تتواصل التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للعدوان الأمريكي ـ الصهيوني على إيران والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، في وقت دخلت فيه الأسواق النفطية مرحلة اضطراب حاد، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتأثيراته على الإمدادات العالمية وحركة الطاقة في المنطقة.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يجد العراق نفسه أمام تحديات مركبة تتداخل فيها الضغوط الأمنية مع الأزمات السياسية والاقتصادية، ما يضع البلاد أمام اختبار صعب في إدارة الاستقرار الداخلي في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
فالمشهد العراقي يتحرك اليوم عند تقاطع أزمتين متداخلتين؛ الأولى سياسية تتمثل في استمرار الانسداد الحكومي وتصاعد الخلافات بين القوى المتنفذة. والثانية اقتصادية تحاول الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والنقدي رغم هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.
ويأتي هذا في وقت تتصاعد فيه حدة النزاع العسكري في المنطقة، الأمر الذي يضاعف الضغوط الإقليمية والأمنية المحيطة بالعراق، ويضعه أمام تحديات معقدة، تتطلب قراراً سياسياً حاسماً وإدارة اقتصادية أكثر توازناً، وهو ما يراه مراقبون أنه لم يتحقق حتى الآن.
تحرك دبلوماسي لعقد جلسة أممية طارئة
في هذا السياق، تحركت الحكومة العراقية دبلوماسياً في محاولة للحد من تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة.
وأجرى رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، أمس الاثنين، اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بحثا خلاله تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة وتداعيات العمليات العسكرية على الأمن الإقليمي والدولي وسلاسل الإمدادات العالمية.
وذكر مكتب السوداني في بيان، أن الجانبين شددا على ضرورة تعزيز التنسيق بين المجتمع الدولي ومؤسساته لوقف التصعيد ومنع تحوله إلى تداعيات يصعب احتواؤها، مؤكدين أن الحوار البناء يمثل المسار الأمثل لتحقيق التهدئة ومنع اتساع الصراع.
واتفق الطرفان على العمل المشترك لعقد جلسة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة تداعيات الحرب والحد من توسعها.
وأشار السوداني إلى أن العراق حذّر مراراً من مخاطر التصعيد في المنطقة وما قد يفضي إليه من فوضى وزعزعة للاستقرار وتغذية الفكر المتطرف وتصاعد الإرهاب، مؤكداً أن انعكاسات ذلك لن تقتصر على دول المنطقة فحسب، بل ستمتد إلى أوروبا وتهدد الأمن والسلم الدوليين.
الأعرجي يؤكد الالتزام بالاتفاق الأمني مع إيران
وفي السياق ذاته، أكد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي التزام العراق بالاتفاق الأمني الموقّع مع إيران بشأن الجماعات المعارضة، وذلك خلال استقباله سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق كليمينس زيمتنر.
وذكر مكتب الأعرجي أن اللقاء تناول علاقات التعاون بين العراق ودول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى بحث التطورات الإقليمية وتداعيات الحرب الجارية على السلم الإقليمي والدولي.
وأشار الأعرجي إلى أن الحكومة العراقية تتحمل مسؤوليتها في حماية البعثات والسفارات الدبلوماسية العاملة في البلاد، وتعمل دبلوماسياً مع الدول الصديقة والشقيقة من أجل إيقاف الحرب ومنع اتساعها، داعياً إلى أن “يعلو صوت السلام والعودة إلى طاولة الحوار والتفاهم”.
كما أكد التزام بغداد بالاتفاق الأمني بين العراق وإيران، بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان، لمنع أي نشاط للجماعات المعارضة الإيرانية داخل الأراضي العراقية، انسجاماً مع الدستور الذي يحظر استخدام الأراضي العراقية للقيام بأي نشاط عدائي ضد الدول الأخرى.
من جهته، أكد سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق أن الاتحاد الأوروبي ليس طرفاً في الحرب الجارية، لكنه يعمل مع شركائه من أجل وقفها ومنع اتساعها، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي وحل النزاعات عبر الحوار والتفاوض بعيداً عن التصعيد العسكري.
قفزة قياسية في أسعار النفط
اقتصادياً، شهدت الأسواق النفطية قفزة حادة مع تصاعد الحرب، إذ ارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 20 في المائة لتسجل أعلى مستوياتها منذ تموز 2022.
ووفق بيانات التداول، صعد خام برنت إلى 114.90 دولاراً للبرميل بزيادة بلغت 21.47 في المائة، فيما ارتفع الخام الأميركي إلى 113.65 دولاراً للبرميل بزيادة 22.75 في المائة.
وأفادت شبكة CNBC بأن الأسعار تقترب من مستوى 120 دولاراً للبرميل، في أكبر قفزة يومية تشهدها الأسواق منذ نحو أربعة عقود، وسط مخاوف من تعطل إمدادات الطاقة وحركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
وأوضح دانيال هاينز، كبير استراتيجيي السلع في بنك ANZ في سيدني، أن الأسعار ارتفعت بعد تقارير تحدثت عن خفض بعض منتجي النفط في الشرق الأوسط إنتاجهم نتيجة امتلاء مرافق التخزين بسرعة، مشيراً إلى أن استمرار خفض الإنتاج قد يبقي الأسعار مرتفعة لفترة أطول.
