اخر الاخبار

يتجه العراق نحو مرحلة حساسة ودقيقة في الملف المالي والمصرفي، حيث تتصاعد الضغوط الدولية مع استمرار مراقبة المصارف ورصد تدفقات الأموال ومؤشرات متزايدة على احتمال فرض عقوبات جديدة تطال شخصيات ومصارف لم تُعلن عنها وزارة الخزانة الامريكية بعد. 

بينما يؤكد مختصون ان الواقع المصرفي يعكس حقيقة أن الإصلاحات الحالية لم تواكب حجم التحديات البنيوية، وتترك القطاع المالي هشاً وتضع الاقتصاد الوطني تحت تهديد مستمر، وهو ما يضع الحكومة والقطاع المصرفي أمام اختبار جديد للقدرة على مواجهة الضغوط الدولية وإدارة المرحلة القادمة بحكمة وواقعية.

تفكيك شبكات الفساد

وفي الاثناء، ذكر مارك سافايا مبعوث الرئيس الأمريكي الى العراق، امس الأربعاء، أن تحقيق الاستقرار في العراق يتطلب تفكيك شبكات الفساد ووقف مصادر الأموال الوهمية.

وكتب سافايا في منشور على منصة "إكس"، قائلا إن "إصلاح العراق يبدأ بمواجهة الفساد بشكل حاسم، فهو المرض الحقيقي بينما الميليشيات مجرد نتيجة له".

وأضاف أن "الفساد يعمل عبر شبكات معقّدة تضم مستويات دنيا كالأقارب والوسطاء والحراس، ما يوفّر الحماية والإنكار".

وتابع سافايا بالقول "أي استقرار حقيقي للعراق يتطلب تفكيك شبكات الفساد ووقف مصادر الأموال الوهمية كالرّواتب والقروض والأصول المزيفة، ومن دون ذلك سيفشل أي مسعى آخر".

وفي منتصف الشهر الجاري، أعلن مبعوث رئيس الولايات المتحدة، إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، إلى جانب مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوض النزاهة المالية وتمول الأنشطة الإرهابية.

تصعيد خارج المألوف

وتعليقا على كلام سافايا، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي إن هذا التطور "يأتي بعد سنوات من العقوبات والقيود المصرفية، والوعود الحكومية، والخطط الإصلاحية التي أعلنها البنك المركزي العراقي، ورغم ذلك لا تزال الجهات الأمريكية، ترصد استمرار عمليات الاحتيال وغسل الأموال وتهريب الدولار الى خارج العراق، ما يدفع واشنطن إلى التهيؤ لفرض المزيد من العقوبات".

وأضاف الهاشمي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "الحديث المباشر والصريح لمبعوث ترامب عن شبكات الاحتيال والتهريب العراقية، والعقوبات التي ستطال بعض الجهات، يُعد خروجاً واضحاً عن البروتوكولات المتعارف عليها، التي اعتادت وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية الالتزام بها عند الإعلان عن أي عقوبات مالية".

وأشار الهاشمي إلى أن هذا التصريح الاستثنائي "يعكس اتساع حملة التصعيد الأمريكية تجاه العراق، ودخول الملف المالي اليوم كاحدى أدوات الضغط الأساسية، التي يسعى مبعوث ترامب إلى توظيفها في إدارة العلاقة مع منظومة الحكم في البلاد".

ودعا الهاشمي في ختام حديثه الحكومة والبنك المركزي الى "التعامل مع هذا التصريح بجدية عالية، واعتباره بمثابة إنذار مبكر لطبيعة المرحلة المقبلة وتعقيداتها، مع ضرورة التفكير بخيارات واقعية للتعامل مع إدارة أميركية لا تعتمد سوى سياسة التصعيد والضغط، حتى على الحلفاء قبل الخصوم".

