ظل شعار "حصر السلاح بيد الدولة" ملازماً للخطاب السياسي العراقي لعقود، بوصفه عنواناً لإعادة بناء الدولة وتعزيز هيبتها، غير أن تطبيقه واجه تحديات متشابكة بين الواقع الأمني والسياسي؛ فقد شهدت البلاد مؤخراً حوادث مأساوية، بينها مقتل اثنين من منتسبي وزارة الداخلية في كربلاء أثناء واجب أمني، وتبادل إطلاق نار خلال مداهمة في منطقة الدورة ببغداد، ما يعكس استمرار ظاهرة السلاح المنفلت وضرورة تكثيف الجهود الأمنية والسياسية للسيطرة عليها.
ويشير خبراء أمنيون وسياسيون إلى أن المشكلة لا تكمن في التشريعات، بل في غياب الإرادة السياسية، ووجود فصائل مسلحة خارج إطار الدولة، بعضها يمتلك دعماً لوجستياً ومالياً من خارج الحدود، ما يجعل معالجة هذا الملف معقدة وتتطلب حواراً وطنياً وسياسات متسقة لضمان استقرار البلاد وحماية المواطنين.
حكومة محمد شياع السوداني أعادت طرح الشعار ضمن حملة وُصفت بأنها منظمة ومجدولة زمنياً، وأعلنت أنها تتكون من أربع مراحل متتابعة. المرحلة الأولى تركزت على الحصر والتسجيل، عبر تدقيق بيانات حيازة السلاح ومنح مهلة لتسوية الأوضاع القانونية للأسلحة الفردية. المرحلة الثانية خُصصت لجمع السلاح غير المرخص داخل المدن، ولا سيما المتوسط والثقيل، مع تشديد الرقابة على المخازن ومنافذ التهريب. أما المرحلة الثالثة فتمثلت في تنظيم حمل السلاح داخل المؤسسات والأطر الرسمية وضبط المظاهر المسلحة في المناسبات العامة. فيما تتضمن المرحلة الرابعة إجراءات رقابية طويلة الأمد، تشمل متابعة التنفيذ وتغليظ العقوبات بحق المخالفين.
ورغم الطابع المرحلي للحملة، أُثيرت ملاحظات بشأنها، من بينها التساؤل عن مدى شمولها لجميع الجهات دون استثناء، وإمكانية تطبيقها على السلاح المرتبط بفصائل تمتلك غطاء رسمياً، إضافة إلى مخاوف من اقتصار الإجراءات على الأسلحة الفردية لدى المواطنين، من دون معالجة أعمق للسلاح المنظم خارج مؤسسات الدولة التقليدية. كما يرى مراقبون أن نجاح أي حملة يبقى رهناً بوجود إرادة سياسية موحدة وآليات تنفيذ واضحة تضمن الاستمرارية، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات التي تكررت في تجارب حكومية سابقة.
"ظاهرة مزمنة"!
وحذر المحلل السياسي محمد زنكنة من أن ملف السلاح المنفلت في العراق لم يعد مجرد أزمة أمنية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة مزمنة تعكس عجز الدولة أو تواطؤها مع قوى نافذة. وأكد أن تكرار الحديث عن هذا الملف دون حلول حقيقية من وزارات الداخلية والدفاع والأجهزة المختصة أفقده جدواه، في ظل غياب أي إجراءات عملية على الأرض.
وأضاف زنكنة لـ"طريق الشعب"، أن ما يُسمى بالحوادث الفردية لا يمكن فصلها عن منظومة دعم سياسي وحزبي وميليشياوي، مشيرا إلى أن مرتكبي الجرائم لا يمكنهم الإفلات من العقاب لولا وجود غطاء قوي داخل مؤسسات أمنية أو تنظيمات حزبية مسلحة، بعضها غير قانوني لكنه مدعوم بشكل غير مباشر من الدولة.
