مع موجات الحر والتراجع الملحوظ في جودة الهواء، تعود أزمة التلوث في بغداد إلى الواجهة مجدداً مصحوبة بتحذيرات بيئية من ارتفاع حاد في انبعاثات الغازات الدفيئة خلال السنوات المقبلة. وبين أرقام يصفها ناشطون بأنها “مقلقة وخطيرة”، وتشكيك حكومي في دقتها، يتجدد الجدل حول واقع البيئة في العاصمة، وقدرة الإجراءات الحالية على كبح التدهور المتسارع، في وقت يقترب فيه الصيف وسط مخاوف من تداعيات صحية ومناخية أشد وطأة على ملايين السكان.
تصاعد الغازات الدفيئة
ودق مرصد العراق الأخضر ناقوس الخطر محذراً من تصاعد حاد للغازات الدفيئة في العاصمة خلال السنوات الأخيرة، ومؤكداً أن هذه الزيادة المتسارعة تمثل انعكاسا ملموسا لتفاقم التلوث وفشل الإجراءات الحكومية في الحد من الانبعاثات.
وأشار إلى أن قطاعات الطاقة والنفط والنقل هي المحرك الرئيس لهذه الأزمة، مع تأثير مباشر على جودة الهواء وصحة السكان، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن.
ارقام خطرة وصيف أشد سخونة
وحذّر المرصد من تصاعد مقلق في انبعاثات الغازات الدفيئة في بغداد خلال السنوات الخمس الأخيرة، معتبراً أن هذا الارتفاع ينذر بصيف أشد حرارة ومخاطر متفاقمة على الصحة العامة والبيئة.
وأوضح أن بيانات حديثة مستمدة من منصة Carbon Mapper الدولية المفتوحة المصدر تشير إلى تزايد مستمر في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2) وأكسيد النيتروز (N2O) في العاصمة، ما يعكس تصاعد الضغوط المناخية والبيئية التي تواجه المدينة.
وبحسب الأرقام التي أوردها المرصد، ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من نحو 176.1 مليون طن عام 2021 إلى 313.7 مليون طن عام 2025، بزيادة بلغت 137.6 مليون طن، أي ما يقارب 78 في المائة، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. كما ارتفعت انبعاثات أكسيد النيتروز من 19.86 ألف طن إلى 22.14 ألف طن خلال المدة نفسها، في مؤشر على توسع مصادر التلوث المرتبطة بقطاعات الطاقة والصناعة والنقل.
وأشار المرصد إلى أن قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية يمثل المصدر الأكبر للانبعاثات بنسبة 37.37 في المائة، من الإجمالي، نتيجة الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري لتشغيل محطات الكهرباء، لا سيما مع تزايد الطلب على التبريد خلال فصل الصيف. ويليه قطاع عمليات الوقود الأحفوري بنسبة 35.83 في المائة، الذي يشمل استخراج النفط والغاز والمعالجة والحرق المصاحب، ثم قطاع النقل بنسبة 11.98 في المائة، بفعل الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات وانخفاض كفاءة العديد منها، يليه القطاع الصناعي بنسبة 11.45 في المائة، وقطاع المباني بنسبة 3.35 في المائة، فيما تبقى مساهمة القطاع الزراعي محدودة.
أبرز محركات تفاقم الانبعاثات
وأكد المرصد أن هذا التوزيع يوضح أن قطاعات الطاقة والوقود والنقل تمثل المحركات الرئيسية لتفاقم الانبعاثات في بغداد، محذراً من أن الارتفاع المتسارع في الغازات الدفيئة يؤدي إلى زيادة احتباس الحرارة في الغلاف الجوي، وتصاعد ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، وازدياد عدد موجات الحر وشدتها، فضلاً عن تدهور جودة الهواء.
وبيّن أن هذه التداعيات تنعكس مباشرة على الصحة العامة، مع ارتفاع حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس وتفاقم أمراض الجهاز التنفسي والقلب، خصوصاً بين الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال وكبار السن. وجدد المرصد تحذيره من أن استمرار هذا الاتجاه دون تدخلات حقيقية للحد من الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة سيجعل الصيف المقبل أكثر سخونة وحدّة، بالتزامن مع ارتفاع مستويات التلوث الهوائي.
