خصوبة ذاكرة الأوفياء وتنتعش في دفء مشاعرهم.
غادرتنا يا أبا أسيل والحسرة في قلبك، والأمل في فكرك، مدركاً أن التطلعات الخيّرة قد تتعرض للإحباط أمام تفوق وتنوع إمكانات القوى المتحكمة. أقولها باعتزاز: لقد عرفتك إنساناً نبيلاً أميناً في تعاملك مع الجميع، صادقاً فيما تؤمن به. عرفتك تمتلك التواضع إلى جانب العزة، وتترفع عن الادعاء والخوض في الصغائر والسطحيات، أو الاستسلام أمام التصرفات العاطفية غير المحسوبة للبعض. وما لفت انتباهي أنني لم أرك مرة غضوباً أو انفعالياً، وهذه من خصال الحكماء.
أغمضت عينيك بعد مشوار طويل من تحمّل المسؤوليات الجسام ومقارعة الصعاب، وحققت لشخصك علواً معنوياً، وتركت إرثاً لا بد أن يُنظر إليه بتقدير عالٍ. وإذا غربت شمس حياتك بالموت، فإنها ستبقى مشرقة في ذاكرة الرفاق والمحبين، وما أكثرهم. وستبقى ظلالك حاضرة بينهم، لا سيما كلما حلّ الحادي والثلاثون من آذار، وكلما احتفل شغيلة العالم بعيدهم السنوي في الأول من أيار.
الآن أنحني إجلالاً أمام هامة الفقيد، وبقلب حزين أقول: وداعاً... وداعاً. وبعد أن أطلب له واسع الرحمة، ولروحه الطاهرة الهناء في مملكة الخلود، أقدّم خالص العزاء والمواساة القلبية لزوجته السيدة الوقورة أم أسيل، ولابنته العزيزة أسيل، ولابنه العزيز عزيز، ولصهره المحترم الدكتور عمار خزراعة، ولجميع أقربائه ورفاقه.
**********************************
مو حزن.. لكن حزين..
نصير جابر
من أزقة الحلة الدافئة، الوارفة، حيث تتناوشك عيون الأحبّة التي ترفو روحك كلّما مسّها السغب والتعب والهجران، حتى الثرى الغريب في المنافي، حيث الصقيع وعيون الغرباء الشوكية الباردة تنهش وحدتك وغربتك وصمتك.... مرورا بالتجارب الوجودية الصاخبة كلها، ها أنت تودع... الحياة التي حلمت بها، وطن حرّ وشعب سعيد لكن الجراح كانت أكثر غورا من الخاصرة.. والنبال أكثر من أيّ درع
ولك يل يسّريت الروح هدها
فراگك والألم والشوگ هدها
شفتها تلوب كونك مُحب هدها
حمامة بر حدر ضلعك دفيه
أنت إحميّد.. لو موش انته
نعم هو أنت المسجّى في زغب المواويل الدامعة، حينما تشوغ الروح في قحط ساغب، وهي تنده وترفرف على زمن ضاع في الألم العظيم، والعطش العظيم:
يالعابر مينه بليل أزرگ.. والشهگة تحطك وتشيلك
كلادة مهره تتشامر.... ع الليل نجوم تضويلك....
(إحميّد) الفتي الحلي الحالم ، العابر من( نكرة السلمان) و(الموقف العام ) من هور (الغموگة) إلى جبال كردستان، الناجي من غيوم النابالم والحرس القومي...سليل الحزب الوحيد الذي يحقّ له أن يكشف عن وجهه الأبيض بكلّ سطوع .....(إحميّد)...القائل:
جرّ البسمار من عيوني ..ونظف جرحي من التيزاب
عبرني الزنزانة الظلمة.. وذبني بزنزانة أزغر منها وسدّ الباب
وتّبسم والضحكة الصفره... طبعت سجّين إعله ضلعوني
گلي: دلينه بمسؤولك..؟
ما أندل، ضميته.. وغافلني وطاح وي دموعي
دگ جفي ببسمار الحايط.. وعشر اسنين مگابل جوعي.