وبيّن أن المشكلة لا تكمن في القوانين، فالتشريعات العراقية مكتوبة بشكل متقدم، لكنها لا تُطبق، لتبقى حبرا على ورق. وعزا ذلك إلى غياب الرقابة، وضعف هيبة الدولة، وانتهاك حقوق الإنسان، فضلا عن هشاشة الحكومة وافتقارها إلى إرادة سياسية حقيقية لفرض الأمن وحماية السلم الأهلي.
وزاد بالقول أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبيرة في تفشي هذه الفوضى، إذ تسهم في إضعاف الدولة وتحويلها إلى كيان هش، بل وتجعلها خاضعة لتأثيرات خارجية، في وقت تتدفق فيه الأسلحة إلى البلاد بطرق غير شرعية. وحذّر من أن أي محاولة حكومية جادة لضبط السلاح قد تؤدي إلى صدامات مسلحة مع قوى حزبية وميليشياوية، وربما إلى نزاعات داخلية محدودة.
وختم زنكنة بالتأكيد على أن استمرار هذا الواقع سيدفع المواطنين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، ويعزز اقتصاد السلاح والتهريب، مشيرًا إلى أن الحكومة، في ظل ضعفها الحالي، لن تتجاوز إصدار بيانات وقرارات شكلية غير قابلة للتنفيذ، ما يعني بقاء ظاهرة السلاح المنفلت دون حل في المستقبل القريب.
ووفقاً لموقع GunPolic الذي يوفّر قاعدة بيانات واسعة تخصّ الأسلحة، فإن العراق يحتل المرتبة 153 من أصل 200 دولة، في امتلاك المدنيين أسلحة خاصة بهم، على رغم أن القانون لا يسمح بامتلاك سلاح من دون ترخيص.
حصر السلاح شرط أساسي للاستقرار
من جهته، قال الخبير الأمني صفاء الأعسم لـ"طريق الشعب"، أن العراق يواجه اليوم إشكالية حقيقية تتمثل بوجود سلاح خارج سيطرة الدولة، مؤكداً أن الحديث لا يشمل التشكيلات الرسمية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بل ينصرف إلى جهات تمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة خارج الأطر القانونية.
ويفرق الأعسم بين السلاح الشخصي الخفيف الذي يحتفظ به بعض المواطنين داخل منازلهم، والذي يعد ـ بحسب تعبيره ـ أمراً شائعاً في المجتمع العراقي، وبين السلاح المتوسط والثقيل الذي لا يُسمح قانوناً بامتلاكه من قبل جهات مدنية، إذ إن هذا النوع من السلاح لا يتم تداوله عالمياً إلا بين الدول.
ويشير إلى أن انتشار هذا النوع من السلاح يعود إلى ظروف سابقة، لا سيما بعد عام 2003 وما رافقه من تفكك أمني، إضافة إلى سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد واستحواذه على مخازن عسكرية، فضلاً عن عمليات تهريب السلاح عبر الحدود الجنوبية والغربية والشرقية.
ويرى أن امتلاك بعض العشائر أو الجهات المسلحة لأسلحة متوسطة وثقيلة، خصوصاً في بعض مناطق الجنوب، يمثل خطراً حقيقياً، لأنه قد يفوق في قدراته تسليح الشرطة المحلية، ما يخلق حالة موازية لسلطة الدولة ويهدد باندلاع صراعات داخلية.
ويؤكد أن الإشكالية الكبرى تكمن في الفصائل التي لا ترتبط لوجستياً أو مالياً بالدولة العراقية، وتتلقى دعماً من خارج الحدود، ولا تخضع لإمرة القائد العام للقوات المسلحة. ويشدد على ضرورة التمييز بينها وبين الفصائل المنضوية ضمن التشكيلات الرسمية.
وبحسب الأعسم، فإن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تكون عسكرية بحتة، لأن اللجوء إلى القوة قد يفتح الباب أمام مواجهات داخلية معقدة. ويرى أن الحل يجب أن يكون سياسياً عبر حوار وتفاهمات تؤدي إلى نزع السلاح وتحويل هذه الجهات إلى أطر سياسية مدنية، مستشهداً بتجارب إقليمية شهدت انتقال جماعات مسلحة إلى العمل السياسي.
