قراءة جديدة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة
نشر موقع معهد Clingendael الهولندي دراسة للباحثة نانسي عزالدين حول الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق، أشارت فيها إلى أن تشكيل السلطة السياسية في البلاد لا يتحدد بعدد المقاعد، بل بالتفاعل الأوسع بين شبكات المحسوبية والجهات الفاعلة الخارجية القادرة على التأثير في النتائج، ولا سيما أن القوائم الفائزة لا تبدو متماسكة أيديولوجيًا، وتتمحور حول مجموعة من الإسلاميين والليبراليين وشيوخ القبائل وبعض الإعلاميين، ممن رُشِّحوا لا على ضوء برنامج مشترك، بل لحشد أكبر عدد ممكن من الأصوات من دوائر انتخابية متباينة.
دولة المحاصصة
ورغم أن توزيع المناصب العليا حسب الطائفة ليس منصوصًا عليه في الدستور، ذكرت الكاتبة أنه أصبح عرفًا سياسيًا راسخًا يُؤطِّر كل جولة من جولات المساومة التي تلي الانتخابات، ويُضيِّق هامش السياسة القائمة على البرامج أو القضايا، مما يديم هذا النظام الهجين، الذي يعمل من خلال شبكات الحكم غير الرسمية أكثر من المؤسسات الرسمية. وتستمد فيه الأحزاب الحاكمة قوتها من سيطرتها على الوزارات والإدارات الإقليمية والشركات المملوكة للدولة والأجهزة الأمنية، عبر توزيع الوظائف والعقود والخدمات بطرق تُعزِّز الولاء، حتى صارت هذه الشبكات أهم من برامج الأحزاب، وهي التي تُحدِّد كيفية تشكيل الائتلافات وكيفية ممارسة السلطة بعد وصول الأفراد إلى مناصبهم.
وتوصلت الباحثة إلى أنه، ونتيجةً لذلك، تبقى الديمقراطية في العراق هشة، ويُعدّ نظام الحكم فيها محرّكًا محدودًا للنمو الاقتصادي، وسببًا في تواتر فضائح الفساد وتدهور الخدمات والهشاشة الاقتصادية والقمع العنيف للمتظاهرين، وبالتالي تراجع ثقة الشعب بالمستقبل وبالانتخابات كوسيلة للمساءلة أو الإصلاح.
قانون الانتخابات والتجديد الديمقراطي
وانتقدت الكاتبة نظام التمثيل النسبي بالقوائم المفتوحة، استنادًا إلى طريقة سانت لاغو، الذي فُصِّل لتحسين قدرة الأحزاب المتنفذة على حصد الأصوات بفعالية، لأنه يُغيِّب مبدأ تكافؤ الفرص، ويتطلب حملات انتخابية ذكية واستراتيجية تتسم بالتعقيد والتكلفة العالية، ويُمكِّن المتنفذين من توجيه الأصوات الزائدة إلى المرشحين الأقل شعبية. وبيّن المقال أن هذا يفسر فوز قائمتين بعدد مختلف من المقاعد، رغم حصولهما على عدد متقارب من الأصوات؛ فمثلًا حصل ائتلاف دولة القانون على 728 ألف صوت ضمنت له 29 مقعدًا، فيما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 26 مقعدًا رغم أن أكثر من مليون ناخب منحوه أصواتهم.
وفي معرض انتقاداتها لعدم اعتماد الأرقام السكانية الحالية، وجدت الباحثة أن إهمال نتائج تعداد 2024 فرصة ضائعة، وربما كان مقصودًا، في وقت شهدت الانتخابات استخدامًا غير مسبوق للحوافز المالية، بدءًا من شراء الأصوات وصولًا إلى المدفوعات والوعود المرتبطة ببرامج الدولة. كما أن تفاقم الفقر، وانتشار الهشاشة، وتوسّع آليات الرعاية الاجتماعية النقدية، قد هيّأت بيئة خصبة لشراء الأصوات.
ورأت الباحثة أن تراجع أحزاب المعارضة الناشئة، التي واجهت محاولات استقطاب وقمعًا غير مباشر واختلالات داخلية، قد خدم كثيرًا الأحزاب المتنفذة، فيما أدى خروج التيار الصدري إلى إقصاء المجموعة الوحيدة من الساحة السياسية التي كانت تحظى بدعم كافٍ وجاذبية عابرة للطوائف لتحدي النخبة الحاكمة على نطاق واسع.
وشدد المقال على أن تجربة حزب إشراقة كانون، الذي نجح في بناء تنظيمات قوية وعلاقات محلية وانخرط في المجتمعات فزادت حصته من الأصوات، تؤكد وجود فرص، وإن كانت محدودة، للمعارضة في تحقيق اختراقات جيدة، رغم قدرة المؤسسات المُسيَّسة على عرقلة المنافسة السياسية في لحظات حاسمة، كاستخدام قضيتي اجتثاث البعث أو حسن السلوك، حتى بعد الفوز.
ورغم أن تعدد القوائم يُعدّ أمرًا منطقيًا بسبب قانون الانتخابات، فإن إعادة التجمّع السياسي بعد الانتخابات لتعزيز القدرة التفاوضية تُوقِع العملية السياسية في حلقة مفرغة، لا تنمو فيها الأحزاب بل تتكاثر وتتفكك ثم تتحد من جديد، محافظةً على هيمنة النخب التي يتعاظم نفوذها الحزبي والخاص، وتتزايد قدرتها على الوصول إلى موارد الدولة وتقليص المساءلة، ولا سيما أن هذه النخب تنقسم بسبب المحسوبية والتنافس على السلطة بين الأفراد، فهي تنحدر من الأصل الأيديولوجي والتنظيمي نفسه، وتفتقد للبرامج والقدرة التنظيمية والروابط السياسية مع الناخبين.
تفاوت كبير بين نفوذ الكتل
وادّعت الباحثة أن الكتل المتنفذة تحظى بنفوذ متباين؛ فهناك كتلة واحدة ذات نفوذ رئيسي، وكتل متوسطة النفوذ، وكتل صغيرة تكاد تبدو بلا نفوذ. وذكرت أن الكتل المتوسطة تعمل من موقع أضعف، إذ تميل تحالفاتها إلى أن تكون أقل تماسكًا، وتنافسها الداخلي أشدّ، وقادتها أكثر عرضة للضغوط أو الاستمالة، وأكثر اعتمادًا على رضى الكتلة الأولى. وهذا ما يبدو جليًا بعد الانتخابات، حيث لا تلعب نتائج الانتخابات وحدها دورًا في توزيع (الكعكة)، وإنما هناك أيضاً دور للرعاة الأجانب والسلاح والقضاء والرشاوى والتهديدات، وربما اللجوء إلى العنف السياسي.