اخر الاخبار

متابعة – طريق الشعب

على الرغم من التقدم الملحوظ الذي تحرزه عمليات المسح والتطهير في مختلف المحافظات، إلا أن تكرار الحوادث المميتة يثبت أن شبح الألغام والمخلفات الحربية لا يزال يتربص بأرواح العراقيين. إذ تخفي مساحات واسعة من أراضي البلاد تركة ثقيلة من المواد الحربية القابلة للانفجار في أي لحظة، يعود بعضها إلى حقبة الحرب العراقية الإيرانية، مرورا بصراعات لاحقة، ووصولا إلى المخلفات التي تركها تنظيم داعش الإرهابي، الأمر الذي يجعل آلاف السكان، لا سيما في المناطق الحدودية والرعوية، في مواجهة مفتوحة مع خطر كامن لا يظهر دائما على سطح الأرض.

وخلال السنوات الأخيرة، حققت فرق التطهير الوطنية والدولية تقدما ملحوظا في رفع المخلفات عن مساحات شاسعة من أراضي البلاد، إلا أن حوادث انفجار الألغام والعبوات والمخلفات المتروكة لا تزال تتكرر وتحصد أرواح مدنيين وعسكريين على حد سواء، ما يؤكد بقاء هذا الملف كقنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الحياتي والأمني.

ويأتي أحدث هذه الحوادث المفجعة يوم 4 تشرين الأول الجاري، ليسفر عن مقتل جنديين وإصابة اثنين آخرين إثر انفجار عبوة ناسفة من مخلفات تنظيم داعش الإرهابي، وذلك خلال واجب تفتيش في المنطقة الصحراوية بين نينوى والأنبار. وسبقت هذه الفاجعة سلسلة حوادث متقاربة، كان آخرها إبان أيلول الفائت في كركوك. حيث أصيب ضابط وثلاثة جنود إثر انفجار عبوة في جبال الغرة، وسبقه في آب الماضي مقتل خبير إزالة ألغام أثناء تأدية واجبه في حقل "الرميلة الشمالية" في البصرة، يضاف إلى ذلك تسجيل ضحايا بين المواطنين في نيسان الماضي جراء انفجار ألغام قديمة في الشريط الحدودي لمحافظة واسط، إلى جانب العشرات من الحوادث التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد خلال السنوات الماضية، والتي أسفرت عن مقتل مواطنين، بينهم أطفال، معظمهم من رعاة المواشي.

2100 كيلومتر مربع

ملوّثة بالألغام

بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن الألغام الأرضية والمخلفات الحربية غير المنفلقة، تمتد في البلاد على مساحة تقدر بنحو 2100 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 300 ألف ملعب كرة قدم، مبيّنة في تقرير صادر عنها، أن "هذه المخاطر المميتة تمثل تهديداً مستمراً لحياة المدنيين، وتحول دون عودة الكثير من العائلات النازحة، وتقيّد إمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية، كما تبطئ جهود إعادة الإعمار".

وتشير اللجنة الدولية في تقريرها، إلى أن هذه المخلفات الحربية تواصل حصد أرواح الناس، وتتسبب في إصابات كارثية.

وتعد محافظة البصرة من أكثر المناطق تلوثاً بالمخلفات الحربية، بمساحة تقارب 1200 كيلومتر مربع، إلى جانب مناطق عدة في محافظة الموصل، والشريط الحدودي مع إيران والسعودية.

ولا تقف المشكلة عند وجود الألغام في مواقع معروفة. إذ يمكن للعوامل الطبيعية أن تزيد التعقيدات. فوفقا لاختصاصيين، فإن الأمطار والسيول ساهمت في جرف بعض القنابل والمخلفات الحربية غير المنفجرة إلى أماكن جديدة، ما يوسّع دائرة الخطر، ويجعل معرفة الموقع الأصلي غير كافية لحماية السكان.

مصاعب انتهاء الخطر

في حديث صحفي، يقول الناشط في مجال التوعية بمخاطر الألغام، إحسان الحيالي، إن "المشكلة في العراق ليست مجرد إرث حرب واحدة. فالألغام والمخلفات بدأت تنتشر على نطاق واسع منذ الحرب العراقية الإيرانية، خاصة في المناطق الحدودية، ثم جاءت حروب لاحقة لتضيف مخلفات جديدة، وصولاً إلى العبوات والألغام التي زرعها تنظيم داعش الإرهابي في المناطق التي سيطر عليها".

