بدأت الهيئات التعليمية والتدريسية في العراق دوامها في الأول من أيلول الجاري استعداداً لاستقبال التلاميذ والطلبة في 20 منه، والذين تصل أعدادهم في عموم البلاد إلى نحو 13 مليون – وفقا لتصريحات رسمية.
وبينما يبدأ الطلبة عامهم الدراسي الجديد، يواجهون أزمات متعددة تتكرر سنويا دون أي معالجة جادة من الجهات المعنية، رغم ما تبذله من جهود هنا وهناك. وأهم تلك الأزمات هي أزمة نقص المباني المدرسية. إذ تفيد تقارير وبيانات رسمية بأن النقص في عدد المدارس يتراوح بين 7 و8 آلاف مدرسة، وأن البلاد تحتاج إلى أكثر من 10 آلاف مدرسة لفك الاختناقات بالكامل، وتدارك تأثيراتها السلبية الكبيرة على الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية، وجميعهم يحتاجون إلى بيئة تعليم تتلاءم مع متطلبات التطوير المعرفي وصولاً إلى مستقبل واعد وأكثر نجاحاً في ميادين العمل.
وعلى الرغم من أن أزمة اكتظاظ المدارس ليست جديدة في البلاد، إلا انها لا تزال تتكرر بصورة أشد مع بداية كل عام دراسي، من دون معالجة جذرية تتناسب مع حجم الزيادة في أعداد الطلبة. وعلى مدى سنوات، بقي ملف الأبنية المدرسية واحدا من الملفات الخدمية التي تعاني التأخير والتعثر، وسط اتهامات متكررة بوجود فساد وهدر في مشاريع بناء وتأهيل المدارس، ما ساهم في استمرار الفجوة بين أعداد الدارسين والمباني المتاحة، ودفع مدارس كثيرة إلى اعتماد الدوام المزدوج والثلاثي.
5 آلاف مدرسة لم تعالج الأزمة جذريا
بحسب المشرف التربوي يونس الدليمي، فإن "عدد المدارس التي بُنيت أو رُممت خلال السنوات الأخيرة كان كبيراً، لكن الحاجة إلى أخرى لا يزال قائماً"، معتبرا في حديث صحفي أن "مشكلة نقص المدارس تؤرق الكوادر التدريسية والطلبة وأهاليهم في العديد من المناطق".
ويتابع قائلا: "لذلك، يجب استمرار خطوات المعالجة باعتبارها ضرورية جداً لتدارك السلبيات، وهذا ما تعمل عليه وزارة التربية التي كانت قد أعلنت في شباط الماضي بناء وترميم 5679 مدرسة خلال السنوات الأخيرة. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن العراق يحتاج إلى نحو 10 آلاف مدرسة لفك الاختناقات".
وفي تقرير سابق حول التعليم في العراق، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أن "عقوداً من الصراع وقلّة الاستثمار في التعليم ألحقت أضراراً كبيرة بالنظام التعليمي العراقي والبنى المدرسية"، مبيّنة أنه "حتى في حال توفير المدارس أو حصول اكتفاء بالمباني في بعض المناطق، لا يعني ذلك أن البيئة التعليمية أصبحت ملائمة، لأن مشاكل أخرى لا تزال قائمة".
50 طالبا في الصف الواحد
يقول المدرّس محمد عباس، أنه "في بعض الصفوف يصل عدد الطلبة إلى 40 أو 50، وهذا عبء على المعلم يجعل متابعة الفروق الفردية بين طلبته ومعالجتها، أكثر صعوبة"، مضيفا في حديث صحفي قوله: "كما يُشكل الأمر عبئا على المرشدين والإداريين الذين يتعرضون لضغوط كبيرة اثناء متابعة مستويات الطلبة".
ويشير إلى أن "هناك تحديات أخرى في المدارس، تتعلق بتوفير المياه والصرف الصحي والكهرباء والمختبرات والمرافق الرياضية ووسائل السلامة، وهذه خدمات ضرورية تؤثر مجتمعة في قدرة المدارس على توفير بيئة تعليمية مناسبة".
ضعف جودة التعليم
لا يتوقف أثر الاكتظاظ عند ضيق المكان أو صعوبة توفير المقاعد، إنما يمتد بصورة مباشرة إلى جودة العملية التعليمية نفسها. إذ يجد المدرّس صعوبة أكبر في إيصال المادة ومتابعة مستوى الطالب داخل الصف، وبالتالي يصعب اكتشاف نقاط الضعف لديه ومعالجتها، أو منح المتفوقين الاهتمام الذي يحتاجونه، في وقت تتراجع فيه فرص النقاش والتفاعل داخل الصف، ويتحول جزء من وقت الدرس إلى محاولة للسيطرة على العدد الكبير من الطلبة وتنظيم الحصة.
