اخر الاخبار

إرم نيوز

اعتقلت قوة أمنية عراقية قياديًا في هيئة الحشد الشعبي يُعرف باسم "أبو رضوان السعد"، برفقة أربعة أشخاص، على خلفية حادثة دهس العلم الأمريكي في ساحة التحرير وسط بغداد، في خطوة تفتح نافذة على إجراءات أوسع تتخذها حكومة علي الزيدي لضبط نفوذ شخصيات وجماعات مرتبطة بالفصائل داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

وجاء الاعتقال عقب توترات دبلوماسية أثارتها واقعة دهس العلم الأمريكي بواسطة آليات تابعة لهيئة الحشد الشعبي، خلال مسيرة "نصر الشهداء"، الخميس الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بالتزامن مع احتفالات العراق بـ"يوم السيادة"، عقب انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي رسميًا في 30 أيلول/ سبتمبر.

لكن أهمية الاعتقال لا تتوقف عند حادثة العلم الأمريكي، إذ تكشف معلومات حصل عليها "إرم نيوز" طبيعة الدور الذي كان يؤديه أبو رضوان داخل منظومة الحشد، ولا سيما في الجانب الثقافي والإعلامي والتعبوي. 

 

"فرقة الكشافة".. على غرار حزب الله اللبناني

وقالت مصادر في هيئة الحشد الشعبي لـ"إرم نيوز" إن أبا رضوان يدير تشكيلًا معنيًا بالجانب الثقافي والتعليمي داخل الهيئة، وإن اعتقاله جاء بعد رفعه شعار "لن نبقيهم"، في إشارة إلى القوات الأمريكية، وهو ما اعتبرته حكومة الزيدي إحراجًا لها أمام الإدارة الأمريكية في توقيت تحاول فيه بغداد تثبيت مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف.

وبحسب المصادر، يتولى أبو رضوان إدارة جانب من الحملات الإعلامية للحشد والفصائل، ويشرف على رفع الشعارات واللافتات المرتبطة بالجماعات المسلحة في شوارع بغداد ومعالمها، بما في ذلك صور المرشدين الإيرانيين السابقين روح الله الخميني وعلي خامنئي على نصب الحرية.

وتعرّف المجموعة نفسها، عبر منصاتها الرسمية ومن بينها حساب "كشافة بغداد"، بأنها حركة "ترفيهية، ثقافية وتربوية تسعى لصناعة جيل واعٍ بعطاء وانضباط"، وتنشط في تنظيم المخيمات الشبابية والأنشطة الدينية والتعبوية وإحياء المناسبات المرتبطة بالفصائل.

ويقترب نموذج "كشافة الحشد" من التجربة التي تبناها حزب الله اللبناني منذ عقود، حيث لا يقتصر النشاط على العمل الكشفي التقليدي والمخيمات والفعاليات الشبابية، وإنما يمتد إلى التعبئة الفكرية والعقائدية للأطفال والشباب، وربطهم بمفاهيم ما يسمى "محور المقاومة" وولاية الفقيه، بما يخلق حاضنة بشرية يمكن أن تنتقل مستقبلًا إلى مستويات تنظيمية أخرى.

وأثار اعتقال أبي رضوان اعتراضًا داخل القوى القريبة من الحشد. وقالت النائب عن كتلة بدر النيابية نور عادل إن "الولايات المتحدة اغتالت قائد الحشد ومؤسسه على أرض العراق، وقتلت العشرات من رجاله، فيما يُعتقل اليوم أبناء الحشد لمجرد رفع صور قادتهم الشهداء وشعاراتهم، بذريعة تفادي العقوبات الأمريكية".

 

الزيدي يقلم "أظافر الفصائل"

ولا تبدو قضية "كشافة الحشد" منفصلة عن تحركات أخرى بدأت حكومة علي الزيدي باتخاذها منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، وطالت شخصيات داخل الدولة، بينهم نواب ومسؤولون تنفيذيون وشخصيات تُعرف بقربها من الفصائل ومحور إيران.

وأصدرت محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة، الأحد 4 تشرين الأول/ أكتوبر، قرارًا بوضع إشارة الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لتسعة أشخاص، بينهم النائب البديل فراس رحيم مجيسر البيضاني المعروف بـ"ابن مجيسر"، إضافة إلى أفراد من عائلته.

