اخر الاخبار

يفترض ببروتوكولات علاج السرطان، المتسقة مع المعايير الاسترشادية لمنظمة الصحة العالمية والتشريعات الوطنية، أن تُطبق كآلية رعاية مجانية تحمي المرضى من تحمّل تبعات العلاج المالية الباهظة. غير أن الواقع في المستشفيات الحكومية العراقية بات يسير اليوم بعكس هذه الخطط الدولية. حيث تحوّل شح الأدوية والنقص الحاد في الجرعات الأسبوعية والشهرية إلى حكم إعدام مؤجل يلاحق آلاف المصابين بالأورام!

ويجد مريض السرطان نفسه مجبرا على خوض رحلة عذاب يومية بين الصيدليات الأهلية والمذاخر التجارية لشراء علاجات طائلة الأثمان على نفقته الخاصة، بسبب عدم توفرها في المستشفيات.

هذا العجز المؤسساتي وضع المرضى أمام خيارين: إما الاستدانة وبيع الممتلكات والمدخرات البسيطة لتأمين ثمن الحياة، أو الانكفاء خلف جدران المنازل وانتظار الموت بصمت عند العجز عن الدفع.

ولم يعد مشهد رفوف الصيدليات المركزية داخل مراكز الأورام الحكومية وهي خاوية من الجرعات المنقذة للحياة مجرد أزمة عابرة، إنما أصبح واقعا مفروضا يؤكده مرضى وأطباء وصيادلة في أحاديث صحفية متطابقة. إذ يجمع هؤلاء على أن الكثير من المستشفيات باتت تخلو تماما من العلاجات الكيماوية والهرمونية الأساسية، نتيجة للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد والتي ألقت بظلالها الثقيلة على القطاع الصحي، متسببة في نقص حاد في التمويل المخصص لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي أدى مباشرة إلى تأخر مواعيد الجرعات لأسابيع وشهور، وبالتالي بات يهدد بانتكاسات صحية لا يمكن تداركها، ويجبر المرضى على التوجه نحو الأسواق الخاصة لشراء تلك الجرعات بأسعار فلكية تفوق قدراتهم المالية.

وفي بلد تفتقر فيه العائلات المتعففة إلى أبسط مقومات الأمن المعيشي، يعصف تشخيص المرض الخبيث بوجودها كاملا. إذ لا تقتصر المعاناة على قسوة الأعراض ومواجهة المجهول، إنما تتعداها إلى عجز مالي مطبق يجعل من تأمين أبسط متطلبات الفحص الدوري حُلما بعيد المنال. 

نحو 5 ملايين دينار شهريا

يروي المواطن محمد، المصاب بابيضاض الدم اللمفاوي المزمن، رحلة عذابه اليومية في البحث عن علاج "إبروتنيب" المنقذ لحياته، مبيّنا في حديث صحفي أنه راجع مركزه العلاجي الحكومي مرارا وتكرارا دون جدوى، ليصطدم بعبارة "الدواء غير متوفر".

ويضيف قوله، أنه اضطر بعد ذلك إلى البحث عن الدواء في صيدليات ومذاخر أهلية، فوجده بالفعل، لكن سعره كان خارج قدرته المالية، الأمر الذي أجبره على تركه، وبالتالي أدى إلى تأخر علاجه.

ويحتاج محمد إلى جرعة يومية تبلغ 420 ملغم (ثلاث كبسولات بتركيز 140 ملغم)، وهو ما يعني استهلاك علبة كاملة تضم 90 كبسولة شهريا. حيث تُشير قوائم شركة "كيماديا" الرسمية إلى أن سعر العلبة الواحدة من هذا الدواء يبلغ نحو 4.8 ملايين دينار. وهي كلفة فلكية تضع حياة مواطن بسيط في مواجهة مباشرة مع خطر الموت لمجرد أنه لا يملك ثمن جرعته الشهرية.

انهيار القطاع الصحي

من جانبه، يقول الطبيب محمد عبد الكريم، أن "انهيار القطاع الصحي يؤثر بصورة عامة في شعور المرضى بالأمان. فهم يحاولون قدر الإمكان الوثوق في المستشفيات الحكومية، ويبدأون بالفعل بمراجعتها على أساس ذلك"، مستدركا في حديث صحفي "لكن الأطباء أنفسهم يقتلون هذا الأمل بنصائح قد تبدو مخيبة، لكنها حقيقية، ومنها عدم توفر العلاج أو تأخره أو حتى عدم ضمان وصول الجرعات في الوقت المناسب. لذلك لا يكون للطبيب خيار سوى أن يعترف بهذا الانهيار".