تراجع إنتاج النفط
في المقابل، كشفت تقارير عن تراجع إنتاج النفط العراقي بشكل حاد من نحو 4.3 مليون برميل يومياً إلى ما يقارب 1.3 مليون برميل يومياً نتيجة تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وأدى هذا الانخفاض إلى تراجع الصادرات العراقية إلى أقل من 800 ألف برميل يومياً، ما أحدث تأثيراً مباشراً على المصافي وشركات البتروكيمياويات في آسيا، ولا سيما في الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط العراقي.
كما دفع نقص الإمدادات بعض المصافي الصينية إلى تقليص تشغيل وحداتها أو إيقاف بعض خطوط الإنتاج، في حين اتجهت شركات أخرى إلى البحث عن مصادر بديلة من أفريقيا وأميركا اللاتينية لتعويض النقص.
في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الشحن البحري والتأمين نتيجة المخاطر الأمنية في مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار المنتجات البتروكيمياوية في الأسواق الآسيوية.
وأظهرت بيانات صادرة عن بنك “جيه بي مورغان” أن العراق يعد من أقل دول الخليج قدرة على تخزين النفط، إذ لا تتجاوز طاقته التخزينية نحو ستة أيام فقط، مقارنة بالسعودية التي تمتلك قدرة تخزينية تصل إلى 65 يوماً في حال إعادة توجيه الصادرات.
توترات أمنية
أمنياً، أفاد مصدر في أربيل بأن منظومة الدفاع الجوي التابعة لقوات التحالف تصدت لطائرات مسيّرة استهدفت قاعدة عسكرية أميركية قرب مطار أربيل الدولي.
كما كشف مصدر أمني عن ضربة جوية استهدفت موقعاً تابعاً للواء 30 في الحشد الشعبي ضمن مناطق سهل نينوى قرب ناحية برطلة شرقي الموصل، دون أن تتضح حتى الآن الجهة المنفذة أو حجم الخسائر التي خلفها القصف.
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة الداخلية استنفار أجهزتها الرقابية لضبط الأسواق ومنع احتكار المواد الغذائية في ظل تداعيات الحرب.
وقال المتحدث باسم الوزارة العقيد عباس البهادلي إن الأجهزة المختصة اعتقلت حتى الأسبوع الماضي نحو 270 متهماً بالتلاعب بالأسعار، و204 متهمين بجرائم صحية، فضلاً عن ضبط 50 شخصاً بحيازة مواد غذائية منتهية الصلاحية وإدارة معامل غير مرخصة.
كما حذرت الوزارة من تصاعد الشائعات في أوقات الأزمات، مؤكدة امتلاكها أقساماً متخصصة في مكافحة الشائعات ومديرية لمكافحة الجرائم المعلوماتية تعمل بتقنيات متطورة لرصدها وتفنيدها.
انقسامات سياسية
على الصعيد السياسي، يرى الكاتب والصحافي سامان نوح أن حالة الفوضى والتخبط في اتخاذ القرارات داخل العراق ليست مفاجئة، بل تمثل نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات التي لم تُعالج منذ سنوات.
وقال نوح في حديث لـ"طريق الشعب"، إن غياب المواقف السيادية الواضحة لدى القوى الحاكمة أسهم في إضعاف سيادة الدولة وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، مشيراً إلى أن السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة جعلت العراق عرضة لتأثيرات خارجية متزايدة، سواء في علاقته مع إيران أو الولايات المتحدة.
وأوضح أن هذا الواقع انعكس في تعرض العراق لاستهدافات متعددة من أطراف مختلفة، في ظل غياب حكومة قوية قادرة على إدارة الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية بصورة فعالة.
وأضاف أن البلاد تمر حالياً بمرحلة حساسة في ظل وجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات واستمرار الخلافات السياسية، بالتزامن مع تصاعد التوترات في المنطقة، ما يجعل العراق بحاجة إلى حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على التعامل مع هذه التحديات.
وأكد أن حسم ملف تشكيل الحكومة بات ضرورة سياسية وأمنية، لأن استمرار الفراغ أو التأخر في اتخاذ القرار ينعكس سلباً على استقرار البلاد.
كما أشار إلى أن البرلمان العراقي، الذي يفترض أن يناقش التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع ومناكفات سياسية بين الكتل، في انعكاس واضح لحالة الانقسام التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة وهيمنة بعض القوى على المشهد البرلماني.
ولفت إلى أن الأزمة السياسية لا تقتصر على بغداد، بل تمتد أيضاً إلى إقليم كردستان، حيث ما تزال عملية تشكيل حكومة الإقليم متعثرة منذ أكثر من عام بسبب استمرار الخلافات بين القوى السياسية الكردية، رغم التحديات الأمنية والضغوط الإقليمية.
وختم بالقول إن المشهد السياسي في العراق، شمالاً وجنوباً، يعكس سوء إدارة للأزمات السياسية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، محذراً من أن استمرار الصراعات الحزبية وتغليب المصالح الضيّقة يزيد من تعقيد الوضع السياسي والأمني في البلاد.
