تسعى الجهات الحكومية المختصة إلى إصلاح إدارة الموارد البشرية من خلال توحيد الهيكل الوظيفي واعتماد أوصاف دقيقة للوظائف، بهدف تعزيز العدالة الوظيفية ورفع كفاءة الأداء المؤسسي؛ إذ أن هناك فجوة واضحة ـ بحسب شهادات موظفين ـ بين المسمى الوظيفي والمهام الفعلية. فيما يرى خبراء اقتصاديون أن إعادة الهيكلة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب سيسهمان في تحسين الإنتاجية وكفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.
إعادة تنظيم إداري!
من جهته، ذكر المتحدث باسم مجلس الخدمة الاتحادي، فاضل الغراوي، أن المرحلة الراهنة تفرض التحول نحو مقاربات حديثة في إدارة الموارد البشرية الحكومية، تقوم على إعادة تنظيم البنية الإدارية للدولة بما يضمن العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص ويرفع من كفاءة الأداء المؤسسي. وقال الغراوي لـ"طريق الشعب"، أن المجلس وضع ضمن خطته لعام 2026 مساراً إصلاحياً يركز على إعداد هيكل وظيفي موحد يستند إلى معايير مهنية واضحة، إلى جانب صياغة أوصاف وظيفية دقيقة لكل عنوان، تحدد الواجبات والمسؤوليات والمؤهلات المطلوبة ومسارات التطور الوظيفي.
وبيّن أن هذه الخطوة تهدف إلى معالجة حالات التداخل والازدواجية في العناوين والمهام، والتي أثرت خلال السنوات الماضية في وضوح الصلاحيات وانسيابية العمل داخل المؤسسات، منوها بأن المجلس شرع بتشكيل فرق وزارية ميدانية برئاسة رئيس وأعضاء المجلس، وبمشاركة كوادر فنية وإدارية، تتولى زيارة الوزارات والمؤسسات والمحافظات وعقد اجتماعات مباشرة مع القيادات الإدارية والدوائر المختصة. وتهدف هذه اللقاءات إلى توحيد الرؤى، وتشخيص التحديات، ووضع آليات تطبيق عملية للهيكل الوظيفي الموحد، بما ينسجم مع متطلبات الإصلاح الإداري وتحديث البنية المؤسسية.
وأردف أن مشروع توحيد الهيكل الوظيفي لا يقتصر على إعادة تنظيم العناوين، بل يتكامل مع محاور إصلاحية أخرى، من بينها تطوير برامج التدريب والتأهيل وفق الاحتياجات الفعلية، واعتماد نظام علمي لتقييم الأداء قائم على مؤشرات موضوعية، وتعزيز تخطيط الموارد البشرية على المستوى الوطني، فضلاً عن تسريع إجراءات التحول الرقمي في إدارة شؤون الوظيفة العامة.
كما شدد على أهمية مواءمة السياسات الإدارية مع مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة، بما يسهم في بناء جهاز إداري مهني قادر على مواكبة متطلبات التنمية ودعم تنفيذ البرنامج الحكومي بكفاءة واستدامة.
واختتم بالتأكيد على أن توحيد الهيكل الوظيفي واعتماد الوصف الدقيق للوظائف يمثلان الحجر الأساس لإرساء إدارة عامة أكثر انضباطاً وفعالية، تضع الكفاءة معياراً أساسياً في التوظيف والترقية، وتعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
العنوان الوظيفي لا يشبه الواجب اليومي
تقول لميس جبار، موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، إن العنوان الوظيفي الذي تحمله لا يعكس طبيعة المهام التي تؤديها فعلياً. وتشير إلى وجود فجوة واضحة بين المسمى الوظيفي والواجبات اليومية، موضحة أن التعيين في الوظائف الحكومية لا يعتمد بالضرورة على الاختصاص، حتى في حال كانت الوظيفة تتطلب معرفة محددة.
وتضيف جبار لـ"طريق الشعب"، أن طبيعة العمل داخل الدوائر الحكومية غير مستقرة ومتذبذبة، ما يدفع الموظف أحياناً للعمل في مهام خارج تخصصه، سواء كانت إدارية أو ترجمة أو متابعة فحوصات فنية، بعيداً عن اختصاصه الهندسي أو البحثي.
