في وقت يتزايد فيه الاعتماد على البحث العلمي بوصفه أحد مؤشرات جودة التعليم العالي، يواجه طلبة الجامعات تحديات متصاعدة في الوصول إلى المصادر الأكاديمية الرصينة، نتيجة تراجع دور المكتبات الجامعية وضعف جاهزيتها لمواكبة متطلبات الدراسة والبحث. فبينما يُفترض أن تمثل هذه المكتبات العمود الفقري للعملية التعليمية، يشكو أكاديميون وطلبة من نقص حاد في المصادر، وضعف البنية التحتية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة البحوث الجامعية ومخرجات التعليم العالي في البلاد.
تعزيز بيئة البحث العلمي
التدريسية والأكاديمية في الجامعة التكنولوجية/ كلية هندسة العمارة، المعمارية إيناس علي سلمان، تقول لـ"طريق الشعب"، أن المكتبات العلمية في الجامعات العراقية تُعد من الركائز الجوهرية في بنية التعليم العالي، لكونها الوعاء المعرفي الذي تعتمد عليه الجامعات في أداء وظائفها التعليمية والبحثية، ولا سيما في الجامعات الحكومية التي تتحمل مسؤولية مضاعفة في النهوض بالمستوى الأكاديمي وتعزيز البحث العلمي.
وتتابع حديثها، أن المكتبات العلمية تسهم في بناء جيل قادر على التفكير النقدي والإبداعي، في ظل التحديات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، مشيرة إلى أن كلية هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية، بقسميها التصميم المعماري والتصميم الحضري، تعتمد بشكل أساس على مكتبة الكلية في دعم العملية التعليمية، وتوفير مصادر المعرفة الضرورية للطلبة والأساتذة.
وبيّنت أن المكتبة توفر كتباً معمارية حديثة، ومراجع علمية متخصصة، إلى جانب مجلات علمية ومجلدات نادرة، ما يكمّل الدور الذي تؤديه القاعات الدراسية، ويمنح الطلبة فرصة للتعلّم الذاتي وتنمية مهارات البحث والتحليل، فضلاً عن ترسيخ ثقافة الاعتماد على المصادر الموثوقة، بدلاً من الاكتفاء بالمعلومات المتداولة عبر الإنترنت.
وأضافت أن الهدف الرئيس لمكتبة الكلية يتمثل في تعزيز البحث العلمي وتوفير بيئة حاضنة لطلبة الدراسات الأولية والعليا، من خلال إتاحة الرسائل والأطروحات الجامعية، والبحوث المحكمة، وقواعد البيانات العلمية، الأمر الذي يسهم في رفع مستوى البحث الأكاديمي، والحد من تكرار الموضوعات البحثية، وتعزيز الأصالة العلمية، بما ينعكس إيجاباً على تصنيف الجامعات ومكانتها العلمية.
وأشارت سلمان إلى أن مكتبة كلية هندسة العمارة تؤدي أيضاً دوراً توثيقياً مهماً بوصفها مستودعاً للنتاج العلمي الوطني، إذ تحفظ أعمال الأساتذة والباحثين والطلبة، وتوثّق مسيرة التعليم العالي في العراق، مع تخصيص أجزاء خاصة لحفظ هذا النتاج وتنظيمه بما يسهل الرجوع إليه مستقبلاً.
وفيما يتعلق بمواكبة التحول الرقمي، أوضحت أن دور المكتبات لم يعد مقتصراً على المصادر الورقية، بل امتد ليشمل المصادر الإلكترونية وقواعد البيانات الرقمية، وهو ما جرى العمل عليه في مكتبة الكلية انسجاماً مع متطلبات التعليم العالي الحديث، مؤكدة أن مستوى تنظيم المكتبات وتحديثها يعكس البنية التحتية الثقافية والمعرفية للجامعة ويُعد مؤشراً على جودة البيئة الأكاديمية فيها.
دور "محدود الأثر"
وفي السياق، تقول ريهام علي المهرج، تدريسية في جامعة المستنصرية، إن المكتبات الجامعية تُعد ركيزة أساسية في دعم البحث العلمي، ولا سيما بالنسبة لطلبة الدراسات العليا والباحثين، لما توفره من مصادر معرفية تسهم في إنتاج بحوث أكاديمية رصينة وبكلفة مادية أقل، مقارنة بالاعتماد على المصادر التجارية أو الاشتراكات الخاصة، إلا أن هذا الدور، بحسب المهرج، ما يزال محدود الأثر في الجامعات العراقية بسبب تحديات بنيوية ومعرفية جسيمة تعيق تطور هذه المرافق الحيوية.