وردني.. وهسه من اطلعك... شتسوي؟... گتله أرجع للحزب شيوعي............
إحميّد.... الثابت الراسخ، الوطني، العراقي، هاهم (فهد) (صارم) (سلام)...(زكي) (حازم)...(عايدة) (موفق). (ثمينة )... كلهم.. عند ضفاف الموقف الرفيع
يلوحون لك ...لقد أديت الأمانة ...وبلغت الكلمة:
ينصون وأنته تعله ..كل يوم مجدك أعلى
مثل الشعر والألوان ..مثل الفرح والأحزان
مثل الفرات ودجلة.
نادي الكتّاب في كربلاء ينعى رحيل المناضل حميد مجيد موسى
بمزيد من الألم والأسى ينعى نادي الكتّاب في كربلاء رحيل المناضل العنيد حميد مجيد موسى (أبو داود). هكذا هو قدر المناضلين العراقيين؛ يرحلون بصمت بعيداً عن الوطن بعد أن أفنوا سنين عمرهم من أجل وطن حر وشعب سعيد.
لقد نكروا ذواتهم ليحفظهم التاريخ، وليبقى أثرهم حاضراً في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه.
وداعاً أيها الكبير.. أبو داود.
منظمة الحزب في روسيا تستذكر الرفيق حميد مجيد موسى
موسكو ـ طريق الشعب
عقدت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في روسيا، يوم الثلاثاء الماضي، جلسة استذكارية بمناسبة رحيل السكرتير السابق للحزب، الرفيق حميد مجيد موسى إلى مثواه الأخير.
وافتتح الجلسة سكرتير المنظمة الرفيق حسن النداوي، ودعا الحاضرين للوقوف دقيقة حداد على روح الفقيد، قبل أن يقدم الكلمة للرفيق دكران يوسف لإلقاء نعي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي للمناضل أبو داود.
تحدث سكرتير المنظمة عن السيرة الذاتية للفقيد منذ أيام شبابه، متدرّباً في النشاط الوطني قبل التحاقه بصفوف الحزب الشيوعي، ومشاركته في مختلف أشكال الكفاح، وبرز كقائد شيوعي بارز ليصبح سكرتيراً للحزب، مقدمًا لمحة عن صفاته الشخصية كمناضل ثابت وأمين على مصالح الشعب والوطن.
ثم ألقى الرفيق دكران يوسف نعي منظمة الحزب في روسيا، والذي نشرته طريق الشعب في عددها 85 الصادر يوم الخميس 5 آذار 2026 بعنوان: "الفقيد قاد الحزب إلى تجديد المنطلقات والتوجهات الفكرية".
بعدها، قرأ سكرتير المنظمة مجموعة كبيرة من رسائل التعزية والمواساة التي وردت من الأحزاب والمنظمات والحركات والشخصيات الوطنية العراقية والعربية، ومن كبار المسؤولين العراقيين، والتي تشهد على مسيرة النضال الطويلة للفقيد.
وتلقت المنظمة رسالة تعزية من الحزب الشيوعي الروسي – القسم الدولي جاء فيها: "بالنيابة عن الحزب الشيوعي الروسي نعبر عن خالص تعازينا لعائلة الفقيد ولرفاق وأصدقاء حزبكم."
وشارك في الجلسة صديقنا الرفيق أبو فراس، رئيس اتحاد الجمعيات العربية في روسيا، الذي تحدث عن دور الفقيد في تعزيز العلاقات بين الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية العربية، وعن الوضع السياسي المعقد في سوريا.
كما تطرّق الدكتور وليد شلتاخ إلى مسيرة النضال للسكرتير السابق أبو داود، مشيراً إلى أبرز صفاته الشخصية وقدراته القيادية وصموده الراسخ حتى آخر لحظة من حياته.
وختاماً، شارك رفاق وأصدقاء المنظمة بعرض مشاهد من حياة الراحل، وألقى الشاعر الشعبي زاهر الشاهين قصيدة تحيي نضال الفقيد بعنوان:
لن تسقط الراية
يرحل الشرفاء وتبقى الهُوام والرمم
لن تسقط الرايات ستقوى الهمم
