خلال جولة صباحية في شوارع مدينة بعقوبة، لا يحتاج المارة إلى كثير من التدقيق لمشاهدة عشرات الطلبة وهم يقضون ساعات الدوام خارج مدارسهم، بين من يقفون أمام أبواب قاعات الألعاب في انتظار فتحها، ومن يجلسون في المقاهي حول طاولات الورق والدومينو والبلياردو، ومن يدخنون الأركيلة!
وتجاور الحقائب المدرسية كراسي الجالسين داخل صالات الألعاب والمقاهي، وتتصاعد أدخنة الأراكيل والسجائر من طاولات يشغلها فتية يُفترض أن يكونوا في صفوفهم الدراسية، لكن حركة المدينة تمضي بصورة اعتيادية، بينما يقضي هؤلاء صباحهم بعيدا عن المدرسة!
ولم يعد مشهد الطلبة المتسكعين في شوارع بعقوبة مجرد حالة محلية خاصة بمحافظة ديالى، إنما هو انعكاس مصغر لظاهرة عامة مقلقة تمددت في عموم البلاد لتشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية. وتتشابك أسباب هذا الهروب الجماعي من مقاعد الدراسة بين أبعاد نفسية واجتماعية وهيكلية. إذ يرى مراقبون أن المدرسة أصبحت بيئة طاردة تفتقر للأنشطة والوسائل الترفيهية الجاذبة، في ظل نقص حاد في الأبنية المدرسية واكتظاظ خانق في الصفوف، مضيفين ان هذا الواقع، إلى جانب المناهج التعليمية الجافة وصعوبة الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الفتية للبحث عن عمل أو ملاذ للتفريغ، كل هذا ساهم في إضعاف رغبة الطالب في التعلم وزاد من معدلات التسرب، يضاف إلى ذلك الانتشار العشوائي وغير الخاضع للرقابة لصالات الألعاب والمقاهي، والتي باتت تشكل بديلا جاذبا لفتية يهربون من ضغوط المذاكرة والامتحانات وسط تراخٍ واشكالية في تطبيق القوانين التي تمنع استقبال القاصرين في أوقات الدوام الرسمي. وفي محاولة لتفكيك أبعاد هذه الأزمة على مستوى البلاد، يدخل المشهدان التربوي والاجتماعي في حلقة مفرغة من تبادل الاتهامات. حيث يرمي كل طرف بكرة المسؤولية في ملعب الآخر. فإدارات المدارس والكوادر التربوية تؤكد أن مسؤوليتها تنتهي عند عتبة أسوار المدرسة، وتحمّل أولياء الأمور المسؤولية الكاملة بسبب "ضعف المتابعة المنزلية، والتهاون في مراقبة سلوك أبنائهم، أو إهمال التحقق من التزامهم بالوصول إلى المدرسة يوميا" – بحسب مراقبين. وفي المقابل، يرفض الأهالي هذه التهم ويشنون هجوما مضادا على المؤسسات التعليمية، متهمين إياها بالتسيب الإداري، وغياب التنسيق، وعدم إبلاغ العائلات عبر قنوات اتصال سريعة فور غياب الطالب عن حصصه الدراسية، فضلا عن لجوء بعض الكوادر التدريسية لأساليب التنمر والضغط النفسي والتنفير. وبين عجز الأسرة وتقصير المدرسة، تضيع المسؤولية المشتركة، ليبقى الطالب هو الضحية والخاسر الأكبر في هذه المعادلة التعليمية المتعثرة.
50 طالباً في مقهى!
رصد فريق من الشرطة، في أحد صباحات الأسبوع الماضي، أكثر من 50 طالباً يجلسون في مقهى يقع قرب شارع خريسان وسط بعقوبة. وبحسب ما نقلته وكالات أنباء عن شهود عيان، فإن الفريق جمع الطلبة وقدم لهم النصائح، محذراً إياهم من ترك المدرسة وقضاء أوقات الدوام خارج الصفوف، إلى جانب تحذير صاحب المقهى من استقبال الأحداث. ويطرح وجود عشرات الطلبة في المقاهي وصالات الألعاب خلال ساعات الدوام أسئلة تتجاوز أسباب الغياب الفردي إلى قدرة المدارس على الاحتفاظ بطلبتها، وحدود متابعة الأسر، ومسؤولية أصحاب الأماكن التي تستقبلهم. ولا يقدم الطلبة المتغيبون مبررا مقنعا لغيابهم. فبعضهم يتحدث عن نقص الملاكات التدريسية وتهالك الأبنية، فيما يشير آخرون إلى الملل وضعف الأنشطة المدرسية، أو مجاراة أصدقاء اعتادوا التسرب من الدوام.
تغيبٌ متخفٍّ
الباحث في الشأن التربوي حسين زيدان، يصف الظاهرة بأنها "تغيّب متخفٍّ"، يغادر فيه الطالب منزله بزيه المدرسي ويعود في موعده المعتاد، بينما يقضي ساعات الدراسة في المقاهي وصالات الألعاب، ما يجعل الأسرة أحياناً آخر من يعلم!
ويوضح في حديث صحفي أن "هذا السلوك قد يرتبط بالتعثر الدراسي أو التنمر أو ضعف شعور الطالب بالانتماء إلى المدرسة، إلى جانب تأثير الأصدقاء وغياب المتابعة الأسرية"، مشيراً إلى أن "الألعاب تمنح الطالب شعوراً سريعاً بالإنجاز والقبول قد يفتقده داخل الصف".
