في ظل تصاعد الجدل حول القرارات التقشفية الأخيرة، تتزايد التحذيرات من خطورة تحميل المواطنين تبعاتٍ أزمة مالية صنعها سوء الادارة الحكومية والسياسات العشوائية، تحت ذريعة ضبط الإنفاق ومعالجة العجز، بينما تبقى جذور الأزمة الاقتصادية بلا معالجة حقيقية.
وبين خطاب حكومي يختزل المشكلة في الأرقام، وواقع مالي يشي بفشل الإدارة وغياب الإصلاح البنيوي، تتصاعد الأسئلة حول عدالة النهج و السياسات التي يجري اتباعها وجدواها الاقتصادية.
سياسات فاشلة
في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي إن ما يُروَّج له اليوم على أنه “إجراءات تقشفية” لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لتحميل المواطن تبعات سوء الإدارة المزمن وفشل الدولة في إدارة المال العام، مؤكدًا أن هذه القرارات تُعاقب الحلقة الاضعف (المواطن) وتُحصّن أصحاب الامتيازات والنفوذ.
وأضاف الشيخلي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الأزمة المالية الحالية "ليست وليدة نقص الموارد، وانما هي نتيجة مباشرة لسوء الإدارة، وغياب التخطيط، واستمرار الهدر، وغياب أي إرادة حقيقية للإصلاح البنيوي"، مشيراً إلى أن "الحكومات المتعاقبة وبضمنها الحكومة الحالية، فشلت في معالجة جذور الخلل، واختارت الطريق الأسهل، الاقتطاع من جيب المواطن وتحميله اعباء فشلها".
وأكد أن الحديث عن التقشف لا يكتسب أي شرعية اقتصادية ما لم يبدأ بإلغاء الامتيازات الخاصة بالدرجات الخاصة، وضبط رواتب الدرجات العليا، وإيقاف نزف الهدر بالمال العام، وملاحقة الفساد بدل التعايش معه"، متسائلًا "كيف يُطلب من المواطن الصبر بينما تُحمى فئة متنعمة من المساءلة؟".
وانتقد الشيخلي غياب المسؤولية السياسية محمّلًا البرلمان بدورته التشريعية السابقة جزءاً أساسياً من الأزمة، بسبب فشله في أداء دوره، وتحوله في كثير من الأحيان الى شريك غير مباشر في تمرير السياسات الخاطئة.
وختم بالقول إن أي "سياسة اقتصادية لا تقوم على العدالة، ولا تبدأ بإصلاح الدولة هي سياسة فاشلة ومؤقتة"، محذراً من أن "الاستمرار بهذا النهج سيعمّق فجوة الثقة، ويهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء".
إفقار منظم
من جهته، قال الباحث في الشأن الاقتصادي حسن تحسين إن مُجمل الإجراءات الحكومية الأخيرة تمثل نموذجاً بدائياً لإدارة العجز المالي عبر خنق الطلب المحلي وضرب القدرة الشرائية، دون أي معالجة حقيقية لاختلالات المالية العامة.
وأضاف تحسين في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "التقشف في الأدبيات الاقتصادية يكون أداة إصلاح مشروطة بإعادة هيكلة الإنفاق، وتحسين كفاءة التحصيل، وتوسيع القاعدة الضريبية بعدالة، وهو ما لم يتحقق، إذ جرى استهداف المواطن البسيط والرواتب وغيرها، مقابل الإبقاء على إنفاق ريعي مشوه وامتيازات محصّنة سياسياً".
وأضاف أن "استمرار هذه السياسات يعني نقل الأزمة من مستوى الدولة إلى مستوى السوق"، محذراً من أن "تراجع الدخل الحقيقي سيقود إلى انكماش في الاستهلاك، واضطراب في الدورة الاقتصادية، وتآكل إضافي في ثقة المستثمرين، وهو ما ينعكس سلبًا على النمو والتشغيل".
وانتقد تحسين غياب الرؤية الاقتصادية الكلية، مشيراً إلى أن "القرارات تُتخذ بمنطق محاسبي ضيق، لا بمنطق إدارة اقتصاد كلي، حيث تُغفل آثارها على التضخم، والبطالة المقنّعة، واتساع الاقتصاد غير المنظم".
وأكد أن "أي سياسة لا تبدأ بإلغاء امتيازات المسؤولين، وبإصلاح النظام المالي، وضبط الإنفاق غير المنتج، وإعادة تعريف دور الدولة الاقتصادي، ستبقى مجرد حلول ترقيعية تؤجل الانفجار ولا تمنعه".
وختم تحسين بالقول محذراً من أن "الاستمرار بهذا النهج سيحوّل التقشف من أداة مؤقتة إلى حالة دائمة من الإفقار المنظم وانسداد الأفق الاقتصادي".
جوهر المشكلة
الى ذلك، انتقد الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي طبيعة إدارة الدولة، معتبراً أن جوهر المشكلة لا يرتبط بحجم الرواتب أو أعداد الموظفين بشكل اساسي، بقدر ما يتصل بسوء الادارة وتراكم الامتيازات العليا، وغياب الإصلاحات البنيوية القادرة على إنقاذ الاقتصاد من دوامة الأزمات المتكررة.