"أرقام مبالغ فيها"؟
في المقابل، رد مستشار رئيس الوزراء علي اللامي، على ما ورد في التقرير، واصفاً الأرقام والمعلومات المنشورة بأنها “غير دقيقة وتفتقر إلى الأساس المهني”.
وقال اللامي إن الجهة التي أصدرت التقرير “ليست جهة اختصاصية في شؤون البيئة أو التغير المناخي”، مضيفاً أن تقديرات الانبعاثات في العراق تبلغ نحو 200 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم ـ بحسب وصفه ـ أقل من العديد من دول المنطقة.
وفي ما يتعلق بملف الغاز المصاحب، أشار إلى أن العراق حقق تقدماً خلال السنوات الثلاث الأخيرة في استثماره، ما أسهم في رفع نسبة إيقاف الحرق إلى أكثر من 65 في المائة، مع وجود خطة للوصول إلى صفر حرق بحلول عام 2028.
وأضاف أن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، واعتماد السيارات الكهربائية والهجينة، فضلاً عن استخدام أجهزة ومعدات منخفضة الاستهلاك للطاقة، يسهم في خفض الانبعاثات، إلى جانب تحسن معدلات الأمطار هذا الموسم وحملات التشجير وزيادة المساحات الخضراء، التي تعزز قدرة البيئة على امتصاص الكربون والتخفيف من آثاره.
الأرقام دقيقة والخطر حقيقي
ورداً على حديث المستشار الحكومي، دافع معد التقرير حسام صبحي في حديث خص به "طريق الشعب"، عن محتوى ومعلومات تقريره، مؤكدا أن البيانات بشأن تصاعد الانبعاثات في بغداد والمحافظات العراقية تستند إلى مصادر دولية مفتوحة وموثوقة، نافياً أن تكون “معلومات غير دقيقة أو غير مستندة إلى أسس علمية”.
وبيّن أيضا أن البيانات اعتمدت على منصات دولية مفتوحة المصدر، من بينها منصة “كاربون مابر” (Carbon Mapper)، وهي منصة مدعومة بتعاون أوروبي ودولي، تتيح بيانات الانبعاثات لجميع دول العالم بشكل علني، ما يتيح لأي باحث أو مواطن التحقق منها بسهولة.
وأضاف أن مؤشرات ارتفاع الانبعاثات، باتت ملموسة على أرض الواقع، من خلال تزايد الروائح الملوثة وارتفاع معدلات التلوث الصباحية، فضلاً عن تقارير دولية وضعت بغداد ومدناً عراقية أخرى ضمن المراتب الأولى عالمياً من حيث التلوث.
وأشار إلى تسجيل ارتفاع خطير في تركيز بعض الغازات، تفوق في تركيزها ثاني أوكسيد الكربون بنحو 40 الى 50 مرة، لافتاً إلى أن حجم الزيادة التراكمية في بعض الغازات منذ عام 2020 وحتى 2025 تجاوز 107 ملايين طن، وفق البيانات مفتوحة المصدر.
وأكد صبحي أن مصادر التلوث الرئيسية تتمثل في قطاعات الطاقة والنفط، بسبب استخدام أنواع وقود منخفضة الجودة في تشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى قطاع النقل، في ظل الارتفاع الكبير بأعداد المركبات مقابل ضعف منظومة النقل العام.وحذر من أن مستويات التلوث الحالية تشكل خطراً مباشراً وغير مباشر على الصحة العامة، خاصة في مدينة بحجم بغداد التي يقترب عدد سكانها من تسعة ملايين نسمة، مبيناً أن استمرار هذه الوتيرة قد يؤدي إلى تفاقم آثار التغير المناخي وتسريع حدتها محلياً، مع احتمالات واضحة لتأثيرات ملموسة خلال أشهر أو سنوات قليلة مقبلة.
