اخر الاخبار

لم يعد الجفاف في ذي قار مجرد أزمة بيئية عابرة، بل تحول إلى واقع يومي يدفع بسببه السكان ثمناً باهظاً من استقرارهم وأرزاقهم؛ فمع انحسار المياه وجفاف مساحات واسعة من الأهوار، تتزايد أعداد الأسر النازحة وتتعمق آثار الأزمة على الزراعة والثروة الحيوانية، فيما تواجه المدن المستقبِلة ضغوطاً خدمية واجتماعية متصاعدة.

سكان الاهوار يواجهون نمط حياة جديد

يقول علي كاظم (28 عاماً)، وهو شاب نزح مع أسرته من الأهوار إلى أطراف المدينة بحثاً عن مصدر رزق، إن قرار الرحيل لم يكن سهلاً، لكنه جاء بعد أن فقدت العائلة كل مقومات البقاء.

ويضيف في حديث لمراسل "طريق الشعب"، "إحنا ما طلعنا بإرادتنا، الأرض كانت حياتنا. كنا نزرع ونعتاش من تعبنا، نزرع الرز والخضراوات ونربي الجاموس، وكل شي مرتبط بالماء. لكن لما جفت الأرض وتراجع منسوب المياه، خسرنا المحصول وخسرنا مصدر رزقنا".

ويؤكد أن أصعب ما يواجهه اليوم هو البحث عن عمل مستقر، قائلاً: "بالمدينة ما عدنا خبرة بمهن ثانية، كل شغلنا كان بالزراعة. أدور يومية حتى أشتغل بأي شي، عمالة بناء أو تحميل وتنزيل، بس المنافسة قوية والفرص قليلة. مرات أرجع بدون شغل".

ويتابع أن النزوح لم يغير مكان السكن فقط، بل غير نمط الحياة بالكامل: "كنا عايشين ببساطة، عدنا أرض نزرعها ونعيش منها بكرامة. هسه إيجار بيت ومصاريف مي وكهرباء ونقل، وكلها أعباء إضافية".

ويشير إلى أن التعلق بالأرض لا يزال حاضراً رغم الجفاف، قائلاً: "الأهوار مو بس مكان، هي ذكريات وأهل وجيران وعادات. تركنا جزء من روحنا هناك، نتمنى نرجع يوم من الأيام إذا رجع المي ورجعت الحياة".

فقدان 90 في المائة من الثروة السمكية

فيما يحذر رئيس لجنة التصحر والجفاف في مجلس محافظة ذي قار، حيدر السعدي، من تفاقم تداعيات الجفاف والتغيرات المناخية على المحافظة، مؤكداً أن ذي قار تشهد موجة نزوح واسعة نتيجة تراجع الإطلاقات المائية وتدهور الواقع البيئي.

ويقول السعدي لـ"طريق الشعب"، إن "أعداد الأسر النازحة تجاوزت 450. 10 أسرة، في ظل انخفاض مناسيب المياه وتقلص المساحات الرطبة"، مضيفا أن الأزمة لم تكن تقتصر على النزوح البشري، بل طالت الثروة الحيوانية والسمكية، إذ نفقت أعداد كبيرة من الجاموس، فيما فقدت المحافظة نحو 90 في المائة من ثروتها السمكية رغم حملات دعم الإصبعيات التي أطلقت سابقاً لإنعاش القطاع".

ويشير إلى أن ما يقارب 88 في المائة من المناطق الرطبة تحولت إلى أراضٍ جافة أو شبه صحراوية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تقليص الخطط الزراعية، وأضعف قدرة الفلاحين على الاستمرار في نشاطهم، لاسيما مع صعوبة تبني تقنيات "الزراعة الذكية" التي تتطلب إمكانات مالية وخبرات غير متاحة لكثير منهم.

ويؤكد أن تراجع الدخل وتدهور سبل العيش أسهما في تسريع موجات الهجرة نحو مناطق أخرى داخل المحافظة وخارجها، ما أدى إلى ضغط إضافي على المناطق المستقبِلة، التي تعاني أصلاً من محدودية الخدمات، لافتا إلى وجود اكتظاظ في المدارس وتزايد الحاجة إلى الخدمات الصحية، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة وحدوث تغيرات ديموغرافية تمس العادات والتقاليد والبنية الاجتماعية.

وينبّه الى أن التنافس على فرص العمل في ظل الوضع الاقتصادي المتردي قد يفرز مشكلات اجتماعية، منها حالات تنمر أو توترات مجتمعية.

ويصف السعدي الوضع في بعض المناطق بأنه "مزرٍ للغاية"، داعياً إلى تضافر الجهود بين الحكومتين المركزية والمحلية، وإطلاق خطط طوارئ ومنح عاجلة لمعالجة الأزمة، مشيرا الى أن الحكومة المحلية تعمل ضمن صلاحياتها المتاحة، بالتنسيق مع منظمات دولية تمتلك خبرات ميدانية، لتحقيق تدخلات سريعة تسهم في الحد من آثار الجفاف والتصحر واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للسكان.

تحوّل بيئي يهدد هوية المنطقة

بدوره، حذر الناشط البيئي سجاد ستار من أن ما تشهده مناطق الأهوار وذي قار لم يعد أزمة موسمية عابرة، بل تحول بيئي خطر يهدد هوية المنطقة ومستقبل سكانها.

وقال ستار لـ"طريق الشعب"، إن "حجم الكارثة البيئية اليوم يعكس تراكمات لسنوات من تراجع الإطلاقات المائية وارتفاع درجات الحرارة وضعف الإدارة المستدامة للموارد".

وأضاف أن تسارع النزوح من المناطق المتضررة يعود إلى تداخل عدة عوامل، في مقدمتها قلة المياه التي أدت إلى نفوق المواشي وتراجع الزراعة، إلى جانب التغير المناخي الذي فاقم الأزمة عبر موجات حر شديدة وزيادة معدلات التبخر، فضلاً عن غياب خطط تكيف حقيقية تدعم السكان في البقاء بأراضيهم.

وأكد أن "النزوح أصبح خياراً اضطرارياً بعد فقدان مصادر الدخل".

وبيّن أن استمرار تفريغ المناطق الزراعية والرطبة من سكانها ينذر بمخاطر بيئية واجتماعية بعيدة المدى، إذ يؤدي إلى تسارع التصحر وفقدان أنماط الإدارة التقليدية للموارد الطبيعية، فضلا عن تفكك النسيج المجتمعي واندثار مهن وثقافات مرتبطة بالأهوار، في وقت تتعرض فيه المدن المستقبِلة لضغوط خدمية وبطالة وتوترات اجتماعية متزايدة.

وشدّد ستار على أن ما يحدث يندرج ضمن مفهوم "العدالة المناخية"، لافتاً إلى أن المجتمعات المحلية ليست مسؤولة عن التغير المناخي العالمي، لكنها تتحمل كلفته الأكبر. ودعا إلى تحرك حكومي عاجل يتضمن خطط تكيف حقيقية وتعويضات للمتضررين، إلى جانب دعم دولي يحفظ هذا النظام البيئي الفريد ويمنع تفاقم الكارثة.