ويضيف قوله إن "أصعب ما في ملف التطهير، هو أن العثور على جسم متفجر لا يعني انتهاء الخطر. فالمساحة تحتاج إلى مسح دقيق، والى تحديد المناطق الملوثة، ثم تطهيرها. وهذا يتطلب كوادر مدربة، ومعدات متخصصة، وتمويلاً، وخرائط ومعلومات متراكمة".

ويمتد ملف الألغام والمخلفات الحربية إلى مشاريع البنية التحتية. ففي 26 آذار 2025، بحثت دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة مع وزارة النقل وشركة مكلفة بأعمال التطهير، استكمال متطلبات تطهير المساحة المتبقية من مسار سكة حديد البصرة – الشلامجة. ويبلغ طول مسار مشروع الربط السككي بين العراق وإيران 32 كيلومتراً، فيما تتولى دائرة شؤون الألغام الإشراف على أعمال التطهير.

تدهور علاقة الإنسان بالأرض

من جانبه، يقول الخبير البيئي أحمد حسن، أن "تأثير الألغام لا ينحصر في احتمال انفجارها، بل يمتد إلى علاقة الإنسان بالأرض نفسها"، مضيفا في حديث صحفي أن "حساسية المشكلة تزداد في المناطق التي يعتمد سكانها على الرعي. إذ تفرض طبيعة أنشطتهم حركة مستمرة في مساحات مفتوحة قد لا تكون جميعها مطهرة أو مؤشرة بوضوح". ويلفت حسن إلى أن "هناك مساحات واسعة من الأراضي ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية، ما يجعلها تفقد جزءاً من قيمتها الزراعية أو الرعوية. كما أن بقاء المواد المعدنية والبلاستيكية ومكونات المتفجرات مطمورة في البيئة لفترات طويلة يمثل مشكلة إضافية تحتاج إلى معالجة متخصصة، فضلاً عن مشكلة أخرى تتجدد باستمرار، وتتمثل في جرف السيول الألغام، ما يزيد من الأخطار على الإنسان والحيوانات والبيئة".

أهمية التوعية بالمخاطر

إلى ذلك، ينبّه المتطوع في مجال الإغاثة المجتمعية، صفاء النداوي، إلى أن "الرعاة والمزارعين من أكثر الفئات التي ينبغي توعيتها بمخاطر الألغام. إذ تدفعهم طبيعة عملهم إلى دخول أراضٍ بكرٍ غير مستكشفة، أو ارتياد مسارات اعتاد السكان المرور فيها لسنوات ظانّين أنها آمنة، دون إدراك أن الألغام قد تكون مدفونة فيها أو انتقلت إليها بفعل العوامل الطبيعية".

ويضيف قوله في حديث صحفي إن "الخطر لا يقتصر على البشر، فالحيوانات قد تلامس الأجسام المتفجرة قبل الإنسان، وقد يؤدي انفجارها إلى نفوق الماشية، وإصابة الأشخاص الموجودين بالقرب منها، وحدث هذا بالفعل مرات كثيرة". ويتابع النداوي قائلا إن "السيول أيضاً تجعل المشكلة أكثر تعقيداً، لأن اللغم الذي كان موجوداً في منطقة معروفة قد يتحرك إلى منطقة أخرى، لا سيما إذا كانت التربة رخوة، أو كان الجسم المتفجر قريباً من سطح الأرض".

قلق في المناطق الرعوية

تعد القرى والمناطق الرعوية القريبة من الحدود مع إيران، أو في المحافظات التي شهدت حروباً ضد التنظيمات الإرهابية، من بين الأكثر خطورة، الأمر الذي يضع سكانها في حالة استنفار مستمرة وترقب دائم لخطر يتربص بكل خطوة يخطونها.

في هذا الصدد، تقول المواطنة أمينة حسن، التي تسكن في قرية حدودية: "أخاف على أحفادي أكثر من خوفي على نفسي. هناك مناطق قريبة من القرية تصلح للرعي، لكني أمنعهم من الذهاب إليها عندما لا نكون متأكدين من خلوها من الألغام".

وتعدّ تربية المواشي المهنة الرئيسة التي ترتكز عليها أسرة أمينة، المؤلفة من خمس أسر صغيرة كوّنها أولادها.

وتلفت أمينة إلى أن أحد أبنائها تعرّض لإصابة حين كان يرعى الماشية برفقة صديق له. إذ انفجر عليهما لغم، وتسبب أيضا في إصابة عدد من أفراد القطيع.