وقال التميمي في حديث لـ"طريق الشعب"، ان "ما نراه اليوم من قرارات مرتبكة لا يمكن فهمه خارج سياق إدارة الدولة كغنيمة سياسية لا كمؤسسة عامة"، مؤكداً ان "المشكلة ليست في الموظف، ولم تكن يوماً في حجمه أو راتبه، بل في من حول الوظيفة العامة إلى أداة انتخابية، ثم عاد ليصنفها عبئاً مالياً بعد انتهاء الاستحقاقات".
وتابع قائلاً ان "الدولة التي توسّع التعيينات قبل الانتخابات ثم تلوّح بالتقشف بعدها، لا تعاني من نقص موارد، وانما من فقدان بوصلة الحكم الرشيد. العجز الحالي هو نتيجة سياسات متخبطة وسوء قرار، وتراكم امتيازات غير مبررة: تقاعد خاص، رواتب سيادية، هياكل موازية، وإنفاق سياسي بلا مردود إنتاجي".
واكد التميمي ان "الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من خفض حقوق الموظف، بل من رأس الهرم، عبر كسر حلقة الامتيازات العليا للمسؤولين، وتوحيد سلم الرواتب، ووقف التوظيف الشعبوي، والشروع بإصلاح جاد من شأنه نقلنا من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد منتج. ما دون ذلك ليس إصلاحاً، بل ترحيلاً للأزمة من القمة الى القاعدة".
منع التهريب
من جهته، دعا الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، إلى منع تهريب النفط الأسود، الذي أشار إلى أن عائداته تمثّل أكثر من ضعف المخصصات الجامعية المصروفة لأصحاب الشهادات العليا في العراق، التي تروم حكومة تصريف الأعمال إيقافها.
وقال المرسومي في تدوينة إن "منع النفط الأسود من التهريب، يوفّر للحكومة نحو مليار دولار سنوياً وهو يمثل أكثر من ضعف المخصصات الجامعية المصروفة لأصحاب الشهادات العليا في العراق".
وعقد المجلس الوزاري للاقتصاد، أمس الاثنين، اجتماعا تناول خلاله سبل تعظيم موارد الدولة وتقليص النفقات وفق القوانين النافذة.
وشمل الاجتماع مناقشة توصيات المجلس الخاصة بوزارة النفط لتحديد نسب الدعم ومعالجة الوضع المالي، إضافة إلى استعراض المقترحات المقدمة من الجهات الحكومية المختلفة حول خفض الإنفاق. كما تم بحث آليات دعم صندوق دعم التصدير، وإمكانية إضافة الدعم بالقروض، إلى جانب تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للاقتصاد غير النفطي وتنويع الموارد.
واختتم الاجتماع بتوجيه رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجان فنية لدراسة جميع المقترحات المطروحة بما يدعم خطط الحكومة في هذا المجال.
قرارات تقشفية
والجمعة الماضية، أصدر المجلس ذاته، حزمة قرارات تقشفية، في إطار تعظيم الإيرادات وضغط النفقات، بضمنها إيقاف مخصصات الخدمة الجامعية لغير المتفرغين للتدريس، بالإضافة الى تقليص المبادرة التعليمية بنسبة 50%.
وبحسب وثائق صادرة عن المجلس بعنوان "عاجل جداً"، موجهة إلى الأمين العام لمجلس الوزراء، فقد أوصى المجلس: بـ"إلزام الشركات العامة ومجالس إدارتها والمؤسسات البلدية، بالامتناع عن التشغيل بصيغة التعاقد أو بالأجر اليومي سواء كانت الشركات رابحة أو غير رابحة".
وجاء في التوصيات، "إلزام دوائر الدولة كافة، بإعداد جداول بمبالغ رواتب موظفيها من العاملين على الملاك الدائم والعاملين بصيغة عقد أو أجر يومي والتي لها مخصصات مالية ضمن موازنة السنوات السابقة".
وأوصى المجلس أيضاً: بـ"قيام وزارات: النفط والموارد المائية والكهرباء، بتغطية احتياجاتها من المكائن والمعدات والآلات التخصصية من المتوفرة لديها، وفي حالة الحاجة لأي من الأصناف المذكورة يتم اعتماد مبدأ الاستئجار من القطاعين العام والخاص".
وأضاف المجلس، أنه "يوصي بقيام وزارتي النفط والصناعة والمعادن، باتخاذ الإجراءات العاجلة لتسريع تسويق مادة الكبريت محلياً ولأغراض التصدير، ومادة الكبريت المصاحب، وإيقاف العمل بتطبيق إجراءات علامة الجودة العراقية على السلع والبضائع لغاية 1 نيسان 2026".
كما أوصى المجلس، بـ"تقليص المبادرة التعليمية بنسبة 50%، وإجراء مسح شامل لكل حملة الشهادات العليا وإعادة توزيعهم بالشكل الأمثل وحسب الحاجة الفعلية للاختصاصات".
وأوصى المجلس، بـ"منح مخصصات الخدمة الجامعية لمن كان متفرغاً للتدريس فقط وإيقاف منحها لغير المتفرغين للتدريس دون استثناء".