تعمل آلاف النساء في القطاع الخاص لساعات طويلة مقابل أجور محدودة، فيما يتحمل كثير منهن في الوقت نفسه مسؤولية الاهتمام بالأسرة. وبين ضعف خدمات رعاية الأطفال وارتفاع كلفتها، تجد العاملات أنفسهن أمام عبء مضاعف نتيجة عدم التزام عدد من أصحاب العمل بالحقوق التي يكفلها قانون العمل العراقي النافذ ومعايير العمل الدولية.
وتبرز الحضانات بوصفها إحدى أكثر المشكلات إلحاحًا. فالمادة 92 من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 تلزم صاحب العمل في المشاريع التي تعمل فيها النساء بإنشاء دور للحضانة، منفردًا أو بالاشتراك مع مشاريع أخرى، وفق التعليمات الصادرة بهذا الشأن.
لكن هذا الحق القانوني لا يزال بعيدًا عن واقع الكثير من العاملات، اللواتي يضطررن إلى البحث عن حلول فردية لرعاية أطفالهن، أو دفع مبالغ إضافية لحضانات أهلية، فيما لا تسمح أجورهن المحدودة بتحمل هذه النفقات.
وتقول العاملة رغد ماهر، عاملة في إحدى شركات القطاع الخاص: "أخرج من البيت في الصباح وأعود في المساء، ولا توجد في مكان عملي حضانة أستطيع أن أترك فيها طفلي. أضطر إلى دفع جزء كبير من راتبي لشخص يهتم به، وفي نهاية الشهر أشعر أنني أعمل فقط لتغطية أجور الحضانة والمواصلات".
ساعات عمل طويلة وأجور محدودة
ولا تتوقف معاناة النساء عند غياب الحضانة، إذ تواجه العاملات في بعض منشآت القطاع الخاص ساعات عمل تتجاوز الحدود القانونية، إلى جانب أجور لا تتناسب مع حجم العمل أو تكاليف المعيشة. ويؤكد قانون العمل وجود ضوابط لساعات العمل، كما يفرض حماية خاصة للنساء، ولا سيما الحوامل والمرضعات، ويحظر إرغام المرأة الحامل أو المرضع على العمل الإضافي في الحالات التي ينص عليها القانون.
وتقول العاملة رقية علي لـ"طريق الشعب": "إن الشركة التي أعمل لصالحها تفرض علينا العمل لساعات إضافية، ولا يكون هناك مقابل إزاء ذلك. إذا اعترضت العاملة، يكون الرد واضحًا: هناك عشرات النساء ينتظرن الوظيفة. لذلك تخشى كثيرات المطالبة بحقوقهن حتى لا يفقدن مصدر رزقهن".
ويزيد ضعف الأجور من هشاشة العاملات، خصوصًا عندما لا يقترن العمل بضمان اجتماعي فعلي أو حماية من الفصل التعسفي أو آليات فعالة لتقديم الشكاوى. وهنا تتحول الحاجة إلى العمل إلى وسيلة ضغط تجعل العاملة تتردد في المطالبة بحقوقها.
قانون موجود.. وحقوق غائبة
المفارقة أن المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب النص القانوني، بل في ضعف تطبيقه والرقابة على المنشآت المخالفة. فقانون العمل رقم 37 لسنة 2015 تضمن جملة من الحقوق المتعلقة بالمساواة في الأجر، وحماية الأمومة، وساعات العمل، والإجازات، والحضانة، كما تفرض المادة 94 عقوبات على صاحب العمل الذي يخالف أحكام حماية المرأة العاملة.
وتأتي هذه الحقوق في سياق التزامات العراق الدولية، إذ صادق العراق على عدد كبير من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، بينها اتفاقيات تتعلق بالمساواة في الأجور، وعدم التمييز، والحد الأدنى للأجور، والحرية النقابية والمفاوضة الجماعية. وتؤكد منظمة العمل الدولية أن برنامج العمل اللائق الجديد للعراق للفترة 2026–2029 يضع حقوق العمال والحماية الاجتماعية ودعم نمو القطاع الخاص ضمن أولوياته.
وبذلك، فإن ما تواجهه العاملات من أجور متدنية، وساعات عمل مفرطة، وغياب خدمات رعاية الأطفال، وضعف الحماية الاجتماعية، لا يمثل مجرد مشكلات فردية، بل يكشف فجوة واسعة بين معايير العمل اللائق التي يفترض أن تحكم سوق العمل وبين واقع القطاع الخاص.
وتقول العاملة دعاء جعفر لـ"طريق الشعب": "نحن لا نطلب امتيازات خاصة. نريد فقط أن نعمل ونحصل على أجر عادل، وأن نعرف أن أطفالنا في مكان آمن أثناء ساعات العمل. عندما تكون الحضانة غائبة والراتب قليلًا وساعات العمل طويلة، يصبح الاستمرار في العمل معركة يومية".
وأخيرًا، إن إنفاذ قانون العمل، وتشديد التفتيش على منشآت القطاع الخاص، وتفعيل العقوبات، وإلزام أصحاب العمل بتوفير الحضانات، فضلًا عن تعزيز دور النقابات والاتحادات العمالية في الدفاع عن النساء العاملات، تمثل خطوات أساسية لسد الفجوة بين القانون والتطبيق.