ويشدد على أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار العراق، وأن أي تأخير في هذا المسار قد يقود إلى تداعيات أمنية خطيرة، كما حدث في بعض الاشتباكات السابقة بين قوى أمنية وجهات مسلحة، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا.
ويختتم بالقول إن النصوص القانونية واضحة في ما يتعلق بمنع حمل السلاح خارج الأطر المرخصة، غير أن الفجوة تكمن في البعد السياسي أكثر من العسكري، ما يستدعي توافقاً وطنياً يضع أمن العراق وولاءه فوق أي اعتبارات أخرى، ويؤسس لمرحلة يُعاد فيها تنظيم ملف السلاح بما يعزز سلطة الدولة ويمنع الانزلاق إلى صراعات داخلية.
وأعلنت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003، مراراً عن خطط لـ”حصر السلاح بيد الدولة”، آخرها قرار مجلس الوزراء في الثالث من كانون الثاني 2024، بتخصيص مبلغ 15 مليار دينار (نحو 11.5 مليون دولار) لشراء السلاح من المواطنين، بواقع مليار دينار لكل محافظة وعددها 15 محافظة باستثناء محافظات إقليم كردستان العراق.
خُصِّص المبلغ من احتياطي الطوارئ، استناداً إلى أحكام قانون الموازنة العامة للسنوات المالية الثلاث من 2023 لغاية 2025، تنفيذاً للبرنامج الحكومي لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة، حسب بيان صدر عن مجلس الوزراء.
وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، ذكر أن البرنامج يتضمن مرحلتين، الأولى تسجيل الأسلحة الخفيفة في مراكز الشرطة القريبة من سكن المواطنين، والثانية شراء الأسلحة الثقيلة والمتوسطة منهم، مؤكداً أن ذلك سيستمر طيلة عام 2024.
وتهدف خطة حصر السلاح بيد الدولة، وفقاً لتصريحات مسؤولين أمنيين، إلى “تنظيم انتشاره في جميع محافظات البلاد، وتقليل مظاهر عسكرة المجتمع حفاظاً على السلم المجتمعي ومحاربة مظاهر التسلح الاجتماعي وتداعياته”.
كما تسعى الى تفعيل النصوص المتعلقة بمكافحة ما يعرف بـ(الدكة العشائرية)، وهي قيام أتباع عشيرة ما بالتجمع أمام منزل أحد الخصوم وإطلاق النار لترهيبه ومطالبته بجلسة عشائرية يلتزم فيها بما يفرض عليه.
وأحد النصوص التي شرّعت للتصدي لهذا العرف العشائري، هو المادة 2 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، والتي تصل عقوبتها إلى السجن لما يزيد عن 15 عاماً. إذ تنص على: تُعد الأفعال الآتية من الأفعال الإرهابية، العنف أو التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم وحرياتهم وأمنهم للخطر وتعريض أموالهم وممتلكاتهم للتلف أياً كانت بواعثه وأغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إرهابي منظم، فردي أو جماعي.
وشكلت حكومة محمد شياع السوداني، 14 لجنة متخصصة بحصر السلاح، تضم في عضوياتها ممثلي وزارات الداخلية والعدل والخارجية وجهاز مكافحة الإرهاب والأمن الوطني والمخابرات والوقفين الشيعي والسني وممثلية بعثة الأمم المتحدة في العراق. وانبثقت منها لجان فنية ومالية مهمتها تحديد أسعار شراء السلاح المتوسط والثقيل من المواطنين، لكن الحوادث الامنية لا تزال مستمرة، والصراعات العشائرية في بعض المناطق لا تقوى الدولة على مواجهتها، لاعتبارات كثيرة، بينها سياسية وحزبية.