ويضيف زيدان أن "تكرار الغياب يراكم فجوات التعلم، فيجد الطالب صعوبة في متابعة الدروس، ويزداد نفوره من المدرسة، بما قد يقوده إلى الرسوب والانقطاع عن التعليم. كما أن إخفاء الغياب عن الأسرة قد يفاقم توتر الطالب ويضعف الثقة بينه وبين أهله عند اكتشاف الأمر". ويشير إلى ان "المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، وان تأخر إبلاغ الأهل بالغياب، وضعف الإرشاد التربوي والأنشطة المدرسية، واستقبال الطلبة في المقاهي خلال الدوام، عوامل تسمح باستمرار المشكلة".
ويرى زيدان أن "المعالجة تبدأ بفهم أسباب الغياب، والحوار مع الطالب، وإشعار أسرته مبكراً، ومساعدته على تعويض الدروس، وتوفير أنشطة رياضية وفنية تعيد ارتباطه بالمدرسة"، موضحاً أن "العقاب وحده قد يدفع الطالب إلى إتقان الإخفاء بدلاً من معالجة أسباب تغيبه".
اكتشاف المتسرّب أمر صعب!
من جانبه، يقول المواطن حسين الشمري أن "اكتشاف ترك الطالب مدرسته أمر صعب إذا كان خروجه وعودته يتطابقان مع أوقات الدوام. فالقضية تتطلب متابعة دقيقة ومستمرة مع المدرسة". ويوضح في حديث صحفي أن "أحد الأصدقاء اكتشف أن ابنه يخرج كل صباح بحقيبته ويعود في الوقت المعتاد، لذلك لم يشك في شيء حتى عرف لاحقاً أنه يتغيب مع رفاقه. لذا، يتطلب الأمر تواصلاً مستمراً بين العائلة والمدرسة".
حملات على المقاهي وقاعات الألعاب
مع تكرار وجود الطلبة في هذه الأماكن، تنفذ الشرطة المجتمعية حملات على المقاهي وقاعات الألعاب. وفي هذا الصدد، يقول مدير الشرطة المجتمعية في ديالى، العميد صلاح عدنان إسماعيل، إن "مفارز الشرطة المجتمعية تنفذ حملات مستمرة لضبط الطلبة الموجودين في المقاهي أثناء الدوام، وتقديم النصح لهم وتحذيرهم من تكرار الغياب، فضلاً عن تحذير أصحاب المقاهي من استقبال الأحداث". ويلفت في حديث صحفي إلى أن "الشرطة المجتمعية تحضر أيضاً اجتماعات أولياء الأمور في المدارس، وتناقش هذه الظواهر معهم وتقدم الحلول لها"، مؤكداً أن "بعض الحملات المشتركة مع لجان مكافحة المخدرات وشرطة الأحداث وبقية التشكيلات تتضمن حتى اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين من أصحاب المقاهي".
طلبة الثانوية أكثر المتسربين
في السياق، يقول المتحدث باسم مديرية تربية ديالى، عمار العبيدي، إن "ظاهرة ترك الحصص الدراسية تنتشر بين طلبة الثانوية، وتكاد تكون معدومة في المدارس الابتدائية، رغم أن الكوادر التدريسية تقوم بتقديم النصائح للطلبة في المدارس الثانوية وحثهم على عدم ترك المحاضرات". ويشير العبيدي إلى أن "المدارس تتابع حالات تغيب الطلبة وتبلغ ذويهم بشكل فوري لاتخاذ الإجراءات اللازمة. حيث يتم توجيه إنذار أولي للطالب واستقدام ذويه إذا وصل غيابه إلى 7 أيام، وعند بلوغه 15 يوماً يُوجَّه إليه إنذار ثانٍ، وعند 20 يوماً إنذار نهائي، فيما يتم الفصل عند بلوغ الغياب 25 يوماً". ويؤكد أن "إدارات المدارس وكوادر الإرشاد تتواصل مع عائلات الطلبة في حال تغيبهم أو حتى تأخرهم، لمناقشة الأسباب وإيجاد الحلول لهذه المشكلات".
إعادة الطالب إلى الصف لا تكفي
إلى ذلك، يرى الناشط في مجال حقوق الإنسان، مصطفى العزاوي، أن "وجود طلبة في المقاهي وصالات الألعاب خلال ساعات الدوام يستدعي البحث في أسباب تغيّبهم، بدلاً من الاكتفاء بإعادتهم إلى مدارسهم أو معاقبتهم". ويقول في حديث صحفي إن "أسباب التغيب قد تختلف من طالب إلى آخر، بين التعثر الدراسي أو التنمر أو ضعف متابعة الأسرة، فضلاً عن نقص المدرسين وواقع الأبنية المدرسية"، مشدداً على "ضرورة التحقق من هذه المشكلات ومعالجة ما يثبت منها". ووفقاً للعزاوي، فإن معالجة المشكلة تتطلب إبلاغ الأهالي بالغياب مبكراً، والاستماع إلى الطلبة المتسربين ومساعدتهم على تعويض ما فاتهم من دروس، إلى جانب توفير بيئة مدرسية تشجعهم على الحضور وتمنحهم مساحة للأنشطة التعليمية، مؤكداً أن نجاح أي إجراء يُقاس بانتظام الطالب في الدراسة وتوفير بيئة تعليمية مريحة، لا بعودته إلى الصف فقط.