وقالت مصادر برلمانية لـ"إرم نيوز" إن الإجراء طال شقيقي النائب وأبناء عمومته على خلفية مؤشرات مرتبطة بملفات فساد مالي، ما تسبب في وقف إجراءات أدائه اليمين الدستورية في مجلس النواب نائبًا بديلًا عن النائب المُدان سابقًا حسن الخفاجي.

وتدير عائلة "بيت مجيسر" أنشطتها الاستثمارية والتجارية تحت مظلة "مجموعة مجيسر"، التي تأسست عام 1982 وتتخذ من منطقة الكرادة في بغداد مقرًا رئيسًا لها.

وتتوزع أعمال المجموعة، التي يديرها تنفيذيًا رجل الأعمال والنائب فراس رحيم مجيسر البيضاني، على قطاعات السياحة والصحة والصناعة والزراعة والتجارة.

وتشمل أبرز استثماراتها "شركة جزيرة بغداد السياحية" ومجمع "جنان بغداد" الاستثماري، إضافة إلى "مستشفى مارينا الأهلي"، ومصنع "سولتيير" لإنتاج الألبان والعصائر، وشركتي "أنهار الحياة" و"هلال الشرق"، إلى جانب وكالات تجارية ومشاريع في منطقة جميلة الصناعية شرقي بغداد.

 

من الإعلام إلى البرلمان

ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد. فقد أفادت مصادر قضائية مطلعة لـ"إرم نيوز" بصدور أمر استقدام بحق الصحفي ربيع نادر من محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة في بغداد.

ويشغل نادر حاليًا منصب مدير عام في هيئة الإعلام والاتصالات، وسبق أن شغل منصب مدير المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، كما عمل مديرًا لمكتب رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي خلال احتجاجات تشرين عام 2019، ويُعرف بقربه من حركة "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي.

وفي مسار موازٍ، خاطبت رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ ومحكمة تحقيق جنايات مكافحة الفساد المركزية، الاثنين 5 تشرين الأول/ أكتوبر، مجلس النواب رسميًا للنظر في رفع الحصانة عن النائبة زهراء لقمان حنين الساعدي، المنتمية إلى كتلة بدر النيابية، على خلفية شبهات تتعلق بالتزوير.

وتنتمي الساعدي إلى الكتلة التي يقودها هادي العامري، أحد أبرز قادة تحالف الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، ما يرفع الحساسية السياسية للإجراءات القضائية الجديدة، خصوصًا مع اتساع قائمة الشخصيات التي بدأت أسماؤها تظهر تباعًا في ملفات التحقيق.

 

170 اسمًا على الطريق

ويقول المحلل السياسي ومدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر لـ"إرم نيوز" إن ما ظهر حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من حملة أوسع.

وأضاف أن "مسؤولين كثرًا لا يزالون في مناصبهم منذ حكومة محمد شياع السوداني، وهم متهمون بالفساد والفشل والارتباط بالأحزاب"، مشيرًا إلى أن الزيدي بدأ منذ وصوله إلى الحكومة بتعيين شخصيات مقربة منه واستبعاد مسؤولين تحوم حولهم اتهامات بالفساد.

وبحسب حيدر، فإن القائمة التي يجري التعامل معها تضم نحو 170 مسؤولًا، يتوقع أن تصدر بحق عدد منهم أوامر قبض وإجراءات لمصادرة الأموال، فيما لا يمثل الذين جرى استدعاؤهم حتى الآن سوى جزء صغير من العدد الإجمالي.

ويرى حيدر أن غالبية الأسماء الواردة في هذه الملفات مرتبطة بمرحلة حكومة محمد شياع السوداني، معتبرًا أن على رئيس الوزراء السابق إعلان موقف واضح من الشخصيات المحسوبة عليه إذا أراد النأي بنفسه عن القضايا التي يجري فتحها. 

وبين اعتقال مسؤول "كشافة الحشد"، وملاحقة نواب ومسؤولين وشخصيات نافذة، تبدو إجراءات الأيام الأولى من تشرين الأول/ أكتوبر وكأنها تتجاوز حملة فساد تقليدية، لتلامس شبكة النفوذ السياسي والإعلامي والاقتصادي التي راكمتها قوى وفصائل خلال السنوات الماضية داخل مؤسسات الدولة العراقية.