مع تزايد الحديث عن إمكانية اعتماد التعليم الإلكتروني كخيار احترازي في الجامعات والمدارس العراقية، تتجدد التساؤلات حول جاهزية الطلبة والمعلمين للتعامل مع هذا النظام، ومدى فعاليته مقارنة بالدراسة الحضورية.
وكانت تجربة العراق السابقة خلال جائحة كورونا قد كشفت عن فجوات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، وغياب التدريب الكافي، وضعف التحفيز لدى الطلبة، فيما تواجه المناطق الاطراف تحديات إضافية بسبب محدودية الأجهزة وضعف خدمات الإنترنت.
اليوم، يواصل مراقبون وخبراء التعليم استعراض أبرز الصعوبات المحتملة، وسط توجيهات وزارية للاستعداد المبكر، في ظل تلميحات إلى اللجوء للتعليم الإلكتروني إذا ساءت الأوضاع الراهنة.
يقول محمد صالح، طالب جامعي في إحدى الجامعات، إن أغلب الطلبة يشعرون بالارتياح عند الحديث عن تحويل الدوام إلى التعليم الإلكتروني، لأنه يقلل من التنقل والالتزامات اليومية، خاصة للطلبة الذين يعملون، والبعض الاخر يفضلون الدراسة من المنزل، لكنه يتحدث بصراحة عن الواقع قائلاً إن مستوى الدراسة في النظام الإلكتروني لا يصل إلى المستوى المطلوب، حتى هم كطلبة لا يشعرون بالتحفيز الكافي للمتابعة والمذاكرة.
ويضيف صالح لـ"طريق الشعب"، أن المشاكل التقنية تمثل عائقا كبيرا، من بينها صعوبة رفع الملفات على منصات الجامعة، وتأخر تحميل المحاضرات أو الواجبات، فضلاً عن صعوبة أداء الامتحانات الإلكترونية بشكل منتظم، ما يجعل تجربة التعلم عن بُعد أقل فاعلية مقارنة بالدراسة الحضورية.
ويشير إلى أن هذه الصعوبات تؤدي إلى شعور بعض الطلبة بالإحباط والخوف من التأخر الأكاديمي أو الرسوب رغم بذلهم جهوداً كبيرة.
اجراء احترازي!
ووجهت وزارة التعليم الجامعات الحكومية والأهلية تسجيل الطلبة في منصة التعليم الإلكتروني الذكي IQ-Learn خلال الأسبوع الجاري، وطالبت التدريسيين رفع المحاضرات والواجبات التعليمية على المنصة. فيما اكدت ان التسجيل سيكون مجانيا بعد ان فرضت أجور في وقت سابق.
وقال النائب محمد البياتي، إن استعداد وزارتي التربية والتعليم العالي لإمكانية الانتقال إلى التعليم الإلكتروني يأتي ضمن إجراءات احترازية تحسباً لأي طارئ قد تفرضه الظروف التي تمر بها المنطقة.
وأوضح البياتي في حديث تابعته "طريق الشعب"، أن الإعداد المبكر لهذا الخيار يعكس قراءة واقعية لطبيعة الأحداث الجارية، خاصة في ظل صعوبة التنبؤ بتداعياتها أو مدى امتدادها مستقبلاً.
وأضاف أن القرار النهائي بشأن اعتماد التعليم الإلكتروني سيبقى مرتبطاً بطبيعة الأوضاع والتحديات التي قد تفرض نفسها على المشهد العام.
وأشار إلى أن التعليم الإلكتروني، رغم ما يواجهه من بعض السلبيات، يبقى بديلاً يمكن اللجوء إليه لحماية الطلبة في حال استدعت الضرورات الأمنية ذلك، لافتاً إلى أن هذا الخيار ما يزال مطروحاً للنقاش ولم يصل إلى مرحلة التنفيذ لعدم وجود حاجة فعلية لاعتماده في الوقت الراهن.
في ظل التلميحات إلى إمكانية اعتماد التعليم الإلكتروني في حال تدهورت الأوضاع الحالية، يتوقف مراقبون عند أبرز التحديات التي قد تواجه هذا النوع من الدراسة، مستحضرين تجربة العراق السابقة مع التعليم عن بعد وما رافقها من مشكلات.
نقاط الضعف!