استقرار نقدي مؤقت
اقتصادياً، أعلن البنك المركزي العراقي مؤخراً اتخاذ حزمة من القرارات خلال جلسة استثنائية لمجلس إدارته لمتابعة التطورات الاقتصادية والمالية ومراجعة مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وأكد البنك في بيان أن احتياطياته الأجنبية تغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات، مشيراً إلى امتلاكه الأدوات الكفيلة بالتعامل مع مختلف التطورات والحفاظ على استقرار الأسواق النقدية والمالية وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي.
وأوضح أن العراق يتمتع بمستوى مريح من الاحتياطيات الأجنبية والمصدّات المالية، ما يمنح السياسة النقدية قدراً من المرونة لمواجهة أي صدمات اقتصادية محتملة.
وفي تعليق على ذلك، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن تغطية الاحتياطيات الأجنبية لنحو 12 شهراً من الاستيرادات تعد مؤشراً إيجابياً وفق المعايير المالية الدولية، إذ يُعتبر الغطاء الذي يتراوح بين ثلاثة وستة أشهر مستوى مقبولاً للاستقرار النقدي.
وأوضح السعدي لـ"طريق الشعب" أن هذا المستوى يمنح البنك المركزي قدرة على تمويل الاستيرادات الأساسية ودعم استقرار سعر الصرف لفترة زمنية معقولة حتى في حال حدوث صدمات مؤقتة في الإيرادات النفطية.
إلا أنه حذر من أن قوة الاحتياطيات الأجنبية لا تعني بالضرورة سلامة الهيكل الاقتصادي، مشيراً إلى أن هذه الاحتياطيات تمثل مظلة مؤقتة للاستقرار النقدي، لكنها لا تعالج المشكلة الهيكلية الأساسية المتمثلة في الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على النفط كمصدر رئيسي للدولار.
وأضاف أن هذه المصدّات المالية قادرة على امتصاص الصدمات قصيرة الأمد، لكنها قد تتآكل تدريجياً إذا استمرت الأزمات لفترات طويلة أو تراجعت الإيرادات النفطية.
وفي ما يتعلق بارتفاع الدين العام إلى نحو 96 تريليون دينار، أشار السعدي إلى أن تقييمه يجب أن يتم في ضوء حجم الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي، لافتاً إلى أن العراق ما يزال ضمن الحدود المقبولة نسبياً مقارنة بالعديد من الدول، خصوصاً أن الجزء الأكبر من الدين داخلي.
وبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الدين فحسب، بل في طبيعة الإنفاق الذي يموله، موضحاً أن توجيه الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية مثل الرواتب والدعم قد يحوله إلى عبء مستقبلي، في حين أن توجيهه نحو المشاريع الإنتاجية يمكن أن يجعله أداة لتعزيز النمو الاقتصادي.
وشدد السعدي على أن أدوات البنك المركزي قادرة على امتصاص الضغوط قصيرة الأمد، لكنها لا تمثل بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن الضمان الحقيقي للاستقرار المالي في العراق يتمثل في تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط.
البرلمان بين التحديات والمناكفات
وفي سياق متصل، قال المحلل السياسي داود سلمان إن الجلسة الأخيرة لمجلس النواب التي خُصصت لمناقشة التحديات الأمنية التي تواجه العراق كان يفترض أن تشكل فرصة لتقييم جاهزية البلاد الدفاعية، لكنها تحولت إلى ساحة توتر ومشادات سياسية.
وأوضح سلمان في حديث لـ"طريق الشعب" أن الجلسة شهدت استضافة قادة في الجيش العراقي لعرض واقع القدرات العسكرية، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي والطيران وأنظمة التصدي للطائرات المسيّرة، بهدف تقييم مستوى الاستعداد العسكري في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
إلا أنه أشار إلى أن بعض النقاشات تحولت إلى هتافات وشعارات سياسية داخل قاعة البرلمان، ما عكس حالة من تضارب المصالح والانقسامات داخل المؤسسة التشريعية.
وبيّن أن العراق يمر بمرحلة حساسة سياسياً وأمنياً في ظل استمرار الانسداد السياسي ووجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات توسع الصراع في المنطقة.
وأضاف أن العديد من دول المنطقة اتخذت إجراءات احترازية لتعزيز دفاعاتها واستعداداتها الأمنية، بينما ما يزال العراق يعاني من غياب القرار السياسي الحاسم في إدارة الملفات الحساسة.
وأكد سلمان أن إنهاء حالة الانسداد السياسي يتطلب الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، مشيراً إلى أن الخلافات الحزبية والمصالح الضيقة ما تزال تعرقل الوصول إلى هذا الاستحقاق الدستوري.
وختم بالقول إن المصلحة الوطنية العليا يجب أن تكون المعيار الأساس في عمل القوى السياسية، محذراً من أن استمرار الخلافات والصراعات السياسية في ظل الظروف الإقليمية الراهنة قد يزيد من مستوى القلق الأمني والاقتصادي لدى الشارع العراقي.