مسار الاصلاح يحتاج لمراجعة

من جهته، قال الباحث في الشأن المالي والمصرفي، عبد الرحمن الشيخلي، إن مؤشرات التصعيد الأمريكي المتزايد تجاه العراق في الملف المالي والمصرفي، تعكس قناعة لدى الجهات الدولية بأن الإصلاحات المنفذة حتى الآن ما تزال دون مستوى الطموح المطلوب، سواء على صعيد ضبط حركة الأموال أو تعزيز الامتثال المصرفي.

وأضاف الشيخلي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الخطوات التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي خلال الفترة الماضية تُعد مهمة من حيث المبدأ، لكنها لم تصل بعد الى مرحلة الإصلاح الشامل القادر على إنهاء الشكوك الدولية، أو إغلاق الثغرات التي ما تزال تُستغل في عمليات غسل الأموال وتهريب العملة".

وأشار إلى أن "استمرار القيود على بعض المصارف وغيرها من التفاصيل، رغم الحديث المتكرر عن رفع العقوبات وتقدم الإصلاحات، يدل بوضوح على وجود فجوة بين الجهد المبذول والنتائج المتحققة، وهو ما يستدعي مراجعة أعمق لآليات التنفيذ وليس الاكتفاء بالإجراءات الشكلية".

وبيّن الشيخلي أن "الإصلاح المصرفي هو عملية تراكمية تتطلب تعزيز الحوكمة، وتطوير أنظمة الرقابة، ورفع كفاءة الامتثال، وبناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، وهي عناصر لم تكتمل بعد بالصورة المطلوبة".

واتم حديثه بالقول إن "المرحلة الحالية تنبغي وتتطلب الانتقال من إدارة الأزمة الى معالجة أسبابها البنيوية، عبر إصلاحات أكثر جرأة ووضوحاً، تواكب حجم التحديات وتُلبي طموحات الاقتصاد العراقي، وتجنب البلاد مزيداً من الضغوط والعقوبات الخارجية".

ملبية للطموح؟

الى ذلك، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي حسن تحسين، أن استمرار الولايات المتحدة برصد عمليات الاحتيال وغسل الأموال وتهريب الدولار في العراق، والاستعداد لفرض عقوبات جديدة، يؤشر بوضوح أن هناك خللا، وان حملة التصعيد الأمريكية تجاه العراق آخذة بالاتساع، ولا سيما على المستوى المالي والمصرفي.

واشار في حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن "ما يثير القلق هو أن هذا التصعيد يأتي رغم الإجراءات المعلنة من قبل الحكومة والبنك المركزي، ورغم الحديث المتكرر خلال الفترة الماضية عن تقدم في مسار الاصلاح المصرفي".

وأشار إلى أن الواقع المصرفي "ما يزال يعاني من إشكاليات جوهرية، في ظل استمرار افصاح الولايات المتحدة عن الخروقات المستمرة، وسط بقاء عدد من المصارف تحت طائلة العقوبات، رغم أن الخطاب الرسمي كان يتحدث عن قرب رفع القيود عنها، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين التصريحات في الاعلام والنتائج على الأرض".

وبيّن الباحث أن "استمرار العقوبات وعدم استعادة الثقة الدولية بالقطاع المصرفي العراقي، يدل بحد ذاته على ان الإصلاحات المنفذة حتى الان مازالت جزئية وبطيئة، ولم تنجح في معالجة جذور الازمة المرتبطة بالحوكمة، والامتثال، والرقابة على حركة الأموال".

وخلص الى القول أن العراق اليوم أمام اختبار حقيقي ، فاما الذهاب الى اصلاح مصرفي عميق وجاد يعالج أسباب الخلل البنيوي ، ويعيد بناء الثقة مع النظام المالي الدولي وخصوصا الولايات المتحدة، أو الاستمرار في حلول شكلية ستبقي البلاد عرضة لمزيد من الضغوط والعقوبات، وتضعف الاستقرار الاقتصادي في المرحلة المقبلة".