يقول الناشط التعليمي والمدرس م. ليث العبيدي إن تجربة التعليم الإلكتروني التي طبقت في العراق خلال جائحة كورونا كشفت عن العديد من نقاط الضعف في النظام التعليمي، موضحاً أن أبرز الأخطاء تمثلت في الانتقال المفاجئ إلى التعليم الرقمي دون وجود بنية تحتية حقيقية تدعمه.
ويشير إلى أن ضعف خدمة الإنترنت في كثير من المناطق، وعدم توفر أجهزة مناسبة لدى عدد كبير من الطلبة، فضلاً عن غياب التدريب الكافي للمعلمين على استخدام المنصات التعليمية، جعل التجربة محدودة الفاعلية، وأثر بشكل واضح على مستوى التحصيل العلمي للطلبة.
ويضيف العبيدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أنه في حال عودة التعليم الإلكتروني أو اعتماد نموذج التعليم المدمج، فإن نجاحه يتطلب معالجة تلك المشكلات بشكل جدي، من خلال تحسين خدمات الإنترنت داخل المدارس والمنازل، وتوفير منصات تعليمية موحدة وسهلة الاستخدام، إضافة إلى تنظيم برامج تدريب حقيقية للمعلمين حول أدوات التعليم الرقمي وأساليب التدريس عن بعد، كما يؤكد أهمية توعية الطلبة وأولياء الأمور باليات التعلم الإلكتروني لضمان التفاعل والمتابعة، لأن العملية التعليمية لا تعتمد على التقنية فقط، بل على استعداد جميع الأطراف للتعامل معها.
ويرى العبيدي أن "العراق لم يصل بعد إلى مرحلة الجاهزية الكاملة لتطبيق التعليم الإلكتروني بشكل واسع، رغم وجود بعض التحسن مقارنة بسنوات الجائحة. ويبين أن التحديات ما زالت قائمة، خصوصاً ما يتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية والفجوة التقنية بين المدن والمناطق النائية، فضلاً عن الحاجة إلى سياسات تعليمية واضحة تدمج التكنولوجيا في التعليم بشكل تدريجي ومدروس، بما يضمن عدم تكرار الإخفاقات التي رافقت التجربة السابقة".
العوائل الفقيرة تواجه مصاعب مالية
فيما تقول مدرسة في إحدى المناطق الطرفية بمحافظة النجف، نوار الياسري إن الحديث عن الاعتماد على التعليم الإلكتروني لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تلك المناطق، موضحة أن أغلب الأطفال هناك لا يمتلكون هواتف ذكية مؤهلة لتشغيل التطبيقات التعليمية أو التعامل معها بشكل صحيح. وتبين أن عددا كبيرا من العوائل يعتمد على هاتف واحد فقط داخل المنزل، وغالبا ما يكون بسيط الإمكانيات أو مخصصا للاستخدامات الأساسية، الأمر الذي يجعل متابعة الدروس عبر المنصات الإلكترونية أمراً صعباً بالنسبة للطلبة.
وتضيف لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا تقتصر على الأجهزة فقط، بل تمتد أيضاً إلى ضعف الوصول إلى خدمة الإنترنت، إذ لا تزال بعض العوائل خارج إطار استخدام الشبكة بشكل منتظم، إما بسبب ضعف التغطية أو لعدم القدرة على تحمل كلف الاشتراك. وتشير إلى أن هذه الظروف تجعل الكثير من الطلبة مهددين بالانقطاع عن التعلم في حال الاعتماد الكامل على التعليم الإلكتروني.
ولفتت الى ان العديد من التدريسسين خاصة كبار السن، يواجهون أيضا صعوبات في التعامل مع هذا النوع من التدريس، منها صعوبة في ارفاق فيديوهات للشرح او التواصل مع الطلبة.
وذكرت أن تجربة جائحة كورونا كشفت بوضوح عن حجم هذه الفجوة، لافتة إلى أن عدداً من الطلبة تم نجاحهم خلال تلك الفترة رغم أنهم لم يحققوا المستوى الدراسي المطلوب، وذلك مراعاة للظروف الصعبة التي كانوا يمرون بها وعدم قدرتهم على متابعة الدروس بشكل منتظم.
واكدت أن أي عودة للتعليم الإلكتروني ينبغي أن تسبقها معالجة حقيقية لهذه التحديات، حتى لا تتكرر المشكلات نفسها التي أثرت في مستوى التعليم خلال التجربة السابقة.