وفي ما يتعلق بالحلول، أوضح أن المرصد لا يكتفي بتشخيص المشكلة، بل يعمل على طرح معالجات عملية، في مقدمتها تطوير النقل العام وتقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، فضلاً عن إنشاء أحزمة خضراء واسعة تحيط بالمدن، مؤكداً أن بغداد وحدها تحتاج إلى ما لا يقل عن عشرة ملايين شجرة لتحسين واقعها البيئي. كما شدد على ضرورة التعامل مع ملف البيئة بوصفه قضية حقيقية وملحة، لا ترفاً خطابياً، مشيراً إلى أن التغيرات المناخية باتت واضحة من خلال موجات الحر الشديدة، والتقلبات غير الطبيعية في درجات الحرارة، ما يستدعي تحركاً عاجلاً على المستويين الحكومي والمجتمعي".
مؤشر على فشل الإجراءات الحالية
وفي سياق متصل، أكد رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، أن المرصد منظمة مسجلة رسمياً لدى دائرة المنظمات غير الحكومية منذ عام 2021، ويعمل وفق شهادة تسجيل معتمدة من الدولة، مشيراً إلى أن تقاريره تُنشر منذ نحو أربع سنوات وتحظى باعتماد وتداول من قبل العديد من القنوات التلفزيونية والمؤسسات الإعلامية.
وبين في حديث مع "طريق الشعب"، ان الارتفاع المسجل في انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تقارب 78% خلال السنوات الأخيرة “ليس طبيعياً ولا آمناً”، معتبراً أنه مؤشر واضح على تسارع تأثيرات التغير المناخي في العراق مقابل بطء واضح في إجراءات المعالجة.
وقال عبد اللطيف إن "التغيرات المناخية تتسارع بوتيرة كبيرة، في حين أن الاستجابات الحكومية لا تزال بطيئة، رغم تخصيص مبالغ من الدولة ومنظمات دولية لمعالجة هذا الملف".
وأضاف أن تضارب الصلاحيات بين الجهات المعنية يعرقل الحلول، إذ تشير وزارة البيئة إلى أنها جهة غير تنفيذية، فيما تحيل الشرطة البيئية بعض الملفات مجدداً إلى الوزارة، ما يترك ملف التلوث من دون معالجة حاسمة.
وأشار إلى حادثة “غيمة التلوث” التي شهدتها بغداد قبل أشهر، مبيناً أنها لم تكن ظاهرة طبيعية كما وُصفت آنذاك، و تسببت بعشرات حالات الاختناق، مؤكداً أن التلوث لا يقتصر ضرره على الحالات الحادة، ويؤثر سلباً على صحة السكان على المدى الطويل، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي واحتمالات ارتفاع معدلات السرطان، كما هو الحال في البصرة التي تعاني من تلوث نفطي مكثف.
وأوضح أن "بغداد والبصرة تتحملان العبء الأكبر من التلوث، الأولى نتيجة الزخم السكاني والتحول العمراني الكثيف وما يرافقه من حرق نفايات وعوادم مركبات، والثانية بسبب الأنشطة النفطية". وفي ما يتعلق بالإجراءات العاجلة الممكنة، شدد عبد اللطيف على ضرورة ضبط مواقع طمر النفايات ومنع حرقها، لافتاً إلى أن العديد منها كان يقع في أطراف بغداد، لكنه أصبح قريباً من الأحياء السكنية بفعل التوسع العمراني، ما يزيد من تأثيراته الصحية.
كما دعا إلى "تقليل الاعتماد على المولدات الأهلية تدريجياً ووضع ضوابط صارمة لانبعاثاتها"، محذراً من أن استمرار أزمة الكهرباء مع اقتراب الصيف سيؤدي إلى زيادة مستويات التلوث".
وأشار إلى أن عدد المركبات في بغداد وحدها يبلغ نحو مليونين ونصف المليون سيارة، ما يشكل مصدراً رئيسياً للتلوث، خاصة مع وجود مركبات قديمة وبعض أنواع الوقود منخفضة الجودة، داعياً إلى سياسات تحدّ من هذا الزخم المروري.
وأكد أيضاً أهمية إلزام المشاريع الاستثمارية بتخصيص مساحات خضراء حقيقية ضمن تصاميمها، إلى جانب إطلاق برامج تشجير واسعة، مع الإقرار بأن نتائج التشجير تحتاج إلى سنوات حتى تؤتي ثمارها البيئية.
وختم بالقول إن مواجهة التلوث تتطلب إجراءات عملية عاجلة بالتوازي مع خطط طويلة الأمد، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من التدهور البيئي والصحي في السنوات المقبلة.