وتضيف المهرج لـ"طريق الشعب"، أن أبرز هذه التحديات يتمثل في افتقار المكتبات إلى المصادر الحديثة، إلى جانب ضعف الاهتمام بالبنية التحتية، ولا سيما ما يتعلق بتوفير خدمة الإنترنت والحواسيب الملائمة للبحث العلمي، الأمر الذي يحرم الطلبة من الوصول إلى قواعد البيانات والدوريات الأكاديمية الحديثة، ويجعل عملية البحث أكثر تعقيدًا وكلفة.
وتضيف أن المكتبات تعاني أيضا من تعقيد إجراءات استعارة المصادر، بل إن عددا من الجامعات ما يزال يرفض اعتماد نظام الاستعارة أصلا، ما يحد من قدرة الطلبة على الاستفادة الفعلية من المحتوى المتاح، ويجبرهم على الاكتفاء بالمطالعة داخل المكتبة خلال فترات زمنية محدودة لا تتناسب مع متطلبات البحث الأكاديمي.
وتشير المهرج إلى أن ساعات دوام المكتبات تمثل عائقا إضافيا أمام الطلبة، إذ تظل معظم المكتبات الجامعية مقيدة بساعات الدوام الرسمي، وعلى خلاف ما هو معمول به في العديد من دول العالم حيث تبقى المكتبات مفتوحة على مدار الساعة أو لساعات ممتدة، ما يؤدي في الواقع المحلي إلى زخم شديد داخل المكتبات في أوقات محددة، ويُفقد الطلبة البيئة الهادئة والمرنة التي يحتاجونها للوصول السريع والفعال إلى المصادر العلمية.
وتخلص المهرج إلى أن استمرار هذا الواقع ينعكس سلبا على جودة البحث العلمي ومخرجات التعليم العالي، مؤكدة أن تطوير المكتبات الجامعية يجب أن يكون جزءا من أي سياسة جادة لإصلاح القطاع الأكاديمي، من خلال تحديث المصادر، وتحسين البنية التحتية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوسيع ساعات الدوام بما ينسجم مع احتياجات الطلبة والباحثين.
الحصول على المصادر العلمية
وتحدث طالب دراسات عليا في إحدى الجامعات العراقية، معن علي الحسيني عن معاناة طلبة الدراسات العليا في الحصول على المصادر العلمية؛ حيث يقول انها أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه مسيرتهم البحثية، في ظل ضعف المكتبات الجامعية وغياب الاشتراكات بقواعد البيانات الأكاديمية.
وتضيف الحسيني في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "إعداد رسالة أو أطروحة علمية يتطلب الرجوع إلى مراجع حديثة ومجلات محكمة، لكننا غالباً ما نصطدم بعدم توفر هذه المصادر داخل مكتبات الجامعات، ما يضطرنا للبحث خارج المؤسسة التعليمية أو الاعتماد على مواقع إلكترونية غير مضمونة".
ويشير إلى أن الطلبة يتحملون أعباء مالية إضافية بسبب اضطرارهم لشراء الكتب أو الاشتراك الفردي ببعض المواقع العلمية، فضلاً عن تكاليف الطباعة والتصوير، في وقت يفترض أن توفّر فيه الجامعة الحد الأدنى من متطلبات البحث العلمي.
وبين أن بعض المكتبات تفتقر حتى إلى الرسائل والأطروحات الحديثة، ما يؤدي إلى تكرار الموضوعات البحثية وضعف الإضافة العلمية، لافتاً إلى أن غياب الفهارس الرقمية وقواعد البيانات يجعل الوصول إلى ما هو متوفر أصلاً مهمة معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً.
وأكد أن هذا الواقع لا يؤثر فقط على جودة البحث، بل ينعكس أيضاً على نفسية الطلبة ويزيد من الضغوط خلال المدد المحددة لإنجاز الرسائل، داعياً وزارة التعليم العالي والجامعات إلى التعامل مع ملف المكتبات والمصادر بوصفه أولوية لا تقل أهمية عن الأبنية والقاعات الدراسية.