لكن المواطن زهير البدري، وهو أب لثلاثة طلبة يتوزعون بين المرحلتين الابتدائية والثانوية، يرى أن "ضعف جودة التعليم ومخرجات التعلم ربما هو التحدي الأهم، لأنه لا يظهر بمجرد النظر إلى عدد المدارس"، موضحا في حديث صحفي أنه "قد يكون لدينا عدد أكبر من المقاعد والطلبة داخل الصفوف، لكن السؤال المطروح ماذا يتعلم الطالب فعلياً؟ هل يملك في نهاية مراحل التعليم المختلفة المهارات التي يحتاج إليها في وقت يشهد فيه العالم قفزات في التكنولوجيا؟ الجواب كلا، ويجب على الأسر أن تبذل جهداً أكبر كي يكتسب أولادها المهارات اللازمة، ومنها تقوية اللغات الأجنبية واستخدام الكومبيوتر وغير ذلك".
دوامات متعددة
تبرز مشكلة الدوام المزدوج والثلاثي باعتبارها نتيجة مباشرة للفجوة بين أعداد الطلبة وأعداد المباني المتاحة. ويعاني أولياء الأمور هذه المشكلةَ كثيراً. إذ يقول محمد العبيدي، وهو معلم وأب لتلميذتين في المرحلة الابتدائية أن "الدوام الثلاثي يساعد الدولة على استيعاب أعداد أكبر، لكنه يضغط على المعلمين والإدارات والمرافق، ويقلّل الوقت المتاح للتعلم، كما يفرض ضغوطاً إضافية على الطلبة وأسرهم".
ويضيف في حديث صحفي قوله: "تزداد حساسية المشكلة في المرحلة الابتدائية. حيث يحتاج الطفل إلى وقت كافٍ للتعلم والراحة والتفاعل. فالسنوات الأولى لا تقتصر على اكتساب القراءة والكتابة، بل تشمل مساعدة الطفل على تطوير مهاراته اللغوية والاجتماعية والمعرفية"، مؤكدا أنه "عانيت كثيراً ولا أزال أعاني مع طفلتيَّ، وأسأل كيف يمكن أن يستفيد طفل من هذه التجربة إذا كان يعاني ضيق المكان، أو لا يجد مقعداً مريحاً، أو ينتقل من درس إلى آخر وسط وقت محدود للراحة؟!".
المدارس الخاصة خيار اضطراري!
تجبر هذه المشكلات وغيرها عائلات كثيرة على أن تضغط على ميزانياتها لتوجيه جزء منها إلى المدارس الخاصة التي بات العديد من أولياء الأمور يعتبرونها الحل الأمثل. ومن بين هؤلاء سارة إبراهيم، التي تقول في حديث صحفي: "توفر المدارس الخاصة مباني مريحة ودواماً كاملاً وأعداداً مثالية من الطلبة داخل الصف الواحد، وأيضاً خدمات صحية ونفسية جيدة، وأوقات راحة مناسبة"، مضيفة قولها: "الحقيقة أن هذه الخدمات سمحت لابنتي البكر بالحصول على دراسة مريحة والتخرج في الثانوية بعلامات عالية. كما يسير ولدايَ على النهج نفسه، ويدرسان في المرحلة الثانوية في مدرسة خاصة".
وتشير إلى أنه "على الرغم من أن المدرسة الخاصة تفرض رسوماً مالية عالية، لكنها من جانب آخر توفر دراسة جيدة ومريحة للطلبة، وتتيح للمدرسين تقديم المواد بشكل مثالي، وهو ما تفتقده المدارس الحكومية".
منظومة من الأزمات
تأتي أزمة نقص المدارس ضمن منظومة أوسع من الأزمات التي يعانيها قطاع التعليم في العراق. إذ تتداخل معها مشكلات نقص الكوادر والتجهيزات والخدمات الأساسية، وتراجع البنى التحتية، فضلا عن تحديات تتعلق بمستوى المناهج وجودة مخرجات التعليم، الأمر الذي يجعل معالجة أزمة الأبنية المدرسية وحدها غير كافية ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع للنظام التعليمي.
في هذا الصدد، يقول التربوي علي عبد الكريم، أن "مشكلة نقص المدارس لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بقية أزمات التعليم، لأنها واحدة من حلقات منظومة متراكمة على مدى سنوات. عندما لا تتوفر مباني مدرسية كافية نصل إلى الدوام المزدوج أو الثلاثي، وعندما تكتظ الصفوف يصبح من الصعب على المدرس متابعة جميع الطلبة وإيصال المادة بالشكل المطلوب، ثم تظهر انعكاسات ذلك على مستوى التحصيل والمخرجات".
ويتابع في حديث صحفي قائلا: "لذلك، فإن بناء المدارس ومعالجة الاكتظاظ خطوة أساسية، لكنها يجب أن تكون جزءا من خطة أوسع لإصلاح التعليم، تشمل الأبنية والمناهج والكوادر والتجهيزات والخدمات، وليس معالجة مشكلة واحدة وترك بقية الحلقات تعاني".