وبالرغم من أن مرضى السرطان مشمولون بالإعفاء في قانون الضمان الصحي العراقي، أي لا يدفعون مبالغ عند مراجعة المؤسسات الصحية، ولا حتى قيمة الدواء، أفادت لجنة الصحة البرلمانية في أيار الماضي، بأن أدوية علاج السرطان لا تتوفر بما يتناسب مع الزيادة في عدد المرضى، الأمر الذي يضطر الكثيرين إلى شراء العلاج على نفقتهم الخاصة.

وفيما ربطت "كيماديا" عدم القدرة على تجهيز العلاجات، بعدم توفر المبالغ الكافية، قال عضو لجنة الصحة باسم الغرابي أن بعض الإبر قد يصل سعره إلى 250 دولارا، وأن جرعة الكيماوي قد يصل سعرها إلى 900 دولار خارج المستشفى.

وبحسب الطبيب عبد الكريم، فإن الكثير من العلاجات الخاصة بالسرطان تتم سرقتها من داخل المراكز الحكومية نفسها، عبر تعاون بين وسطاء وصيادلة وأطباء، لأسباب كثيرة منها توفيره لآخرين بأسعار مضاعفة.

يذكر أن السلطات اعتقلت في وقت سابق متورطين ببيع أدوية سرطان مخصصة لمراكز وزارة الصحة. وضبطت أدوية خرجت من مركز لعلاج السرطان في مدينة الطب، قبل أن تصل إلى صيدليات أهلية وتباع للمرضى بأسعار مرتفعة.

شراء الحياة بالآجل!

المواطن علي، مريض بسرطان البنكرياس، أمضى شهورا في مراجعة المستشفى الحكومي للحصول على جرعات الكيمياوي، وفي كل مرة يؤكد له الأطباء عدم توفرها، ليعود إلى البيت منتظرا موعدا جديدا.

في الاثناء، اقترح عليه أصدقاؤه عروضا جانبية من أشخاص يقولون إنهم قادرون على إنقاذه مقابل مبالغ لا يملكها، الأمر الذي اضطره إلى الاستدانة من أقاربه، وبيع بعض مقتنيات بيته.

يقول علي في حديث صحفي، إنه بعد ان وفر المبلغ المطلوب، سافر إلى لبنان لتلقي العلاج، مشيرا إلى أنه "بالرغم من كلفة العلاج المرتفعة هناك، إلا أني كنت أعرف موعد الجرعة، وأضمن الحصول عليها".

وبعد أن تفاقمت تكاليف العلاج والإقامة، اضطر علي إلى العودة للعراق، واستكمال علاجه عبر شرائه من الصيدليات الخاصة.

ويوضح أن "الفارق بين التجربتين لا يتعلق بالسعر وحده. ففي لبنان كنت أدفع مبلغا كبيرا، لكني كنت أعرف موعد تلقي العلاج. أما في العراق فأدفع أيضاً، لكني انتظر وصول الدواء إلى المستشفى، ولا أعرف إذا كان سيصل أم لا"!

شح العلاج الهرموني

إلى ذلك، تقول ميسرة محمد، وهي ناجية من السرطان تعمل في مؤسسة معنية بتقديم الدعم النفسي للمرضى، ان أكثر العلاجات انقطاعاً في الوقت الحالي هي أدوية سرطان الثدي، خصوصاً العلاج الهرموني الذي يتطلب انتظاما في الجرعات، مؤكدة أن تأخر تلقي هذه الأدوية يتسبب في مضاعفات صحية.

وتضيف في حديث صحفي، أن "الأزمة لا تتعلق بالدواء وحده.

إذ يعاني مرضى السرطان أيضاً نقصاً في أجهزة التشخيص ومواد الفحص"، لافتة، بحسب تجربتها الشخصية، إلى انها كانت تُجري كل ثلاثة شهور، فحص PET scan في مستشفى أهلي، بكلفة تصل إلى 900 ألف دينار.

وتؤكد أن "نحو 70 في المائة من العلاجات الكيمياوية غير متوفرة حالياً في المراكز الحكومية، وهو ما يدفع المرضى إلى البحث عنها في الصيدليات الخاصة أو انتظار وصولها".