وتشير إلى أن غياب الوظائف التشغيلية أو البنية التحتية المناسبة في البلاد يجعل من الصعب ممارسة العمل بطريقة تخصصية، حتى على صعيد البحث العلمي، موضحة أن هذا الواقع يؤثر بشكل مباشر على سير العمل والإنتاجية، ويحد من تطوير الخبرات العملية للموظفين الجدد، مقارنة بالموظفين القدامى الذين يمتلكون خبرات متراكمة، لكنهم غالباً يحتكرون المعرفة ولا يشاركونها مع الأجيال الجديدة. ونتيجة لذلك، تشهد المؤسسات فجوة بين أصحاب الخبرة والموظفين الجدد، ما يضعف نقل المعرفة ويؤثر على استمرارية التخصصات والمهارات داخل الدوائر الحكومية.
وتعتقد جبار إلى أن الخبرة العملية لبعض الفنيين في الدوائر أحياناً تفوق المؤهلات الأكاديمية مثل البكالوريوس أو الماجستير، إلا أن احتكار الخبرة لديهم يمنع استغلالها في تدريب الموظفين الجدد، ما يجعل بعض المعارف الحيوية حبيسة عند أصحابها ويصعب الاستغناء عنهم في المؤسسات الحكومية.
وتختم جبار بالقول: إن غياب وصف وظيفي دقيق وواضح يؤدي إلى تراجع القيمة العملية للوظيفة، ويجعل سنوات العمل تمر دون اكتساب خبرة حقيقية مرتبطة بالتخصص، ما ينعكس سلباً على تقييم الأداء وكفاءة الجهاز الإداري.
لمعالجة الترهل الوظيفي
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والاستشاري علاء الفهد أن الهياكل الوظيفية تمثل الحجر الأساس في بناء أي مؤسسة حكومية أو خاصة، كونها تشمل الهياكل التنظيمية والإدارية التي تُبنى على أساس الواجبات القانونية والنظام الداخلي لكل مؤسسة، موضحاً أن الهيكل التنظيمي يعكس طبيعة الأقسام والشُعب والتقسيمات الإدارية أو الإنتاجية داخل المؤسسة، ومن خلاله يتم تحديد الهياكل الوظيفية، بما في ذلك الأوصاف الوظيفية والمهام المرتبطة بكل قسم أو شعبة.
وأضاف الفهد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن العراق يعاني منذ سنوات من مشكلة ترهل الهياكل التنظيمية والوظيفية، الأمر الذي انعكس سلبا على كفاءة الأداء والإنتاجية داخل المؤسسات الحكومية، مبينا أن هذه الإشكالية دفعت مجلس الوزراء إلى إصدار قرارات تهدف إلى معالجة الخلل، حيث أنيطت مهمة إعادة دراسة الهياكل الوظيفية والتنظيمية والهيئات الإدارية بشكل عام بمجلس الخدمة العامة الاتحادي.
وتابع أن مجلس الخدمة الاتحادي شكل لجنة متخصصة ضمت في عضويتها ممثلين عن وزارة المالية ووزارة التخطيط والأمانة العامة لمجلس الوزراء، إلى جانب عدد من الوزارات الأخرى، بهدف مراجعة المهام والمتطلبات الخاصة بكل تشكيل إداري، وإعادة تقييم الاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
وبين الفهد أن انعكاسات هذه الخطوة ستكون إيجابية على المدى القريب والبعيد، إذ ستسهم في تقليل الترهل الوظيفي، وتحقيق مبدأ “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب”، من خلال اعتماد أوصاف وظيفية دقيقة تتوافق مع العناوين والاختصاصات الحقيقية.
وأكد أن هذه المسؤولية تقع على عاتق مجلس الخدمة الاتحادي، الذي يتولى دراسة كل وظيفة وتحديد الجهة أو الشخص الأنسب لأدائها.
وختم حديثه بالتأكيد على أن إعادة الهيكلة وإعادة تدوير الموظفين وفق اختصاصاتهم ستؤدي إلى رفع مستوى الإنتاجية وتقليل الهدر، مشيرا إلى أن توظيف أصحاب الاختصاص في المواقع التي تحتاجهم فعليًا سيكون له دور كبير في تحسين جودة العمل وتعزيز كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.